"الانتفاضة".. توحد الفلسطينيون حولها واختلفوا على الثالثة

ومع أن السلطة مدينة للانتفاضة في نشأتها فإن عقدين من الزمان جلبا إلى رئاستها من لا يؤمن بالكفاح المسلح ويراه "دماراً للفلسطينيين"

ومع أن السلطة مدينة للانتفاضة في نشأتها فإن عقدين من الزمان جلبا إلى رئاستها من لا يؤمن بالكفاح المسلح ويراه "دماراً للفلسطينيين"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 08-12-2014 الساعة 17:36
أماني السنوار - الخليج أونلاين


27 عاماً مضت على تفجّر الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي انطلقت شرارتها من شمال قطاع غزة، واتسمت بالأداء الشعبي وملامح العصيان المدني الجارف، الذي طال أكثر ما طال صورة إسرائيل عالمياً، فجعلت رئيس وزرائها آنذاك إسحاق رابين، يتمنى لو "استيقظ يوماً فيرى غزة قد ابتلعها البحر".

وبيد أن القطاع الصغير الذي لا تتجاوز مساحته 360 كيلومتراً مربعاً، لم يبتلعه البحر كما تمنى رابين، كما لم تقو أمواج العدوان الإسرائيلي والحروب المتوالية على تكسير صموده، فبقي أداؤه المقاوم فارقاً عن بقية أماكن الوجود الفلسطيني، فإنه شكّل إحدى جدليات القضية الفلسطينية التي تبرز في ذكرى "انتفاضة الحجارة"، جنباً إلى جنب مع جدلية المقاومة وتعريفها وتأطير حدودها.

8-12-1987

وبعودة سريعة إلى التاريخ، فإن شرارة الانتفاضة الأولى، انطلقت في الثامن من ديسمبر / كانون الأول عام 1987، إثر حادث دعس متعمد نفذته شاحنة إسرائيلية لسيارة يستقلها عمال فلسطينيون من بلدة "جباليا" بقطاع غزة، كانت متوقفة في محطة وقود قرب حاجز "إيرز" بين إسرائيل والقطاع، مما أودى بحياة ركابها الأربعة، وهو ما أشعل الاحتجاجات وعمليات رشق الحجارة ضد مواقع جيش الاحتلال وعرباته شمال قطاع غزة، لتتوسع بعدها رقعة الاحتجاجات لتشمل كافة أنحاء الضفة الغربية والقطاع.

وفيما استمرت جذوة الانتفاضة مشتعلة وشاملة طيلة السنوات الأربعة الأولى وحتى عام 1991، فإن دخول عمليات مسلحة إلى مسارها من قبيل حوادث التفجير التي تبنّتها حماس داخل الخط الأخضر، لم ينفِ اصطباغ طابع الانتفاضة العام بالعصيان المدني والعمل الشعبي من إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة (مولوتوف) وقطع الطرق وإشعال إطارات السيارات.

وقد سرّعت أحداث الانتفاضة الأولى من فتح العواصم الأوروبية أبوابها أمام قيادة منظمة التحرير، التي خاضت خلال الثمانينيات جولات من المفاوضات السرية مع الإسرائيليين برعاية أمريكية وأوروبية، قادت في المحصلة إلى إنتاج إتفاقية أوسلو عام 1993.

من الإجماع إلى التجريم

وإن كانت السلطة الفلسطينية ذاتها تدين بالفضل للانتفاضة، بأن أنشأت للفلسطينيين أول كيان سياسي معترف به، وسهّلت لقيادة منظمة التحرير أن تكتب نهاية شتاتها بين العواصم العربية التي تقاذفتها مرة بعد أخرى، فإن عقدين فقط على تشكيل هذه السلطة أفرزا انعطافة استراتيجية على أيدلوجيتها؛ من قيادة سياسية تعتمر بزّة المناضل العسكرية، إلى رئيس أعلن غير مرة أنه "ضد الكفاح المسلح، ولم يحمل بندقية في حياته قط".

مراحل هذا التحول، أفرزت داخل المجتمع الفلسطيني وفي أوساطه السياسية جدلاً عريضاً حول الموقف من المقاومة بشقّيها العسكري والشعبي؛ بين من يراها وسيلة وحيدة للحل، ومن يجرّمها بوصفها "دماراً على الفلسطينيين"، وبين معسكر ثالث يدعو إلى المزاوجة ما بين العمل السياسي والعسكري، بحيث يكون حراك السياسيين ظهيراً للإنجاز العسكري على الأرض، وراعياً لبذوره إلى أن تنضج ثماراً سياسية لصالح الفلسطينيين.

وفي حين كانت الانتفاضة عنصر لحمة وتوافق داخلي، تقلّص هامش الإجماع السياسي حولها، حتى بات لا يكاد يشمل مظاهر "المقاومة السلمية"، التي انكمش حضورها على الأرض على وقع تصاعد موجات العسكرة والتطرف في المجتمع الإسرائيلي، وسياسة التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، إلاّ من مظهر هنا أو هناك، على شكل مسيرات ينفذها نشطاء فلسطينيون وأجانب ضد مصادرة الأراضي وتشييد الجدار العازل.

هذا التشظي في المظلة السياسية للعمل المقاوم، دفع بها إلى زاوية المحاصرة ومحاولات الاستئصال، فبدأت تفقد شرعيتها في قاموس السياسة الفلسطيني، لصالح منح الشرعية للتنسيق الأمني مع الاحتلال، الذي وصفه محمود عباس من على منبر دول منظمة التعاون الإسلامي بأنه "ليس معيباً"، مضيفاً أن "مصلحة الفلسطينيين تكمن بوجود تنسيق أمني مع إسرائيل، يمنع وقوع انتفاضة تدمّرنا كما فعلت الانتفاضة الثانية".

وفيما تقلّص الاهتمام الإسلامي والعربي بالقضية الفلسطينية، التي ما عادت تتصدر أولويات السياسة الخارجية، وتبدّلت مفرداتها من الصراع العربي – الإسرائيلي، إلى الصراع الفلسطيني، فإن هذه الدول وإن لم تدعم يوماً بالعلن موقف المقاومة الفلسطينية وحقها في صدّ العدوان والاحتلال، لكنّها اليوم باتت أكثر من أي وقت مضى، مستعدة للمضي نحو السلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مقابل استئصال المقاومة وإنهائها، حاصرة العمل المقاوم بعنوان حركة "حماس" في سعي منها لربط المقاومة بمن تراهم "إرهابيين" (الإخوان المسلمين).

وبعد 27 عاماً على انتفاضة الفلسطينيين الأولى، بدا العمل المقاوم الذي لم تبتلعه بحار المحاصرة والتجريم والاعتقالات، محشوراً في زاوية الحصار، مكبّلاً بأغلال فقدان الشرعية، ومتهماً بجلب الدمار والويلات للشعب الفلسطيني، ليتشارك القدر ذاته مع قطاع غزة الذي يُحاصر من العدو والصديق منذ أعوام، لكن لم تصدق فيه أمنيات رابين قط.

مكة المكرمة