إعلان ميونيخ.. عودة نفوذ أمريكا وانسحاب "تكتيكي" لروسيا

أمريكا أرسلت فرقة عسكرية إلى شرقي أوروبا لمواجهة روسيا

أمريكا أرسلت فرقة عسكرية إلى شرقي أوروبا لمواجهة روسيا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 12-02-2016 الساعة 13:07
وسام أبو الهيجاء - الخليج أونلاين


حبس العالم أنفاسه خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، في انتظار ما ستسفر عنه المحادثات التي يستضيفها مؤتمر الأمن في ميونيخ، ولقاء المجموعة الدولية لدعم سوريا بحضور دولي واسع.

وتوجهت الأنظار إلى اللقاءات المكوكية التي أجرتها الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية للخروج من الموقف المتأزم، الذي فرضته روسيا على المجموعة الدولية، بعد اشتداد حملات القصف لطائرتها الحربية في شمالي سوريا، وعلى مدينة حلب وريفها الشمالي تحديداً، مع وصول الأزمة الإنسانية لعشرات الآلاف من الفارين من القصف نحو الحدود مع تركيا إلى مستويات خطيرة.

وبعد ساعات من المحادثات بين الجانبين الأمريكي والروسي، وبعد تمسك المعارضة السورية ممثلة برئيس وفدها المفاوض رياض حجاب بموقفها المبدئي بضرورة وقف القصف، وتطبيق قرار مجلس الأمن 2254؛ لاستكمال مفاوضات جنيف بدعم سعودي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن التوصل إلى اتفاق حول وقف للأعمال "العدائية" في سوريا خلال أسبوع، دون أن يشمل الاتفاق وقف العمليات "العدائية" ضد تنظيم "الدولة" وجبهة النصرة.

وأكد وزير الخارجية الأمريكي في مؤتمر صحفي مع نظيره الروسي سيرغي لافاروف والمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، على أن واشنطن ستمارس نفوذها لإلزام جميع الدول بتقليص العنف في سوريا، فيما تحدث لافاروف عن أن اتفاق وقف الأعمال "العدائية" سيسبق تحضير أطر لوقف إطلاق النار.

وكشف كيري عن تشكيل مجموعة عمل لتطوير طرق عمل طويلة الأمد لوقف الأعمال العدائية، مؤكداً أن المشاركين في لقاء المجموعة الدولية لدعم سوريا في ميونيخ اتفقوا على تسريع وتيرة توزيع المساعدات الإنسانية، وتوسيع نطاقها بداية من هذا الأسبوع.

- الضغط الغربي والإقليمي

ألمانيا اختارت أن يكون موعد انطلاق مؤتمر ميونيخ للأمن ولقاء المجموعة الدولية لدعم سوريا "ISSG" في اليوم الذي يلي لقاء حلف الناتو، في العاصمة البلجيكية بروكسل، لتشكل مخرجات لقاء دول حلف شمال الأطلسي رسالة إلى الروس، بأن ثمة تحركات حقيقية ستجري على الأرض، لاستعادة توازن القوى التي أخلت بها التحديات الروسية في كل من سوريا وأوكرانيا.

وعليه أعلن الحلف عن تعزيز وجوده العسكري في شرقي أوروبا لمواجهة الخطر الروسي تحديداً، ووافقت الولايات المتحدة على إرسال فرقة أمريكية تعدادها 20000 جندي، معززين بمئات الدبابات والمدرعات ومختلف الأسلحة.

وعلى الجانب السياسي، استبقت تركيا بدء لقاء ميونيخ بالضغط على شركائها في حلف الناتو؛ لمساعدتها في وقف تدفق المزيد من اللاجئين السوريين نحو القارة الأوروبية عبر مياهها في بحر إيجة بينها وبين اليونان، ومطالبة الدول الأوروبية والأمم المتحدة بتحمل تبعات القصف الروسي على مدينة حلب وريفها الشمالي، حيث بدأ عشرات الآلاف من السوريين بالنزوح من تلك المناطق نحو الحدود السورية مع تركيا، في محاولة للدخول إلى الأراضي التركية هرباً من القصف.

السلطات التركية منعت دخول النازحين إلى أراضيها وأقامت لهم مخيمات مؤقتة، وقدمت لهم مساعدات عاجلة في خطوة حرمت الروس من تفجير أزمة إنسانية في وجه تركيا، تجبرها على فتح الحدود أمام مئات الآلاف من السوريين الفارين من حلب وريفها الشمالي، وهو ما من شأنه خلق ثغرة أمنية خطيرة في حدود تركيا مع سوريا، تهدد أمن واستقرار تركيا في ظل حربها ضد تنظيم "الدولة" وحزب العمال الكردي "بي كا كا".

- الموقف السعودي

أيقنت المملكة العربية السعودية من أن انتزاع المواقف في الأزمة السورية تستوجب تحركات عاجلة على الأرض، إلى جانب التحركات الدبلوماسية والتحالفات الاستراتيجية التي دشنتها السعودية مؤخراً مع تركيا، والتحالف الإسلامي الذي أعلنت عن تشكيله من 35 دولة إسلامية.

وعليه أعلنت المملكة عن إرسال قوات برية إلى سوريا لمحاربة تنظيم "الدولة"، كما أعلنت عن بدء التنسيق مع دول التحالف الإسلامي لإرسال قوات برية إلى سوريا لمشاركتها في العمليات العسكرية ضد التنظيم.

روسيا وإزاء الإعلان السعودي، حاولت أن تُظهِرَ عدم اكتراثها، وبدت متشككة من جدية المملكة في تحركاتها بهذا الاتجاه، مواصلة عملياتها العسكرية في سوريا لتعزيز مكاسبها على الأرض لصالح النظام السوري، ودفع الأطراف الدولية والإقليمية للجلوس على طاولة المفاوضات أمام حقيقة بقاء الأسد على سدة الحكم بعد الإجهاز على المعارضة السورية المسلحة.

ومع الترحيب الأمريكي والدولي للاستعدادات السعودية للتدخل البري في سوريا ضد تنظيم "الدولة"، أدركت روسيا أنها باتت على أعتاب مواجهة حقيقية مع العالم الإسلامي بقيادة المملكة، في حال تمت ترجمة تلك الخطوات على الأرض، وانتظرت ما سينتج عن لقاء وزير الدفاع السعودي وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع نظرائه في حلف الناتو بالعاصمة البلجيكية بروكسل، الخميس، لمعرفة مدى دعم حلف الناتو لتلك التحركات، وماهية الخطوة السعودية القادمة بعد اللقاء.

وبالتزامن مع الضغط الدبلوماسي الذي مارسه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في ميونيخ؛ لدعم موقف المعارضة من استئناف المفاوضات ووقف إطلاق النار، أضاف إعلان مستشار وزير الدفاع السعودي العميد أحمد العسيري، من أن التحالف الإسلامي الواسع ضد الإرهاب، سيكتسب بعداً عملياتياً خلال شهر مارس/ آذار وأبريل/ نيسان المقبلين، عامل ضغط إضافي على روسيا خلال محادثات الفرصة الأخيرة كما وصفها المراقبون بين الدول الكبرى في ميونيخ.

وبدا ذلك واضحاً من خلال تصريحات رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف عن احتمال قيام حرب عالمية ثالثة، في حال دخول قوات برية أخرى إلى سوريا، والتحذيرات التي أطلقها مندوب روسيا في الأمم المتحدة "فيتالي تشوركين" من مغبة تدخل "إرسال قوات عربية لقتال النظام السوري على أراضيه".

- الموقف الأوروبي

التصعيد العسكري الروسي الأخير في سوريا، قابله تحرك أوروبي بقيادة ألمانيا على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري، فالأوروبيون يدركون أن سقوط المزيد من القرى والمدن السورية بيد النظام تحت وطأة القصف الروسي، ثمنه المزيد من الضحايا من المدنيين، علاوة على تدفق مئات الآلاف من اللاجئين نحو أراضيهم عبر تركيا.

ومن هذا المبدأ، وحدت ألمانيا مواقفها مع تركيا لطلب المساعدة من حلف الناتو لوقف تدفق اللاجئين عبر مياهها إلى أوروبا، وحملت روسيا مسؤولية تدهور الوضع الإنساني في سوريا بسبب عمليات القصف الجوي هناك، كما صرح وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بأنه لا يتصور أن يكون الأسد الذي قتل 300 ألف من مواطنيه، وهجر أكثر من 12 مليوناً هو الشخص المناسب للاحتفاظ بتماسك الدولة، وتابع شتاينماير تصريحاته قائلاً إن روسيا تعلم أيضاً بأنه لا يمكن التوصل إلى حل في سوريا عبر القصف.

وفي ختام مشهد المحادثات بين لافروف وكيري في ميونيخ، والإعلان عن التوصل إلى اتفاق لوقف القصف الروسي، ومبادلته بوقف العمليات العسكرية لقوات المعارضة تحت مسمى "وقف العمليات العدائية" في سوريا، بدا إعلان ميونيخ كأول هزيمة يتلقاها الروس منذ بداية الأزمة في سوريا، وبدت مجبرة على التخلي عن موقفها من عودة المعارضة السورية إلى مفاوضات جنيف دون تنفيذ قرار مجلس الأمن، الذي ينص على وقف القصف وإدخال المساعدات للمناطق المحاصرة.

أما إيران المنتشية بعيد ثورتها واستعراض قدراتها العسكرية خلال احتفالها بالذكرى الـ 37 لانطلاق ثورتها، فلم يكن لها حضور يذكر في ميونيخ، وهو ما يثبت تراجع دورها في سوريا أمام الدور العسكري الروسي، رغم ما تتكبده من خسائر يومية في صفوف قواتها المقاتلة على الجبهات المختلفة في سوريا وصفوف المليشيات الشيعية التابعة لها.

ويبقى السؤال المطروح على الساحة الدولية خلال الأيام القليلة المقبلة، عن مدى الالتزام الذي سيبديه النظام السوري وحلفاؤه على الأرض بالاتفاق، ومدى جدية الولايات المتحدة بممارسة نفوذها على جميع الأطراف لتطبيق الاتفاق.

فالوضع الإنساني لعشرات الآلاف من السوريين في المدن والبلدات المحاصرة آخذ بالتدهور، ولا مجال للتهرب من المسؤولية تجاه عشرات الآلاف من النازحين على الحدود بين سوريا وتركيا، وهم يفترشون الأرض في ظروف مأساوية، هرباً من شراسة القصف الروسي على مناطقهم.

مكة المكرمة