استقلال أسكتلندا.. من المستفيد ومن المتضرر؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 17-09-2014 الساعة 21:15
أدنبره - ترجمة الخليج أونلاين


أيام قليلة تفصلنا عن موعد الاستفتاء الشعبي الذي سيحدد مصير المملكة المتحدة، فإذا اختار غالبية السكان الأسكتلنديين الانفصال عن بريطانيا فستقسم المملكة المتحدة، وتصبح أسكتلندا دولة مستقلة، أما إذا صوّت الغالبية بـ"لا" فستبقى أسكتلندا جزءاً من المملكة المتحدة، إلى جانب إنجلترا وويلز وشمالي إيرلندا.

في كل الأحوال ستبقى لندن مركز القوة، لكن أسكتلندا ستحظى بصلاحيات سيادية إضافية. كما تشير الاستطلاعات الأخيرة إلى صراع حقيقي بين الأطراف.

لماذا يطالب الأسكتلنديون بالاستقلال؟

كان الأسكتلنديون مواطنين يتمتعون بحقوق متساوية مع الجميع منذ إقامة المملكة المتحدة، وقد كان لهم دور رئيسي في الإمبراطورية البريطانية، فقد كانوا من أبرز المنشئين، وأصحاب المناصب الرفيعة في المملكة، وعلى مر السنين، هاجر العديد من الأسكتلنديين جنوباً للاستقرار في إنجلترا، فاختلطت المجتمعات بعضها ببعض إلى حد كبير، وكانت الإنجليزية هي اللغة السائدة، ومع الوقت اختفت اللهجات الأسكتلندية. مع ذلك، حافظت أسكتلندا على هوية وطنية قوية تميزها عن جارتها إنجلترا.

والدعوات لإقامة دولة مستقلة تتردد على مدار مئات السنين، لكنها ظلت في هامش المجتمع الأسكتلندي، في حين كان أغلب الأسكتلنديين راضين عن الاتحاد، وساهم الحزب القومي الأسكتلندي بهذه الدعوات، لكن شعبيته كانت قليلة، ولم يكن فعالاً حتى تسعينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي أثارت بها سياسات "مارغريت تاتشر" غضب الأسكتلنديين؛ فقد أمرت بإغلاق المصانع ومناجم الفحم في أسكتلندا، كما أن خيبة الأمل من حكومة حزب "العمال الجديد" برئاسة توني بلير، والتي استمرت على نهج "تاتشر" نفسه، زادت من غضب الأسكتلنديين.

عام 1990 أعطى بلير بعض صلاحيات السلطة لبرلمان أسكتلندي جديد أقيم في أدنبره، على أمل وضع حد لمطالبات الاستقلال، لكن بعد عدة سنوات أصبحت السلطة في البرلمان الأسكتلندي في يد "الحزب القومي الأسكتلندي"، ومن ثم أصبح الاستقلال جزءاً أساسياً من مطالب السياسة الأسكتلندية السائدة.

كيف تقرر إجراء استفتاء شعبي؟

على الرغم من معارضة جميع الأحزاب السياسية الرئيسية في بريطانيا لتفكيك المملكة المتحدة، فبعد انتخابات البرلمان الأسكتلندي في عام 2011، والتي فاز فيها القوميون بمعظم المقاعد، أعلن زعيم الحزب رئيس الوزراء الأسكتلندي أليكس سلموند، أنه سيمرر للبرلمان قرار إجراء استفتاء شعبي من دون موافقة لندن، ومن ثم اضطر رئيس الوزراء البريطاني "ديفيد كاميرون" إلى فتح المفاوضات، أدت في نهاية المطاف إلى توقيع "معاهدة أدنبرة"، والتي تفيد بأنه في 18 سبتمبر/ أيلول 2014 سيتوجه سكان أسكتلندا إلى صناديق الاقتراع للتصويت بـ "نعم" أو "لا" إجابة عن سؤال واحد: "هل يجب أن تكون أسكتلندا دولة مستقلة؟".

ما هي ادعاءات أنصار استقلال أسكتلندا؟

أنصار الاستقلال في أسكتلندا هم ائتلاف سياسي واسع ومتنوع: من القوميين الوطنيين المتمسكين بالرموز القديمة للمملكة الأسكتلندية، إلى اليسار المتطرف الذي يرغب بالانفصال عن بريطانيا بسبب معارضته للحكومة الرأسمالية في لندن، وما يوحد هذه التيارات هو الاستياء العميق من لندن.

القوميون يؤمنون أن لندن استغلتهم لعقود لبيع النفط الذي تم اكتشافه قبالة السواحل الاسكتلندية، وبفضل هذه الموارد، إضافة للعائدات من السياحة والصيد والخدمات المالية، يمكن لأسكتلندا أن توفر اقتصاداً مستقلاً ومزدهراً، كما أنها تستطيع وضع سياسات اجتماعية وديمقراطية أكثر بكثير من المملكة المتحدة.

ولأن سكان أسكتلندا هم أقل من 10 بالمئة من سكان المملكة المتحدة، ويغلب عليهم التيار اليساري في الطيف السياسي، فسيخلصها الاستقلال من الحكومة المحافظة اليمينية التي تحكمها من لندن.

ما هي ادعاءات معارضي الاستقلال؟

في خطاب ألقاه في أدنبره الأسبوع الماضي، تحدث "ديفيد كاميرون" عن "ادعاءات خارجة من العقل والقلب"، في هذه المسألة من الصعب التسويق لادعاءات عاطفية، مثل الماضي التاريخي المشترك، والفخر الوطني.

ومع ذلك، هناك من يحاول تذكير الأسكتلنديين أنهم مع الإنجليز اكتشفوا البلدان، وبنوا أكبر إمبراطورية في التاريخ، وأعدوا قوة اقتصادية وثقافية، ووقفوا معاً لمحاربة ألمانيا النازية، لكن يبدو أن الادعاءات العقلية أكثر فائدة بكثير.

إن المجتمع الأسكتلندي صغير، وأغلبهم كبار في السن، وهذا سيخلق صعوبة في الحفاظ على خدمات رفاهية وجودة رعاية صحية عالية، إضافة لتوفير مخصصات التقاعد.

الانفصال عن إنجلترا قد يؤدي إلى هجرة الأدمغة: الشباب سيفضلون العيش والعمل في المملكة المتحدة الأكثر ثراءً، والتي تقدم فرص عمل أكثر، وقد أعلنت بعض المصارف وشركات التأمين نقلها مكاتبها الرئيسية إلى لندن، كما حذرت شبكات التسويق البريطانية أيضاً من أن تقسيم البلاد يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار في أسكتلندا.

كما أن عضوية أسكتلندا في المنظمات العالمية المهمة؛ كالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ستكون غير مؤكدة في حالة الانفصال، وستضطر أسكتلندا إلى تقديم طلب عضوية من جديد.

كما أن المورد الرئيسي لأسكتلندا، وهو النفط، على الرغم من أنه سيستمر في ضخ المال، إلا أن كثيراً من الخبراء قالوا إن الاحتياطي النفطي محدود، وسينفد في السنوات القليلة المقبلة، وستبقى الدولة الصغيرة دون الدعم المالي الإنجليزي.

ماذا تقول الاستطلاعات؟

على مدار فترة زمنية طويلة، بيّنت الاستطلاعات أن ثلث سكان أسكتلندا معنيّون بالاستقلال، في حين أن الغالبية العظمى تود البقاء ضمن المملكة المتحدة، أو أن الأمر لا يعنيها.

وفي الشهور الأخيرة، مع اقتراب الاستفتاء واقتراب احتمال رؤية أسكتلندا مستقلة بعيون سكانها، أخذ الفارق بين المؤيدين والمعارضين بالتقلص تدريجياً، فقبل أسبوع نشرت "صنداي تايمز" الاستطلاع الأول الذي بيّن تغلب مؤيدي الاستقلال على المعارضين بنسبة 2 بالمئة، الأمر الذي أثار الذعر في لندن، ومنذ ذلك الحين بدأ تحوّل طفيف يطرأ لحساب معسكر المعارضين.

معطيات أخرى مثيرة للاهتمام برزت في الاستطلاعات؛ وهي التوزيع بين النساء والرجال والفئات العمرية المختلفة، ففي حين أن الرجال يدعمون الاستقلال، فإن غالبية النساء ترفضه، مما يدل ربما على الصراع بين "الفخر الوطني" و"الخوف من عدم الاستقرار المادي".

كما أن الفئة العمرية ما فوق سن الـ 60، ممن يشعرون بالقلق حول فترة تقاعدهم، إضافة لجيل ما تحت سن الـ 25 الذين يفكرون في السفر للعمل والدراسة خارج أسكتلندا، يعارضون الاستقلال.

ماذا سيحدث لو اختار الأسكتلنديون الاستقلال؟

يطالب القوميون بعملية انفصال متسارعة بعد الاستفتاء، التي ستستمر ما لا يزيد عن عام ونصف العام. وخلال هذه الفترة، فإن على الحكومة البريطانية والاسكتلندية التوصل إلى اتفاق بشأن توزيع الديون الوطنية، والاحتياط النقدي، وأصول الدولة والبنية التحتية والموارد.

كما سيتم اتخاذ قرار بشأن ملايين الأسكتلنديين الذين يعيشون خارج أسكتلندا، والمواطنين البريطانيين الذين يعيشون في أسكتلندا. كما أنه يجب الاتفاق حول إحدى نقاط الخلاف الرئيسية؛ وهي مستقبل الأسلحة النووية لبريطانيا، المتمركزة في أربع غواصات، مرساها الوحيد على الساحل الغربي لأسكتلندا.

وعلى الدولة الجديدة بدء إجراءات الانضمام إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وكذلك إنشاء السفارات الأجنبية، إضافة إلى تشكيل جيش وطني.

والسؤال الرئيسي هو عن العملة؛ يريد الأسكتلنديون الاستمرار باستخدام الإسترليني المستقر نسبياً، ولكن لندن تعارض، وتطالب الاسكتلنديين باعتماد عملة خاصة بهم أو الانضمام إلى "اليورو"، التي من المحتمل أن لا ترحب بدولة أخرى في ظل مستقبل اقتصادي غير مستقر.

كيف ستتغير بريطانيا إذا قرر الأسكتلنديون البقاء؟

حتى لو انتصر مريدو الاتحاد، من المتوقع حصول تغييرات في السياسة البريطانية، فقد وعد قادة الأحزاب الكبيرة بنقل صلاحيات واسعة لمجلس النواب الأسكتلندي، والتي قد تشمل أيضاً سلطة تحديد نسبة الضريبة وتوزيع معظم الميزانيات. إن مثل هذه الخطوة من شبه المؤكد أن تؤدي إلى منح سلطات مماثلة للمجالس المنتخبة في إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية، أي عملية "فدرلة"، من شأنها أن تبقي بيد الحكومة والبرلمان البريطاني سلطة أقل بكثير.

ماذا تقول الملكة إليزابيث؟

الملكة إليزابيث الثانية هي ملكة إنكلترا وأسكتلندا وويلز، وعلى نقيض الساسة في لندن، فهي صاحبة شعبية في القسم الشمالي من المملكة، وقد أكد "سلموند"، زعيم الحركة الوطنية الأسكتلندية، أن الملكة إليزابيث ستبقى ملكة أسكتلندا المستقلة، ولكنه لم يتطرق إلى مسألة هل ستظل رئيسة الدولة أو أن ارتباطها بها سيصبح أقل قوة.

ومن المتوقع أيضاً أن تطلب شخصيات بارزة في الحزب استفتاء آخر بعد الاستقلال، لتحديد وضع أسكتلندا؛ أتظل ملكية أم ستصبح جمهورية.

الملكة إليزابيث حتى الآن تلتزم الصمت، لكنها أعربت في السابق عن إيمانها بحق حماية المملكة المتحدة، وعلى الرغم من عدم تدخلها في السياسة في السابق، إلا أنه يمكن أن نشهد تدخلاً حين ترى أنها تفقد ثلث مملكتها.

ترجمة: مي خلف (عن هآرتس)

مكة المكرمة