إسرائيل تتآكل من داخلها.. والبداية من جيشها "الذي لا يقهر"

الجيش الإسرائيلي يتآكل

الجيش الإسرائيلي يتآكل

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 29-12-2014 الساعة 14:41
مي خلف- الخليج أونلاين


يعتبر جيش الاحتلال الإسرائيلي محل فخر واعتزاز لدولة إسرائيل، التي تشكل جيشها قبل أن تتأسس، ودأبت الدولة الفتية على الترويج لشعار "الجيش الذي لا يقهر" إلى أن كسرت الحروب في العقد الأخير هذه الصورة، وبات جيشاً يفاوض جيوب مقاومة شعبية في الشمال والجنوب، ويبادل أسرى وجثامين معها.

يواجه هذا الجيش أزمات عميقة وفضائح متلاحقة منذ عدة شهور، طالت قادته ومنظومته الأمنية؛ فكان لقضايا الفساد المالي والأخلاقي والفشل العسكري أثر خطير على ثقة الإسرائيليين بجيشهم، الأمر الذي أدى إلى تزايد رافضي الخدمة بشكل مستمر، والأخطر من ذلك هو اقتراب إلغاء نموذج الخدمة العسكرية الإلزامية كنتيجة لانعدام الثقة، الأمر الذي سيلحق أضراراً خطيرة بالجيش من حيث التركيبة والعدد والكفاءة.

لماذا ستلغى الخدمة الإلزامية؟

تتعدد الأسباب والمؤشرات التي تدل الباحثين في الشؤون العسكرية الإسرائيلية على أن إلغاء التجنيد الإجباري للإسرائيليين ليس إلا مسألة وقت، وذلك على ضوء عدة حقائق، فبحسب ما جاء في دراسة حديثة قدّمها المركز الإسرائيلي لأبحاث العلوم السلوكية التابع لجيش الاحتلال، فإن الإحصائيات تدل على أن هناك نسبة متزايدة من الرفض، تتمثل بالانسحاب أو التهرب من الخدمة العسكرية سواء الإلزامية أو الاحتياط، وهو الأمر الذي أدى إلى وجود فجوة بين عدد الإسرائيليين الذين أنهوا الخدمة الإلزامية؛ وبين عدد الجنود المشاركين في القتال عند استدعائهم وقت الحروب، والمثير في الأمر أن الرفض تحوّل من موقف فردي إلى مواقف جماعية لا ترفض التجنيد فقط، بل تسوّق للفكرة وتبثها عبر القنوات المختلفة، فتوزّع المنشورات وتقيم نشاطات منظمة لحشد عدد أكبر من الرافضين.

وترجع الدراسة الأسباب وراء ازدياد رفض الخدمة العسكرية إلى تراجع مكانة الجيش واحترامه والثقة به عند الجمهور الإسرائيلي، هذا إلى جانب الاستياء العام من الدعم الاقتصادي الذي يقدّم للمؤسسة العسكرية على حساب مؤسسات الدولة الأخرى مثل التربية والتعليم والصحة والرفاه الاجتماعي.

ويعتبر أحدث الأدلة على صدق الدراسة هو ما ورد، اليوم الاثنين، في صحيفة هآرتس العبرية عن توقيع عشرات الشباب المقبلين على الخدمة الإلزامية، بدعم من شخصيات بارزة في منظومة التربية والتعليم الإسرائيلية، على عريضة رفض الخدمة، والتي أعربوا فيها عن رفضهم "لعقيدة التلقين العسكري" التي ترافق الإسرائيليين منذ الطفولة حتى ما بعد الرشد.

انعدام الثقة

وفي هذا السياق يرى مراقبون أن انعدام الثقة بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والإسرائيليين لم يبدأ من مدة قصيرة، إنما هو نتيجة تراكم خيبات الأمل بعد خوض عدة حروب خاسرة، كلّفت الإسرائيليين أثماناً باهظة دون أن تحقق أهدافها، بداية بحرب يوليو/تمّوز لبنان عام 2006، ونهاية بالعدوان الأخير على قطاع غزة صيف 2014.

إلى جانب الحروب الخاسرة، اهتزت ثقة الإسرائيليين بروايات الجيش في أثناء الحروب بسبب التسريبات التي حصلت عليها كتائب عز الدين القسّام لعملياتها خلال العدوان على غزة، والتي أثبتت بما لا يثير الشك كذب الرواية الإسرائيلية وصدق الرواية الفلسطينية حول نجاح عمليتي "زيكيم" و"أبو مطيبق"، إلى جانب اختراق منظومة المعلومات الأمنية للمؤسسة العسكرية.

وفي أعقاب ذلك تم الكشف عن قضايا فساد مالي وأخلاقي في ألوية النخبة ارتكبها قادة كبار، والتي تنوّعت بين تحرّش جنسي بمجنّدين ومجنّدات، واستغلال النفوذ واستخدام أموال التبرعات لأغراض شخصية. الأمر الذي اعتبره قادة المؤسسة العسكرية "خطيراً" ووصفه محللون إسرائيليون بأنه "فساد متعفّن" ومتجذر داخل الجيش.

كيف سيؤثر إلغاء الخدمة الالزامية

ما من شك بأن تغيير نموذج الخدمة العسكرية بإلغاء الإلزامي والاعتماد على التطوعي سيكون له أثر عميق على صعيد القرارات وتشكيلة الجيش وإمكانياته؛ فبحسب الباحث الإسرائيلي "د. يوفال بنزيمان" فإن إلغاء النموذج الحالي للتجنيد الإجباري هو أمر لا مفر منه، وسيضطر الجيش إلى الخضوع له مع مرور الوقت، وإن التحضير المسبق لهذا السيناريو هو أمر ضروري لما يحمله التغيير من التحديات والمصاعب.

وعلى ذكر التحدّيات كتب "بنزيمان" أن الاعتماد على نموذج التجنيد التطوّعي بمقابل ماديّ سيكون له أثر كبير على عدد الموارد البشرية إذ سيقل عدد الجنود بشكل كبير جداً، هذا إلى جانب تغيّر خلفيات الجنود المنتمين إلى الجيش باختيارهم؛ وفي هذا السياق يرجّح أن يكون غالبيتهم من الفئات ذات المستوى الاجتماعي-الاقتصادي المنخفض على حساب المجنّدين من أبناء الطبقات ميسورة الحال، ومن المتوقع أيضاً ازدياد عدد النساء على حساب الرجال.

ومن ناحية أخرى، يرى مراقبون أن اعتماد نموذج التطوّع مقابل المال في أداء الخدمة العسكرية تحديداً في إسرائيل يشكّل خطراً أكبر عليها مع مرور الوقت، وذلك على ضوء التهديدات الأمنية التي تزداد بالفترة الأخيرة.

فحسب آخر تصريح لرئيس أركان جيش الاحتلال بيني غينيتس فإن الحدود الإسرائيلية لم تعد آمنة كما كانت لمدة 4 عقود قبل الآن، وأشار في حديثه إلى أن الأخطار محيطة بإسرائيل من عدة جهات؛ فالجماعات الجهادية في سيناء من الجنوب وحزب الله على الحدود الشمالية، هذا إلى جانب تهديد تنظيم "الدولة" والجماعات الجهادية المقاتلة في سوريا على الحدود الشمالية الشرقية، والتوقعات الجديدة بتنفيذ حزب الله لعمليات تفجيرية في الجولان المحتل.

كل هذه المخاطر تضع جيش الاحتلال أمام تحديات صعبة إذا ما تمّ الاستغناء عن التجنيد الإجباري وفقدان أعداد هائلة من المجنّدين؛ وعدا عن ذلك لن يكون من الممكن توقّع عدد وكفاءة الجنود الذين سيشاركون في أي حرب مستقبلية، إذ إن النموذج الجديد المعتمد على التطوّع سيصعب عملية اتخاذ القرار حول خوض حرب جديدة من عدمه بسبب صعوبة توقع الكفاءات والعدد الموجود.

وعلى ضوء المؤشرات الكثيرة التي تدل على أن أزمات الجيش ستزداد مع مرور الوقت، قدّمت مراكز الأبحاث التوصيات والتوجيهات للمؤسسة العسكرية للبدء باتخاذ خطوات عملية تجاه تطبيق النموذج الجديد، المتبع في غالبية الدول الأوروبية، ومعالجة تحدّياته والآثار المترتبة عليه، قبل أن يفرضه الرأي العام الشعبي في الحرب القادمة.

مكة المكرمة