اجتماع جدة.. جليد سياسي في أجواء أمنية ساخنة

قطر والسعودية

قطر والسعودية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 23-07-2014 الساعة 15:53
جهاد عدلة- الخليج أونلاين


في الوقت الذي كانت فيه عواصم عربية كبرى مثل دمشق والقاهرة وبغداد سبباً في تجاذبات كبيرة أنتجت حالة استقطاب سياسي حاد في المنطقة العربية، جاء قطاع غزة، الصغير نسبياً، "ليربّت" بيده الموجوعة على واقع سياسي عربي منهك بالخلافات البينية.

على هذه القاعدة يمكن بناء تفسير الزيارة المفاجئة أمس، لأمير قطر تميم بن حمد إلى جدة، ولقائه بالعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، في مرحلة زمانية تعيش فيها المنطقة على مرجل من نار: تسخن فيه مياه غزة فيُسمع الألم في الدوحة، وتغلي مياه حلب فتُرى الحروق في الموصل.

من هنا بالتحديد، يتفاءل كثيرون في أن يضع لقاء العاصمتين حداً "للحرب" الباردة بينهما. غير أن الزيارة تتجاوز، في مدلولاتها، هذا التفاؤل "العاطفي" إلى أمدية أبعد بكثير جغرافياً وسياسياً، إذ إن ملفات ضخمة وحيوية مثل غزة وسوريا والعراق، وربما مصر، قد "ترقص" في المرحلة المقبلة، على إيقاع "دندنة" اللقاء بين العاصمتين الأكثر تأثيراً في المجال السياسي الحيوي للمنطقة حالياً.

وتعكس زيارة أمير قطر إدراكه للمرحلة المصيرية وبالغة الحساسية التي تمر بها المنطقة العربية في ظل عدوان إسرائيلي يتوحش يوماً بعد آخر، يقابله قوة متصاعدة للمقاومة الفلسطينية، وبالتالي الحاجة الماسة لإيجاد أرضية مشتركة بين الرؤية القطرية لمجمل التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة، والرؤية السعودية، كما تعكس وعي أمير قطر الشاب بأهمية الاحتفاظ بيد ممدودة إلى الجارة الكبيرة، وهو الوعي الذي جلّاه تدشين زياراته الخارجية، بعيد تسلمه الحكم قبل عام، إلى المملكة العربية بالتحديد، وما حملته تلك الزيارة من أبعاد استراتيجية أفردت لها الصحف السعودية مساحات واسعة من المقالات والتقارير الصحفية.

مهما كان حجم الدفء الذي سيسري من جديد في شرايين العلاقة بين الدوحة والرياض، فإنه سيبقى محكوماً للإرث الذي يميز العلاقة بين الطرفين، وهو إرث تشكل على قاعدة الجرأة السياسية التي تمتعت بها القيادة القطرية، وتجلت في "الخروج عن المألوف" في ما يتصل بالعلاقات البينية الخليجية. فقد تمكنت قطر، بما امتلكته من حركية سياسية، من اختراق الجمود السياسي الذي كان قابعاً تحت السقف السعودي، وساهمت، إلى حد كبير، في إنتاج حراك سياسي خليجي على مستوى الدول وعلى المستوى الشعبي، الأمر الذي انتهى بتكوين نخب سياسية وفكرية في الدول الخليجية جميعها.

لا شك في أن السعودية، بما تمتلكه من قدرات جغرافية وسكانية واقتصادية إلى جانب موقعها الديني، هي عملاق منطقة الخليج العربي، لم يكن هيّناً عليها ظهور قطر كمعادل استراتيجي في إدارة الملفات السياسية لواحدة من أسخن مناطق العالم سياسياً وأمنياً، إن لم تكن الأسخن على الإطلاق، من خلال طريقة تعاطي كل طرف مع الحراك الشعبي أو ما اصطلح على تسميته بـ "الربيع العربي".

تسارع الأحداث على الساحة العربية، واختلاف النظرة إليها، مثّل صفيحاً تصادمت عنده رؤى سياسية متعارضة بين قطر من جهة، وبعض الدول الخليجية، بما فيها السعودية، من جهة أخرى، أنتج هزة سياسية تصدعت بتأثيراتها العلاقات الخليجية، حتى وصلت إلى الذروة عندما سحبت كل من السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة.

ومع أن الكثيرين توقعوا أن تكون الخطوة الثلاثية بداية لانحناءة قطرية، فإن الدوحة أظهرت ثباتاً لافتاً، وتمسكت بنهجها السياسي، دون أن تقطع "شعرة معاوية" مع نظرائها الخليجيين، وأظهر أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني قدرة على امتصاص الضغوط السياسية، توّجها بنجاحه في رأب شيء من الصدع مع السعودية بالتحديد.

قطر، في ظل علاقتها القوية مع حركة حماس التي تواجه الكيان الإسرائيلي في غزة، وتبلي بلاء حسناً في إدارة الصراع معه، لم تكن زيارتها إلى جدة بعيدة عما يثار من جدل حول المبادرة المصرية المقترحة لإيقاف العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة. ومن هنا ينتظر المراقبون أن تثمر هذه الزيارة عن خطوات عملية سريعة تساهم في حقن الدم الفلسطيني، خصوصاً وأنها تأتي في سياق مبادرة قدمتها الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، عن طريق قطر وتركيا.

قد تكون الغرف المغلقة الآن، مملوءة بالحديث عن صلح وتقارب حقيقي بين الدوحة والرياض، يتبعه تقارب بين مبادرة الفصائل الفلسطينية والمبادرة المصرية، غير أن درجة تحقق الصلحين ستبقى محكومة بماهية المقاربة السياسية للبلدين تجاه الصراع بين المقاومة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي.

مكة المكرمة