اتفاق إيران النووي.. قنبلة ترامب المرتقبة في العام الجديد

طوال عام لم يتوقف الرئيس الأمريكي عن التهديد بتمزيق هذا الاتفاق

طوال عام لم يتوقف الرئيس الأمريكي عن التهديد بتمزيق هذا الاتفاق

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 24-12-2017 الساعة 21:07
يوسف حسني - الخليج أونلاين


منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع العام 2017، حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على ترسيخ فكرة أنه مختلف عن الآخرين، وأن لديه قدرة على فعل ما عجز عنه أسلافه، وإن لم ينجح إلى حد كبير في التخلي عن طبيعته كرجل دَخل إلى عالم السياسة من باب رجال الأعمال.

العام الأول لترامب في حكم الولايات المتحدة شهد تحوّلاً كبيراً في سياسة بلاده تجاه إيران، بعدما اتخذ الرجل من عداء إيران والتهديد المستمر بتمزيق اتفاقها النووي، أساساً للتعامل، حتى بات العالم كله لا يعرف ما الذي سيحدث بعد ساعة واحدة، خصوصاً مع ما تعيشه إيران من احتجاجات واسعة ضد النظام فتحت شهية ترامب من جديد.

ترامب، ومنذ أن كان مرشحاً للرئاسة، انتقد سياسة سلفه باراك أوباما تجاه إيران، وكثيراً ما قال إن أوباما انتشل طهران من على حافة الانهيار بالاتفاق الذي أبرمه معها هو والدول الأوروبية الكبرى.

وطوال عامه الأول في البيت الأبيض لم يتوقف الرئيس الأمريكي عن التهديد بتمزيق هذا الاتفاق الذي توصلت إليه مجموعة "5+1" التي تقودها الولايات المتحدة، مع طهران عام 2015.

ويقضي الاتفاق بتجميد أنشطة إيران النووية عشر سنوات مع مراقبة أممية دائمة لها، مقابل رفع العقوبات عنها.

- تهديد دون تنفيذ

في خطاب تنصيبه تعهّد الساكن الجديد للبيت الأبيض باجتثاث ما أسماه "الإرهاب الإسلامي المتشدد" من جذوره، وقد حصر هذا الإرهاب في إيران وتنظيم الدولة.

وعلى الرغم من التهديدات المتواصلة فقد مرّ العام الأول من حكم ترامب دون أن يمزق الاتفاق، كما أنه لم ينجح، ولو على نحو ضئيل، في تقليص الدور الإيراني بالشرق الأوسط، ولا في وقف نشاطاتها المزعزعة لأمن المنطقة، رغم أنه أعلن عزمه على هذا الأمر مراراً.

الرئيس السابق باراك أوباما كان أكثر هدوءاً وأقل رغبة في الكلام من ترامب، كما أنه لم يكن من أولئك الذي يعلنون عن كل خططهم، ومن ثم فإن ثمة حالة كبيرة من السرية تحيط بخفايا هذا الاتفاق وبكيفية التوصل إليه.

وطوال ثماني سنوات قضاها في حكم الولايات المتحدة، بدا أوباما وكأنه يريد شيئاً ما من إيران، وفي سبيل هذا الشيء ترك لروسيا اليد العليا في الأزمة السورية، وغضّ الطرف عن جرائم بشار الأسد، وكذا عن ممارسات كثيرة وخطيرة لإيران وأذرعها بالمنطقة والمتمثلة في حزب الله اللبناني ومليشيا الحوثي في اليمن، حتى أصبح (أوباما) وكأنه عدو زائف أو حليف متخفّ لإيران.

في الثاني والعشرين من ديسمبر 2017، أمر وزير العدل الأمريكي جيف سيشنز، بفتح تحقيق في اتهام أوباما بعرقلة التحقيقات المتعلقة بشبكة تجارة مخدرات تابعة لحزب الله اللبناني، وقال تقرير استقصائي نشرته صحيفة "بوليتيكو"، إن مسؤولي إدارة أوباما "عرقلوا هذه التحقيقات"؛ بغية إنجاز الاتفاق النووي مع إيران.

اقرأ أيضاً:

هل يستطيع ترامب فعلاً تمزيق الاتفاق النووي مع إيران؟

- تعامل مختلف

ومما لا شك فيه أن طريقة ترامب في إدارة العلاقة مع إيران تختلف تماماً عن طريقة أوباما، وإن كانت تؤدي إلى نفس النتائج تقريباً في بعض الأمور؛ فعلى سبيل المثال أحجم ترامب عن تمزيق الاتفاق النووي مرتين خلال الشهور الستة الأولى من حكمه، قبل أن يقرر اللعب على هذا الوتر منتصف أكتوبر 2017.

في الربع الأخير من العام الماضي، رفض ترامب التصديق على الاتفاق النووي، وسط ضغوط كبيرة حتى من بعض أعضاء إدارته، في مقدمتهم وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي قال إن المساس بالاتفاق ليس في مصلحة أمن أمريكا.

وأحال ترامب الاتفاق إلى الكونغرس، مطالباً بضرورة إعادة صياغته ووضع بنود جديدة، بعدما وصفه بـ"الأسوأ على الإطلاق".

بعد زيارته للرياض في مايو 2017، شدد ترامب على وقوفه في ظهر أصدقائه الخليجيين في مواجهة الخطر الإيراني المتزايد، ودعا العالم لمشاركته في التصدي لهذا الخطر الذي يعتبره الرئيس الأمريكي تهديداً مباشراً لبلاده، وهي مقدمات قد تفضي إلى نسف الاتفاق الذي استغرق الوصول إليه سنوات.

لكن الدول الغربية التي شاركت في الاتفاق أكدت مراراً تمسكها به، وقالت إنه يحول دون وصول طهران إلى امتلاك قنبلة نووية قد تكون، حال امتلاكها، سبباً في حرب شاملة بمنطقة الخليج العربي التي تحيط بها الاضطرابات من كل صوب، وهو ما يجعل أهداف ترامب من التلويح بهذا الاتفاق أمراً محل تساؤلات.

وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل قال، في أكتوبر 2017، إن ترامب "يرى العالم ساحة قتال"، مؤكداً أن الإبقاء على الاتفاق "يمثل ضرورة لأمن المنطقة".

المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا قالوا أيضاً إن الاتفاق النووي "يخدم المصلحة الأمنية الوطنية المشتركة لهم"، مؤكدين أنهم لن يستمروا في طريق تكون نتيجتها المتوقعة مزيداً من العنف والإرهاب.

ومع رفض ترامب التصديق على تمديد العمل بالاتفاق، أكدت هذه الدول أن "التهديد الحقيقي جداً يتمثل في تحوّل إيران إلى قوة نووية"، وقال الاتحاد الأوروبي إنه "ليس لبلد بمفرده أن ينهي اتفاقاً نافذاً".

ويتعيّن على الكونغرس تقرير ما إذا كان سينسحب من الاتفاق مع إيران في غضون ستين يوماً (منتصف يناير 2018) من خلال إعادة فرض العقوبات عليها.

ويُلزم القانون الأمريكي رئيس البلاد بأن يبلغ الكونغرس كل 90 يوماً ما إذا كانت إيران ملتزمة بالاتفاق وما إذا كان رفع العقوبات الذي جرى بموجب هذا الاتفاق يخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة.

ورغم تشديد شركاء ترامب على ضرورة الإبقاء على الاتفاق، يبدو أن لدى الرئيس الأمريكي هدفاً يسعى لتحقيقه، لكنه قد يكون متعلقاً بالاقتصاد وليس بالسياسة.

وليس خافياً أن ترامب يتعامل بعقلية التاجر مع كل الملفات، ولا سيما تلك المتعلقة بالشرق الأوسط، وفي القلب منها ملف إيران؛ فكلما تصاعدت وتيرة التهديد بين واشنطن وطهران، سارع خصوم إيران الإقليميون لعقد صفقات تسلُّح بمئات المليارات من الدولارات مع واشنطن.

المملكة العربية السعودية كانت أول من أعرب من مخاوفه من أن تستغل طهران هذا الاتفاق استغلالاً خاطئاً، ومن ثم فإن الرئيس الأمريكي وهو يواصل تهديده لإيران لتحقيق أهداف لا يعرفها غيره، فإنه أيضاً يغازل رغبة يعلم يقيناً أنها متجذرة في وجدان حليفه السعودي.

في الثامن عشر من ديسمبر 2017، قال ترامب إن القادة الأمريكيين السابقين "عقدوا اتفاقاً ضعيفاً مع إيران". وأكد ترامب، الذي كان يعلن استراتيجيته الجديدة للأمن القومي الأمريكي، أن إدارته "فرضت عقوبات على الحرس الثوري الإيراني لدعمه الإرهاب".

لكن الرئيس الإيراني حسن روحاني سارع، في اليوم التالي، لتأكيد أن ترامب "لا يمكنه أن يتسبب في انهيار الاتفاق". وقال في حديث بثّه التلفزيون الحكومي: "إن الاتفاق النووي لن ينهار".

تريد طهران إذن أن تبقي على الاتفاق، وهو ما يتضح من تصريحات كل مسؤوليها؛ بدءاً من الرئيس روحاني، مروراً بوزير الخارجية محمد جواد ظريف وقادة الحرس الثوري، في حين تريد الرياض إلغاءه والعودة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية إلى ما قبل 2015، ويريد ترامب من هذا وذاك أن يدفع له لقاء تحصيل ما يريد.

اقرأ أيضاً:

ترامب يعد الإيرانيين بـ"دعم كبير في الوقت المناسب"

ومع اندلاع الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية، وجد ترامب فرصة جديدة وقوية للانقضاض على النظام الإيراني ككل، وليس على الاتفاق فقط، فسارع لدعم هذه الاحتجاجات، وطالب العالم كله بدعمها.

والأربعاء 3 يناير 2018، وعد ترامب الإيرانيين بـ"دعم كبير" من الولايات المتحدة، لكنه قال إن هذا الدعم سيكون "في الوقت المناسب".

واتهم مسؤولو طهران الولايات المتحدة والسعودية بالوقوف وراء هذه "الفتنة"، مؤكدين أنهم تمكنوا من "وأدها".

- تصعيد على وقع احتجاجات إيرانية

وفي استمرار للتصعيد أدانت وزارة الخارجية الأمريكية، الجمعة 5 يناير 2018، مقتل واعتقال مئات المحتجين الإيرانيين، مؤكدة أن لديها "صلاحيات واسعة" لفرض عقوبات على المسؤولين عن قمع الاحتجاجات.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية هيدو نويرت، إن رسالة الولايات المتحدة لضحايا النظام الإيراني هي: "لن ننساكم".

- قرارات كارثية

المعلق الأمريكي جاكسون ديهل كتب عن ملامح التشابه بين موقف ترامب من المصادقة على الاتفاقية النووية التي وقعت مع إيران عام 2015، واعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لـ"إسرائيل".

وفي مقاله بصحيفة "واشنطن بوست" قال ديهل، 12 ديسمبر 2017، إن ترامب ورث شرق أوسط يعيش زلزال الحروب الأهلية، وقضيتين هشتين: النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، والمشروع النووي الإيراني.

وأكد ديهل أن ترامب "اتخذ قرارين مندفعين ويعبران عن غرور، وغيّر الوضع القائم، رغم توصيات فريق أمنه القومي"، مضيفاً: "رفض ترامب المصادقة على الاتفاقية النووية مع إيران، وقراره الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل يكشفان عن سياسته؛ ففي كل منهما قدم الكونغرس له سياسة تجبره على التجديد من أجل الحفاظ على التشريعين الصادرين عنه، وإلا عرقل سياسات الولايات المتحدة الخارجية أو عرض مصالحها للخطر في الشرق الأوسط وأبعد".

وفي كل حالة تردد ترامب وقال إنه لن يفعل ما فعله أوباما أو جورج دبليو بوش أو بيل كلينتون، وأعلن أن هدفه من هذه القرارات كان إثبات اختلافه عن البقية، كما يقول ديهل.

وتابع المحلل الأمريكي: "في يناير المقبل سيُقدم لترامب قرار آخر يتعلق بموافقته أو عدمها، بشأن استمرار تعليق العقوبات أو إعادتها. ويخشى فريقه والنواب في الكونغرس والقادة الأوروبيون من إعلان ترامب قراراً لا يهدف منه سوى تركيز الأنظار عليه. هناك حالة من التعجّل داخل الكونغرس وبين القادة الأوروبيين لمنع كارثة جديدة".

مكة المكرمة