الائتلاف السوري والتركة الثقيلة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 10-07-2014 الساعة 17:23
الخليج أونلاين


في أول تصريحات له بعد انتخابه رئيسا للائتلاف السوري المعارض، قال هادي البحرة إن قرار حل هيئة أركان الجيش السوري الحر الصادر عن الحكومة المؤقتة كان خاطئاً، ويخرج عن صلاحيات الحكومة،وفيه فهم خاطئ للنظام الأساسي للحكومة. وحول برنامج الائتلاف في المرحلة القادمة أوضح البحرة أنه سيتم تصحيح الأخطاء السابقة، وإعادة القطار إلى مساره، والالتفات أكثر إلى الداخل السوري بوصفه الأساس في قوة الثورة.

تصريحات البحرة تعكس إحساس الرجل بالتركة الثقيلة والتي لا تخص القيادة السابقة للائتلاف وحسب، بل تشكل تراكم ممارسات خاطئة بدأت مع تشكيل الائتلاف في نوفمبر 2012، والذي ولد مع زخم دولي وإقليمي سرعان ما خبا تاركا الجسم الوليد نهباً للتجاذبات الإقليمية والابتزاز الدولي، فضلا عن الأداء القاصر لأعضاء الائتلاف وقيادته.

تعرض الائتلاف خلال الفترة الماضية لانتقادات كثيرة بسبب ما اعتبر أداءه القاصر على جميع الأصعدة، ولكي يقدّم الائتلاف صورة مغايرة وأداء مختلفا عن المرحلة السابقة، ربما ينبغي على قيادته الجديدة العمل على عدة محاور تبدأ بإصلاح البيت الداخلي، وصولا إلى إصلاح وترميم علاقات الائتلاف مع محيطه المحلي والإقليمي.

وإصلاح البيت الداخلي يتضمن كثيرا من النقاط المطروحة أصلا على جدول أعمال الاجتماع الأخير مثل تعديل النظام الأساسي للائتلاف، من ناحية مدة ولاية رئيسه وصلاحياته، وقوانين عمل اللجان لزيادة فعاليتها، وتجاوز أخطاء المرحلة السابقة. وربما ما يحتاج إلى إعادة نظر أيضا تركيبة الائتلاف التي تجمع على نحو شكلي العديد من القوى، حيث يضم الائتلاف تشكيلة واسعة لكن غير فعالة (بعضها موجود على الورق فقط) مثل المجلس الوطني السوري، والهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق المحلية، والمجلس الثوري لعشائر سورية، ورابطة العلماء السوريين، واتحادات الكتاب، والمنتدى السوري للأعمال، وتيار مواطنة، وهيئة أمناء الثورة، وتحالف معا، والكتلة الوطنية الديمقراطية السورية، والمكون التركماني، والمكون السرياني الآشوري، والمجلس الوطني الكردي، والمنبر الديمقراطي، والمجالس المحلية لكافة المحافظات، إضافة إلى بعض الشخصيات الوطنية وممثل عن المنشقين السياسيين. وهذه التركيبة الفضفاضة جعلت من السهل العبث بأعضائها وشراء أصواتهم كما يحدث في كل اجتماع انتخابي.

ويرتبط بما سبق آليات التمويل والانفاق في الائتلاف والتي تعاني غياب الشفافية والرقابة. وإلى الآن تحول أموال الدعم التي تقدمها بعض الدول إلى حسابات أشخاص بعينهم، وليس إلى حساب يخص الائتلاف كمؤسسة، ما يجعل هؤلاء الأشخاص بشكل طبيعي مرتبطين بالجهات الداعمة لهم، ويمكنهم بدورهم من توجيه هذا المال لتحقيق غايات ضيقة، مثل شراء الولاءات داخل الائتلاف وخارجه كما يحدث حتى الآن.

ومن الإصلاحات المطلوبة أيضا، تحديد علاقة الائتلاف مع الحكومة المؤقتة، خاصة مع التنازع في الصلاحيات والاختصاصات ،كما ظهر أخيرا في قضية إقالة رئيس الحكومة للمجلس العسكري ورفض الائتلاف لهذا القرار.

وفيما يتصل بالحكومة نفسها، من الواضح أنها لم تتمكن من القيام بمهامها على الوجه الأكمل في المرحلة السابقة، ولا تزال تفتقر إلى الوجود الفاعل على الأرض لناحية توفير الخدمات الأساسية للناس في المناطق المحررة من سيطرة النظام، فضلا عن غيابها شبه الكامل عن مخيمات النازحين واللاجئين السوريين داخل سورية وخارجها.

ولعل أهم ما ينتظره الداخل السوري، وحتى المجتمع الدولي برغم تخاذل وتواطؤ بعض أطرافه، ممن يفترض أنه الممثل السياسي المعترف به للشعب السوري، أن يقدم خطة بشأن توحيد كتائب الجيش الحر تحت راية واحدة قد تسمى الجيش الوطني السوري الحر أو غير ذلك، بغية قطع الطريق على المترددين والمتذرعين بتشتت المعارضة المسلحة "المعتدلة" لتأخير مدها بالدعم النوعي المطلوب.

كما يحتاج الائتلاف -خصوصا في المرحلة المقبلة مع تعيين مبعوث دولي جديد لسورية- إلى بلورة برنامج سياسي واضح يحدد رؤية المعارضة السورية إزاء القضايا والملفات والاستحقاقات القائمة والمقبلة، ما يتصل منها بالحلول أو المساومات السياسية، وما يتصل بالتطورات الحاصلة على الأرض سواء في سورية أو العراق.

وإضافة إلى البرنامج السياسي، تحتاج المعارضة السورية إلى خطة إعلامية، ومؤسسات إعلامية تتواصل من خلالها مع الشعب السوري في مختلف مناطقه، وتنقل معاناة هذا الشعب إلى العالم.

القضية السورية مقبلة على استحقاقات كثيرة هامة ومصيرية، محليا وإقليميا ودوليا، وإذ تتراجع كثير من الجبهات الميدانية أمام ضغط قوات النظام وقوات "داعش"، فإن المنطقة والعالم في حالة استنفار اليوم لبحث سبل التعامل مع "دولة الخلافة البغدادية"، وعلى الطاولة خيارات كثيرة مطروحة، كلها خطير ومفصلي، وتراوح بين التعاون الأميركي مع إيران أو حتى مع نظام الأسد، ضد داعش، وصولا إلى تقوية ما يسمى بالمعارضة السورية المعتدلة والتي لم تقدم نفسها حتى الآن بصورة مقنعة لشعبها والعالم.

مكة المكرمة