أكراد سوريا والطموح القومي..لا مقومات للاستقلال

أكراد سوريون: معاناة الشعب الكردي هي ذاتها معاناة الشعب السوري ككل (أرشيفية)

أكراد سوريون: معاناة الشعب الكردي هي ذاتها معاناة الشعب السوري ككل (أرشيفية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 24-09-2014 الساعة 22:22
عدنان علي – الخليج أونلاين


ربما لا يمكن لأحد أن يعطي رقماً دقيقاً لعدد الأكراد في العالم، والأرقام المتداولة لا تعدو كونها تقديرات تكبر أو تصغر تبعاً للجهة الصادرة عنها، والبلدان التي يقطنها الأكراد وهي تركيا وإيران والعراق وسوريا، لا تعطي الأرقام الصحيحة لأعدادهم، ولا تتضمن إحصائياتها الرسمية بيان الأصول الإثنية أو الدينية للمواطنين.

وغالباً ما تشير التقديرات الحيادية إلى أن عدد الأكراد في جميع بلدان العالم يبلغ نحو ثلاثين مليون نسمة، منهم نحو 16 مليوناً في تركيا، و6 ملايين في إيران، و5 ملايين في العراق، ومليون ونصف المليون في سوريا، ونصف مليون في بلاد الاتحاد السوفييتي السابق، وثلاثة أرباع المليون في البلدان الأوروبية.

القضية الكردية

لم تكن للأكراد مشكلة خلال التاريخ، لا في فترة الدول العربية الإسلامية ولا في مرحلة حكم المماليك ولا أيام الدولة العثمانية، وبدأت المشكلة الكردية تبرز منذ نهاية الدولة العثمانية واتفاقية (سايكس بيكو) التي قسمت بلاد الشام إلى عدة دول، ووضعت حدوداً جديدة للدولة التركية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، إلا أن الاتفاقيات الدولية بعد الحرب العالمية الاولى أبقت كردستان مقسمة بين تركيا وإيران والعراق، وخرج الأكراد بخفي حنين.

ومع بدء محاولاتهم الحصول على حقوقهم القومية في تركيا والعراق وإيران وبعد قيام جمهورية (مهاباد) الكردية في إيران بعيد الحرب العالمية الثانية وثورة البارزاني في العراق، أخذ الأكراد السوريون يطالبون بحقوق ثقافية وقومية، وأدت هذه المطالبة إلى نشوء حذر وريبة لدى الحكومات السورية المتتابعة، واجهتها بالقمع حيناً والتجاهل أحياناً، ما جعل المشكلة الكردية تنمو وتزداد تعقيداً.

أكراد سوريا

تقع التجمعات الكردية الرئيسية في سوريا في ثلاث مناطق رئيسية، هي شمال شرقي البلاد (القامشلي، الحسكة، عامودا، القحطانية، المالكية، عين العرب)، ومنطقة عفرين (جبل الأكراد) شمالي حلب، وهاتان المنطقتان تقعان على الحدود السورية التركية، والسورية العراقية، أما التجمع الثالث فهو في مدينة دمشق (حي الأكراد)، وينتشر بعضهم في المدن الأخرى ولا يسكنون في تجمعات أو أحياء محددة، وإنما يختلطون بالسكان الآخرين.

وبما أن الأكراد لا يشكلون في سوريا تجمعاً واحداً في منطقة جغرافية واحدة، كما أن مناطقهم ليست متصلة جغرافية بكردستان، فقد كان ذلك مبرراً للحكومات السورية ألا تتعامل معهم كتجمع قومي من جهة، كما سهل أمامها التضييق عليهم وعدم الاعتراف بحقوقهم من جهة أخرى.

وبالنتيجة، لم يتم الاعتراف بلغتهم أو بتدريسها ولم يسمح لهم بإقامة مدارس خاصة بهم، كما لم تفتح أمامهم أبواب وظائف الدولة كما يجب، وخاصة في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا، وأهملت مناطقهم على صعيد التنمية، بخلاف غيرها من المناطق السورية، وتفاقم الأمر مع هجرة أكراد من العراق وتركيا إلى سوريا، ما أدى إلى تكدس الآلاف منهم دون أن يحصلوا على بطاقات شخصية أو يعاملوا كالسوريين.

يضاف إلى ذلك، قيام السلطات بعد بناء سد الفرات وغمر أراضٍ زراعية، بترحيل سكان المناطق المغمورة من الفلاحين العرب وأسكنتهم في مناطق جديدة تفصل الحدود التركية عن مناطق الأكراد في سوريا. وهو ما سمي (بالحزام العربي) وكان ذلك أحياناً على حساب السكان الأصليين الأكراد.

معاناة مشتركة

الصحفي السوري الكردي مسعود عكو يقول لـ "الخليج أونلاين"، إن معاناة الشعب الكردي هي ذاتها معاناة الشعب السوري ككل، مضيفاً "تاريخية المعاناة أقدم بنصف قرن، ولكن اليوم كل إنسان سوري كردي وغير كردي، يعاني من الحرب والتشرد والجوع والموت، سواءً ببراميل الأسد أو بسكاكين الدولة الإسلامية".

وأردف قائلاً: "المناطق الكردية محاصرة تماماً، فالشمال كله مغلق أمامهم (قبل سماح السلطات التركية لهم بالنزوح من عين العرب)، والمناطق الأخرى أصبحت في غالبيتها محاصرة من قبل تنظيم (الدولة الإسلامية). فالسوريون كلهم في المعاناة سواء".

والجدير بالذكر أن العلاقات بين الأكراد والعرب كانت طبيعية على الدوام، فقد كان منهم في سوريا رؤساء دولة ووزراء وقادة وضباط كبار ونواب وسياسيون، فليس هناك رفض مسبق لهم ولحقوقهم، ولعل مشكلتهم في سوريا تفاقمت بتأثير أوضاعهم في دول الجوار، إلا أن حقوقهم الثقافية كانت منقوصة دائماً.

الصحفي عكو يقول إن الكرد في العراق أصبحوا اليوم أقرب لإعلان دولة كردستان المستقلة، والظروف الجيوسياسية أصبحت مناسبة خاصة بعد قبول تركي وشبه قبول غربي لإقامة دولة كردية. في المقابل ضعف المركز العراقي، وسيطرة الشيعة السياسية، وسياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، دفعت بالكرد أن يصبحوا أقرب للاستقلال.

إدارة ذاتية أو "وطن بديل"

أما في سوريا، يضيف عكو، فالأمر مختلف تماماً، فلا مقومات اقتصادية ولا عسكرية ولا حتى سياسية مثل كردستان العراق، ولكن تجربة الإدارة الذاتية، ربما تولد في المستقبل حكماً ذاتياً لأكراد سوريا، وبعد ذلك ربما الاستقلال. هذا قد يستغرق عشرات السنين، في حال تم إسقاط نظام الأسد ولم تتقسم سوريا أصلاً، لأن سوريا اليوم مقسمة عملياً بين "كانتونات عسكرية" يحكمها جنرالات الحرب، حسب تعبيره.

أما الصحفي السوري الكردي مروان علي، فيعتبر أن "المنطقة كلها مقبلة على تغييرات كبيرة، وما يجري فيها ولا سيما ظاهرة (الدولة الإسلامية)، هو نوع من تمييع المنطقة بحيث تسهل إعادة صياغتها، تماماً كما يتم تسخين الحديد لكي يسهل طرقه وتشكيله. ويضيف، "يبدو لي أنه ثمة حل عام للقضية الكردية سوف ينتهي بتأسيس دولة في كردستان العراق، على أن تشكل هذه الدولة بالنسبة للكرد في تركيا وسوريا وإيران ما يمكن تسميته "الوطن البديل"، حيث لم تعد ثمة إمكانية لاستمرار حرمان الكرد من حق تقرير المصير بشكل ما، بعد أن باتت صياغة المنطقة ككل موضع بحث من جديد".

ويرى علي أن القضية الكردية في سوريا تختلف جوهرياً عن هذه القضية في تركيا والعراق وإيران، وذلك لأسباب تاريخية وسياسية وديموغرافية وجغرافية أيضاً.

ومن هناك تتفق الأحزاب الكردية السورية على حل لهذه المسألة في إطار حل سوري شامل، يعترف دستورياً بالشعب الكردي ويرفع عنه الظلم الذي وقع عليه طوال عقود طويلة من حكم البعث. ويشير علي، إلى أنه بعد قيام الثورة السورية رفع الكرد سقف مطالبهم مثل المطالبة بسوريا فيدرالية، على نمط النموذج الكردي في كردستان العراق، لكن ذلك كما يرى، كان هدفه الضغط على النظام والمعارضة للاستجابة للمطالب الكردية الأساسية وهي الاعتراف بالشعب الكردي دستورياً، ورفع الإجراءات الاستثنائية المطبقة في المناطق الكردية، وتعويض المتضررين من سياسات التعريب سيئة الصيت، ومنح المناطق الكردية وذات الغالبية الكردية إدارة ذاتية.

الكاتب السوري راتب شعبو يقول لـ "الخليج أونلاين": إن القومية الكردية من "أكثر القوميات التي تعرضت للظلم، بعد أن توزع أبناؤها على أربع دول لا يوجد في قاموس أي منها معنى لحق تقرير المصير أو احترام الحقوق القومية للغير". وأردف قائلاً: "من الطبيعي جداً أن يكون لدى الكرد طموح في بناء دولة كردية على أرض كردستان، ولكن إلى حين الوصول إلى بناء هذه الدولة، من حق الكرد التطلع إلى شكل من أشكال الإدارة الذاتية وتطوير لغتهم وثقافتهم القومية وإدارة شؤونهم الخاصة.

شعبو اعتبر في الوقت نفسه، أن الوضع في سوريا مختلف، إذ لا يبدو أن هناك طموحاً كردياً أعلى من احترام الحقوق الثقافية والإدارية والتنموية.

مكة المكرمة