أزمة تونس السياسية تخرج عن السيطرة ودعوات التغيير تطرق الأبواب

الرابط المختصرhttp://cli.re/gvwyN2

رئيس الحكومة التونسية مع رئيس الجمهورية (أرشيف)

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 06-08-2018 الساعة 09:06
تونس - الخليج أونلاين (خاص)

تسبب صراع الأجنحة داخل حزب نداء تونس الحاكم وداخل عائلة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، في أزمة حكم بالبلاد، عقّدتها الخلافات والاتهامات المتبادلة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد (ابن نداء تونس) والمدير التنفيذي لحزب النداء حافظ قايد السبسي (نجل رئيس الجمهورية)، حتى باتت هذه الأزمة تهدد بإحداث شرخ كبير في العملية السياسية وبمستقبل البلد.

ويرى محللون أن هذه الأزمة نسخة مطابقة للأصل لما عرفته فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أواخر الثمانينيات، وأنها التفاصيل ذاتها لفترة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حيث ارتفعت وتيرة الاحتجاجات على تدخُّل العائلة بالحكم في إطار انتفاضة شعبية، عُرفت بانتفاضة 14 ديسمبر و17 يناير.

* منظمات دولية على الخط

صدى هذه الأزمة، الذي بدأ فعلياً في يناير العام الماضي، حين طالب الاتحاد العام التونسي للشغل بتغيير "الشاهد"، تجاوز مستواه المحلي إلى الدولي، وهو ما أكده تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، الخميس 2 أغسطس 2018، جاء فيه أن التجاذبات السياسية المتعلقة برحيل رئيس الحكومة التونسية أو بقائه تشل العمل الحكومي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

ويضيف التقرير: "إذا ارتفعت وتيرة الضغوط السياسية والاجتماعية خلال الأشهر القادمة، فإن تشكيل حكومة تكنوقراط يمكن أن يكون حلاً أخيراً ومؤقتاً لتدعيم الثقة مع المؤسسات".

وأكد التقرير أن فرنسا والاتحاد الأوروبي يعتبران "الشاهد شخصية سياسية ديناميكية قادرة على الوفاء بالتزامات تونس أمام الممولين"، وأن عدم الاستقرار السياسي "يؤخر إنجاز الإصلاحات".

وورد في التقرير أيضاً، أن الاتحاد العام التونسي للشغل (الذي يطالب بشدةٍ برحيل الشاهد) هو  "المسؤول الرئيسي عن تعطُّل الإصلاحات الاقتصادية، وتجزئة التسلسل القيادي في الإدارة العمومية، وانفجار مطالب الزيادة في الأجور".

وذكر المحللون الذين أعدوا التقرير، أن رحيل "الشاهد" أو بقاءه أمر "ثانوي" بالنسبة للشعب التونسي، لكن "وبصفة مستعجلة، يجب على الأحزاب السياسية أن تُظهر أنها استعادت مفهوم الدولة".

ولَم يكن تقرير مجموعة الأزمات الدولية أول المعترفين بسياقات أزمة الحكم، حيث سبقته العديد من التقارير الدولية التي أكدت أن واقع الأزمة في تونس إنما هو في علاقة بالواقع السياسي؛ وهو ما دفع عدداً من المنظمات الدولية إلى دعوة القيادة التونسية إلى ضمان التحولات الديمقراطية وعدم المجازفة بإرباك الراهن السياسي؛ لما له من تأثير مباشر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمني.

ويرى المحلل السياسي محمد بوعود في هذا الشأن، أن تونس عاشت تجربة لحكومة تكنوقراط سنة 2014، لكنها فشلت بسبب ضعف شعبية التكنوقراط واحتدام الصراع السياسي، من أجل السيطرة على مواقع القرار.

ويضيف في تصريحه لـ"الخليج أونلاين" أن دور المنظمات الاجتماعية تراجع، خاصة إذا تحدثنا عن منظمة الأعراف (منظمة أرباب العمل النقابية) التي فقدت بريقها بعد استقالة وداد بوشماوي، وأصبحت عنصراً داعماً لتوجهات الحكومة، في حين بقي الاتحاد العام التونسي للشغل ملتزماً بقضية تغيير الحكومة.

ويؤكد أن تونس تعيش اليوم أزمة سياسية هي الأسوأ، يمكن أن تجر البلاد إلى إفلاس اقتصادي تتحمل مسؤوليته بدرجة أولى الأطراف الحاكمة.

* بدايات الأزمة

تطالب أحزاب سياسية عديدة في تونس منذ أشهر، بينها جناح في حزب "نداء تونس" الذي يقوده حافظ قايد السبسي نجل رئيس الجمهورية، إضافة إلى "الاتحاد العام التونسي للشغل"، النقابة العمالية واسعة النفوذ، باستقالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد؛ بسبب المشاكل الاقتصادية التي تعانيها البلاد.

وأكدت الهيئة السياسية لحزب نداء تونس، في بيان، الجمعة 4 أغسطس الجاري، تبنِّيها موقف الحزب بضرورة إحداث تغيير شامل للحكومة، في خطوة تضع حدّاً لخلافات برزت في الفترة الأخيرة بين قيادة الحزب وكتلته البرلمانية.

ويقول في المقابل، النائب عن حركة نداء تونس محمد رمزي خميس، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إن تونس الآن في مرحلة البناء بعدما كانت في مرحلة سابقة مستغرقة في كتابة الدستور وإعداده، ويجب الحفاظ على استقرارها السياسي، مشيراً إلى أن إخراج البلد من الأزمة التي يعيشها لا بد من أن يستوجب تقديم تنازلات من جميع الأطراف السياسية وتغليب مصلحة تونس ووضعها فوق كل الاعتبارات.

وبعد ارتفاع وتيرة المطالب بتغيير الحكومة، حمَّل "الشاهد" أزمة حزب نداء تونس التي تم تصديرها إلى الحكومة، نجلَ رئيس الجمهورية، متهماً إياه بالتسبب فيها وبتدمير الحزب، خلال كلمة ألقاها بصفة مفاجئة على التلفزيون الرسمي، يوم 29 مايو 2018، دافع فيها عن إنجازات حكومته، واعتُبرت الكلمة بمثابة الحرب العلنية بين الطرفين.

وفي غضون ذلك، أعدَّت مجموعة من نواب المعارضة والائتلاف الحاكم، يوم 4 يوليو 2018، عريضة لاستدعاء رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، في جلسة عامة بالبرلمان؛ لعرض تجديد الثقة بحكومته على نواب الشعب.

 

وأكد عدد من النواب الموقعين على الوثيقة، أن "نحو 50 نائباً من مختلف الكتل البرلمانية، باستثناء كتلة حركة النهضة، قد وقَّعوا على العريضة، في حين لا تزال النقاشات دائرة مع عدد آخر من النواب".

وزادت حدّة الخلافات إثر خطاب رئيس الجمهورية يوم 15 يوليو الماضي، الذي طالب فيه "الشاهد" بالاستقالة؛ لأن "الوضع السياسي الحالي صعب ولا يمكن أن يستمر كما هو عليه اليوم". وقال: "لقد وصلنا إلى حد لا يمكن المواصلة معه، وبدأنا في الانتقال من السيئ إلى الأسوأ"، وهو ما أثار ردود فعل متباينة داخل الحزب.

* أصدقاء الأمس أعداء اليوم

كل المعطيات التي يسير وفقها المشهد في تونس، تبدو ضد الحكومة ورئيسها، منها إعلان حزب نداء تونس، منذ 4 يوليو الماضي، انفصاله عن حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي، التي سعت منذ مشاركتها في الحكم إلى إرساء مناخ من التوافق مع شركائها في الحكم، وهو ما أضعف الحزام السياسي للحكومة.

وظلّت حركة النهضة الطرف الوحيد المدافع عن الحكومة، بعد أن تخلت عنها حركة نداء تونس، ومتمسكة برئيسها يوسف الشاهد، وتقول قياداتها حسب تصريحاتهم المتطابقة، إنه من الضروري المحافظة على الاستقرار السياسي وتجنُّب القفز في المجهول، خاصة أن الأطراف التي تطالب بتغيير "الشاهد"، ليس لديها بديل له.

ويؤكد ذلك، النائبُ عن حركة النهضة بشير الخليفي، بالقول إن حركته رفضت إجراء تغيير شامل في الحكومة، ودعت إلى الاقتصار فقط على تغيير بعض الوزراء الذين لم يؤدوا مهامهم كما يجب، مع المحافظة على رئيس الحكومة الحالي؛ لتجنب إحداث فراغ.

وأضاف الخليفي في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن "النهضة" ما زالت تدعو إلى الحوار من أجل المحافظة على استقرار الحكومة، حتى انتخابات 2019؛ لأن الوضع الحالي للبلد لا يحتمل إحداث شلل في الإدارة؛ للمحافظة على ما تبقى من ثقة الجهات المانحة.

جدير بالذكر أن حكومة يوسف الشاهد هي الثامنة منذ ثورة يناير 2011، وقد تولّى قبل "الشاهد"، 7 أشخاص منصب رئيس الحكومة منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع زين العابدين بن عليّ في 14 يناير عام 2011، وهم: محمّد الغنوشي (14 يناير-27 فبراير عام 2011)، والباجي قايد السبسي رئيس الجمهورية الحالي (27 فبراير-24 ديسمبر عام 2011)، ثم حمادي الجبالي (24 ديسمبر عام 2011 حتى 13 مارس عام 2013)، ثم علي العريض (14 مارس عام 2013 حتى 29 يناير عام 2014)، ومهدي جمعة (29 يناير عام 2014 حتى 6 فبراير عام 2015)، ثمّ حبيب الصيد (6 فبراير عام 2015 حتى 27 أغسطس عام 2016).

مكة المكرمة