إسرائيل والسوريون .. وحـرب الـلاوعي

إسرائيل تستغل حاجة السوريين لفرض التطبيع

إسرائيل تستغل حاجة السوريين لفرض التطبيع

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 03-10-2014 الساعة 13:38
القدس المحتلة - مي خلف - الخليج أونلاين


في ظل التغيرات المستمرة في الشرق الأوسط، منذ بداية التحركات الشعبية العربية المطالبة باستبدال الأنظمة السياسية المستبدة بأخرى يختارها الشعب، تحاول كل القوى -سواء كانت تيارات فكرية أو سياسية أو دول-التخطيط لمكانة استراتيجية جديدة لنفسها، لتكون أكثر سيادة وقوة ولتحقق أكبر المكاسب من حالة عدم الاستقرار المرافقة لحركة التغيير التاريخي في المنطقة.

وعليه، فإن إسرائيل لم تنتظر كثيراً للبدء بالتخطيط لمكانتها الجديدة لدى الشعب السوري والتي تعتمد على تغيير صورته النمطية عنها بأنها "دولة عدو" و"كيان مكروه" لصورة أخرى مقبولة. لكن؛ لم يقم الجانب الإسرائيلي بخطوات سياسية أو عسكرية تفيد تحسين صورته ولم يتخذ مواقف رسمية لأجل هذا الغرض، إنما اعتمد على اتخاذ خطوات محددة تقع تحت مظلة "المساعدات الإنسانية" من جانب المجتمع الإسرائيلي من جهة ومؤسسات حقوقية وإعلامية، بالتنسيق مع الجهات الأمنية الإسرائيلية. وهذه خطوات من شأنها أن تؤدي فعلاً لرسم صورة ذهنية جديدة عن "إسرائيل" في أذهان الفئات المستهدفة من السوريين، لتكون معاكسة تماماً للحالية، وقد يؤدي تأثير الصورة الجديدة إلى رفع احتمالات التطبيع الكامل مع النظام الجديد في سوريا، أو على الأقل مع سكان المناطق الحدودية مع إسرائيل.

إن أحد الأساليب الأساسية التي يتبعها الجانب الإسرائيلي، هو استغلال الحرب الدائرة في سوريا وسقوط الجرحى من المدنيين، إضافة لحالات الولادة للنساء الهاربات من الحرب لمناطق حدودية. إذ يقوم الجانب الإسرائيلي برصد الحالات الإنسانية ونقلها لتلقي العلاج في المستشفيات الإسرائيلية شمالي البلاد، وهي بالأساس: مستشفى "زيف" في صفد، مستشفى "نهاريا"، مستشفى "رمبام" في حيفا ومستشفى "بوريا" في طبريا.

وفي هذا السياق نقلت صحيفة "المصدر" الإسرائيلية في عددها اليوم بياناً صادراً عن وزارة الصحة الإسرائيلية يفيد بأنه حتى اليوم، تم معالجة أكثر من 800 جريح سوري، إضافة لـ 7 حالات ولادة، جزء منهم عاد لبلاده بعد تلقي العلاج، والجزء الآخر بقي لاستكمال علاجه.

وفي البيان ذكر المتحدث باسم وزارة الصحة أن تكاليف علاج الجرحى السوريين بلغت 32 مليون شيقل إسرائيلي، أي ما يفوق 8.5 مليون دولار. من جانب آخر أقامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مشفى ميدانياً في هضبة الجولان في أوائل عام 2013 بهدف تقديم العلاج للمصابين ذوي الجروح الطفيفة التي لا تستوجب نقلهم لمستشفى متخصص.

وفي السياق ذاته، ولخدمة الهدف نفسه، قامت منظمات مجتمعية وحقوقية إسرائيلية بإنشاء مجموعات تطوعية لتنشيطها على عدة جوانب، ليكون في مركزها الدعم النفسي للأطفال وعائلات اللاجئين السوريين في المخيمات السورية في الأردن.

وقد وثقت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية نشاط مجموعة تطوعية إسرائيلية باسم "ملح الأرض" التي نظّمت زيارة لمجموعة من الإسرائيليين لمخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن عام 2013 بهدف التواصل مع الناس هناك وتقديم ما تم جمعه لهم. يبيّن تقرير الصحيفة الإسرائيلية هدف هذا النوع من النشاط التطوعي، فقد ذكرت إحدى المشاركات بالحملة بشكل واضح أن الهدف من نشاطاتهم مزدوج، وقالت: "نخرج لمساعدة "الأعداء" لخدمة هدف مزدوج؛ أولاً التخفيف من معاناة المواطنين - النساء والأطفال السوريين بعد هروبهم من سوريا، والهدف الآخر هو تغيير صورة إسرائيل في العالم، خاصة في دول العدو". كما يحتوي التقرير على تسجيل مصور (فيديو) توثيقي لزيارة إحدى العائلات السورية في المخيم، وتقديم هدية لطفلة سلسلة من الذهب مع رسالة مليئة بالتعابير العاطفية التي لا شك في أنها ستؤثر في نفس الطفلة مستقبلاً... وفي جزء من الرسالة تقول الناشطة الإسرائيلية: "عندما تكبرين وتعودين لحمص، ويهديك والدك سلسلة من الذهب، ستخبرينه بأن أول سلسلة ذهبية تلقيتها لم تكن تلك التي أهداك إياها... إنما التي أهدتكِ إياها (حِن)".

إن نشاط هذه المجموعة يتبع بشكل رسمي لمنظمة إسرائيلية كبيرة تحت اسم "المجلس الوطني الإسرائيلي للتطوع"، أي إنها ليست جهوداً فردية يقوم بها نشطاء حقوقيون بشكل مستقل ومخفي، بل نشاط منظم يخدم فكرة وهدفاً موضوعاً مسبقاً، وبتنسيق مع جهات أمنية وسياسية إسرائيلية وأردنية. إضافة لذلك، تقوم شخصيات إسرائيلية بزيارات فردية لمخيمات اللاجئين في الأردن على هوامش مؤتمرات ولقاءات يحضرونها في عمّان، وكانت آخر زيارة وثقتها الصحافة الإسرائيلية – صحيفة "والا" الإلكترونية- هي زيارة المدرب الإسرائيلي لمنتخب تشيلسي "أبراهام جرانت" قبل نهائيات كأس العالم الأخيرة بأيام معدودة، فقد زار الأردن لإلقاء محاضرة بموضوع "كرة القدم والمجتمع"، وعلى هامش المؤتمر قام بمرافقة الصحافي الأسترالي "سكوت ماكنتير" لمخيم الزعتري، وهناك تعرّف على الأطفال وتحدّث معهم وشاركهم لعبة كرة قدم.

وخطوة أخرى تعدّ الكبرى، هي موافقة "اللجنة المتحدة ليهود أمريكا لتقديم المساعدة"، المعروفة اختصاراً بـ "جوينت JOINT"، على تقديم المساعدات المادية لمنظمات يهودية تعتزم العمل على مشروع لخدمة اللاجئين السوريين في مخيم الزعتري. فقد ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في تقرير سابق لها أن "14 منظمة يهودية، تنشط غالبيتها من الولايات المتحدة، قد تواصلت فيما بينها من أجل العمل على مشروع يساعد ضحايا الحرب الأهلية"، ويذكر التقرير أن المشروع هو الأول من نوعه، ويركز بشكل مكثف على الأطفال اللاجئين بشكل خاص".

ومع أن غالبية مشاريع الـ "جوينت" -كما ذكرت الصحيفة - تُدار من داخل مكاتبهم في إسرائيل، إلا أن هذا المشروع تحديداً سيتم إدارته من الولايات المتحدة؛ "لتسهيل القيام بالنشاطات مع المواطنين السوريين الذين يعتبرون إسرائيل عدواً" تقول الصحيفة.

ويرى مراقبون أنه من الواضح أن الجانب الإسرائيلي يشن حرباً غير معلنة على اللاوعي العربي، مستغلاً معاناة الشعب السوري واحتياجاته، من أجل خلق واقع جديد سينزع عن إسرائيل صفة "العدو" على المدى البعيد.

بل إن تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للإذاعة العبرية، اليوم الجمعة، يؤكد هذا المعنى، عندما يقول إن الشرق الأوسط يعيش تبدلاً جوهرياً في المواقف، يتمثل بتغير نظرة دول عربية مهمة تجاه إسرائيل من عدو إلى شريك في مواجهة التنظيمات "الإرهابية".

مكة المكرمة