الاتفاق النووي واللحظات الحاسمة.. احتواء أمريكي ومكاسب إيرانية

ما ستفرج عنه الساعات القادمة هو بمثابة إعادة ترتيب لموازين القوى في منطقة الشرق الأوسط

ما ستفرج عنه الساعات القادمة هو بمثابة إعادة ترتيب لموازين القوى في منطقة الشرق الأوسط

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 09-07-2015 الساعة 16:05
برلين - وسام أبو الهيجاء - الخليج أونلاين


على الرغم من كثرة الأوراق والتفاصيل المطروحة على طاولة المفاوضات بين ما يعرف بمجموعة 1+5 وإيران، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن المؤشرات والتصريحات الواردة من فيينا، تشير إلى أننا أمام الساعات الأخيرة من عمر المفاوضات.

وصرح مصدر دبلوماسي مطلع في فيينا لوكالة "فرنس برس"، أنه "لن يتم تمديد المفاوضات بعد انتهاء المهلة المحددة، فإما أن يكون هناك اتفاق أو لن يكون هناك شيء".

- المكاسب السياسية للاتفاق

أدركت الإدارة الأمريكية أن إطالة أمد العقوبات على إيران ومحاولات احتوائها بوضع العقبات، ستساهم بالضرورة في زيادة التعنت الإيراني حيال رغبتها بالوصول ببرنامجها النووي إلى ذروته، وهو ما يعني تقليل فرص نجاح أي اتفاق نووي مستقبلي يتعلق بتقليص القدرات النووية الإيرانية، ويضعف من قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي على فرض رقابة صارمة على المنشآت النووية الإيرانية، وذلك بسبب قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات، وإنتاج المزيد من اليورانيوم المخصب بنسب عالية.

وخلال السنوات الماضية، تمكنت إيران من زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي التي لم تكن أعدادها تتجاوز 1500 جهاز في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، أما اليوم فالحديث يجري عن 19000 جهاز طرد مركزي، وهو الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى مواجهة عسكرية لا مفر منها مع إيران، لا يمكن أن تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها كلفتها السياسية والاقتصادية والبشرية المرتفعة.

وعلى الجانب الآخر، أيقنت إيران من أن الوقت قد حان لجني ثمار الحرب الباردة التي أدارتها في المنطقة على مدار العقود الثلاثة الماضية، بعد تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، وفشل حروبها المتتالية في العراق وأفغانستان، وبفضل قدرتها على إدارة الأزمات والصراعات في دول الإقليم، وطرح نفسها على المجتمع الدولي والولايات المتحدة على وجه الخصوص، على أنها جزء من الحل في الصراعات الدموية الدائرة.

ومن هذا المنطلق، تمكنت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما من إنزال إيران من على شجرة مطالبها المرتفعة، وتوصلت إلى إطار اتفاق مبدئي مع إيران، يحقق لها إنجازاً كبيراً على صعيد السياسة الخارجية، بعد أن فشلت من تحقيق ذلك في مشروع انسحابها من العراق وأفغانستان، الذي بنيت عليه حملة الرئيس أوباما الانتخابية، فها هي القوات الأمريكية تزج مرة أخرى في العراق لمحاربة تنظيم "الدولة"، فيما جرى تأجيل موعد الانسحاب من أفغانستان تحت وطأة المواجهة مع حركة طالبان.

اليوم، تتنفس إدراة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الصعداء، فهي على أعتاب إبرام اتفاق تاريخي مع إيران، سيضمن لها أمن إسرائيل وفرض رقابة صارمة على المنشآت النووية الإيرانية، دون الحاجة للدخول في أتون حرب قد لا تتمكن من دفع فاتورتها المرتفعة، وسيجعلها أكثر استعداداً وتفرغاً لوقف تمدد الصين في آسيا وزعزة المصالح الأمريكية في تلك المنطقة من العالم.

أما إيران، فقد باتت اليوم قاب قوسين أو أدنى، من إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة والدول الكبرى، سيضمن لها الإبقاء على البنية التحتية لبرنامجها النووي، والإعلان عن حقها بامتلاك برنامج نووي متكامل خلال 25 عاماً، والتخلص من العقوبات التي أنهكت اقتصادها على مدار السنوات الماضية، وسيجعل الاتفاق من إيران، عضواً مهماً في المجتمع الدولي، يتوقع له أن يكون لاعباً محورياً في عملية تأسيس ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد.

إسرائيل، وهي الغائب الحاضر عن المفاوضات، تمكنت هي الأخرى من ضمان وضع بصمتها على أي اتفاق مستقبلي مع إيران، من خلال إخضاع الاتفاق المزمع إبرامه لتصويت الكونغرس الأمريكي قبل إقراره من قبل الإدارة الأمريكية، وهو ما يعني بالنسبة لها، بولصة تأمين تكبل إدراة أوباما وتمنعه من توقيع اتفاقية هزيلة، لا تضع أمن إسرائيل في المقدمة، كما عملت إسرائيل على فرض شروطها خلال المفاوضات من خلال حلفائها الأمريكيين والألمان.

- المكاسب الاقتصادية

لم تخفِ الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، رغبتها في أن يتيح لها الاتفاق المجال لإقامة علاقات تجارية واسعة مع طهران، وذلك فور إعلان مجلس الأمن الدولي رفع العقوبات المفروضة على إيران، حيث تتمتع إيران بعلاقات تجارية متميزة مع ألمانيا، بفضل دبلوماسية السجاد والحرير التي قادتها نحو تبادل تجاري ضخم مع ألمانيا، إذ بلغ حجم الصادرات الألمانية إلى طهران خلال عام 2014 نحو 2.5 مليار يورو، فيما بلغت الصادرات الإيرانية إلى ألمانيا نحو 269 مليون يورو.

وفي الوقت الذي تجري فيه المفاوضات السياسية في العاصمة النمساوية مع إيران، توثبت كبريات الشركات الألمانية استعداداً لمرحلة ما بعد رفع العقوبات التجارية عن إيران.

صحيفة "هاندلز بلات" الاقتصادية الألمانية كشفت في عددها الصادر أمس الأربعاء عن إجراء وفد إيراني زيارة غير معلنة لغرفة الصناعة والتجارة الألمانية في مدينة "دارم شتات"، أجرى خلالها الوفد محادثات تمهيدية حول مرحلة ما بعد العقوبات، حيث وجه الإيرانيون دعوة إلى رابطة "راين - ماين - نيكار" وهي أكبر رابطة ألمانية لمصنعي السيارات، لتولي مهمة تطوير سوق السيارات في إيران، وفي الوقت ذاته، طلب الوفد الإيراني من نظرائهم في غرفة الصناعة والتجارة الألمانية القيام بإعادة تأهيل وتطوير المصانع الإيرانية فور الإعلان عن رفع العقوبات.

وتضيف الصحيفة أن وفداً ألمانياً مكوناً من 30 شركة للتصدير، سيتوجه إلى طهران لحضور حدث مهم لم تحدد طبيعته، حيث سيلتقي الوفد مع 20 من رواد الصناعة الإيرانية، وهو وفد رفيع المستوى لا يتم إلا بتنسيق على مستوى الدول، كما تشير الزيارة التي سيجريها وزير الاقتصاد الألماني "زيجمار جابرييل" إلى طهران خلال شهر يوليو/ تموز الجاري، إلى أن الاتفاق مع إيران بات يلوح في الأفق.

حجم الأموال الإيرانية المجمدة، والتي تبلغ قيمتها نحو 120 مليار دولار أمريكي، جعل من القوى الكبرى تتنافس على إيجاد موطئ قدم لها في إيران فور الإعلان عن رفع العقوبات التجارية، فعيون الشركات الأمريكية والألمانية تتجه نحو إبرام عقود لبناء البنية التحتية الإيرانية، وتطوير الصناعة والتجارة والسياحة، فيما ترى القوى الكبرى في إيران، مصدراً مهماً للموارد الطبيعية، وعلى جانب آخر، تظهر الصين كمنافس قوي للولايات المتحدة وألمانيا في قطاع الطاقة، فالصين هي المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، وعلى مدار السنوات الماضية وبسبب العقوبات التجارية المفروضة على البنوك الإيرانية، تمتعت إيران بمخزون هائل من العملة الصينية "اليوان"، واقتصر التبادل التجاري بين البلدين على العملة الصينية.

ما ستفرج عنه الساعات القادمة، هو بمثابة إعادة ترتيب لموازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، وما يجري في فيينا، هو محاولة جدية وحقيقية لإدماج إيران الأيديولوجية في النظام الدولي، فلا اتفاق مع إيران دون إطار سياسي واضح، تعترف بموجبه طهران بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وفي الوقت ذاته، ستقبل الولايات المتحدة وحلفاؤها بإيران كقوة إقليمية تتحرك وفق مصالح أمنها القومي، ذات الحدود الممتدة من باكستان وأفغانستان شرقاً، إلى طاجيكستان والبحر الأسود شمالاً، وصولاً إلى سوريا ولبنان غرباً واليمن جنوباً.

مكة المكرمة