الجزائر وأقدام الاستعمار "السوداء".. هل هي بداية مرحلة جديدة؟

اعتُبرت الاستعانة بالأقدام السوداء "جرأة" من طرف أويحيى

اعتُبرت الاستعانة بالأقدام السوداء "جرأة" من طرف أويحيى

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 18-06-2018 الساعة 19:54
الجزائر - حمودة أيمن - الخليج أونلاين


فجّرت دعوة رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى رجال أعمال بلاده إلى التعاون مع "الأقدام السوداء"، وهم المستوطنون الذين ولدوا في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي، جدلاً واسعاً حتى وصفها البعض بأنها دعوة صريحة للتعاون مع أعداء ثورة التحرير الجزائرية.

حديث أحمد أويحيى جاء خلال إشرافه على حفل توزيع جائزة أحسن مصدِّر جزائري الأسبوع قبل الماضي، وفي معرض رده على استفسارات رجال الأعمال حول سبل التوغل في السوق الأفريقية، ومواجهة المنافسة الشرسة لكل من تونس والمغرب، نصح رئيس الوزراء هؤلاء بالتعاون مع "الأقدام السوداء"، ومع الإطارات الجزائرية الموجودة في القارة الأوروبية، ومع الكفاءات الأفريقية التي كانت تعيش وتدرس في الجزائر، وأوضح أن "لهؤلاء نفوذاً واسعاً يمكن المصدِّرين الجزائريين من التوغل في السوق الأوروبية والأفريقية".

التصريحات لم تمر مرور الكرام، بل فجرت جدلاً واسعاً بحكم حساسيتها، فالتعامل مع الأقدام السوداء يعدّ من المحرمات المتعلقة بملف الذاكرة، ويعتبر حديث أويحيى أول تصريح إيجابي لمسؤول جزائري تجاه الأقدام السوداء الذين يعتبرهم الجزائريون أعداء؛ لكونهم تورطوا في أعمال عنف وتقتيل ضدهم خلال فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد.

و"الأقدام السوداء" هم المستوطنون الأوروبيون الذين عاشوا أو ولدوا في الجزائر إبان فترة الاحتلال الفرنسي (1830-1962)، ويقدر عددهم بنحو مليون نسمة عام 1960، وتنحدر أغلبيتهم من أصول إسبانية أو إيطالية أو مالطية، ويشكل الفرنسيون حسب بعض الإحصائيات 11% منهم فقط.

أما عن صفة "الأقدام السوداء"، فإحدى النظريات تُرجع الأمر إلى سواد الأحذية التي كان يرتديها الجنود الفرنسيون مقارنة بأقدام الجزائريين الحفاة أصحاب الأرض، في حين أن نظرية أخرى ترجع ذلك إلى اتساخ ملابسهم، أو عصرهم لعناقيد العنب بالأرجل لإنتاج النبيذ.

ويعد ملف "الأقدام السوداء"، حسب الباحث في التاريخ معمري مروان، من "الملفات الشائكة بين الطرفين الفرنسي والجزائري؛ فإلى جانب تورط الكثير منهم في أعمال قتل استهدفت الجزائريين خلال فترة الثورة من خلال تنظيمات إرهابية تابعة لهم، أشهرها منظمة (اليد الحمراء) ومنظمة (الجيش السري)"، فخلال السنوات الأخيرة، كما يكشف مروان لـ"الخليج أونلاين"، رفع "العديد منهم قضايا في المحاكم الجزائرية للمطالبة باسترجاع أملاكهم في الجزائر".

وأوضح أن "اتفاقيات إيفيان الموقعة بين الحكومة الجزائرية المؤقتة ونظيرتها الفرنسية يوم 18 مارس 1962 لإنهاء الاحتلال الفرنسي في الجزائر، نصت على تخيير الأقدام السوداء خلال 3 سنوات بين نيل الجنسية الجزائرية أو الاحتفاظ بالفرنسية واعتبارهم أجانب، وكان قادة جبهة التحرير يرفضون الجنسية المزدوجة للأقدام السوداء".

ما سبق ذكره كان سبباً مباشراً في غضب الجزائريين من دعوة رئيس وزرائهم للتعاون مع الأقدام السوداء، واتهمه ناشطون بـ"البحث عن تعاون مع أعداء الجزائر"، بذريعة أنهم ممَّن لا يزالون على قيد الحياة، وآباءهم كانوا ضد استقلال الجزائر.

اقرأ أيضاً :

#البس_جزائري_في_العيد .. عرض أزياء وطني

- الإساءة إلى الثورة

"المنظمة الوطنية للمجاهدين" في بيان لها استنكرت تصريحات رئيس الوزراء، وجاء في البيان أن "الأمانة الوطنية لمنظمة المجاهدين لاحظت منذ مدة أن هناك تصريحات لا تبعث على الارتياح، وتسيء إلى مكاسب الأمة وثوابتها، وتنال من قيم ثورة نوفمبر 1954".

وأضاف البيان: إن "الأمانة تستنكر مثل هذه التصريحات التي تمس بكرامة الشعب الجزائري، وتسيء إلى تاريخ ثورته من قبل مسؤولين في القيادة العليا، خاصة مع ما تناقلته وسائل الإعلام الوطنية في المدة الأخيرة من دعوة رجال الأعمال الجزائريين إلى التعامل مع الأقدام السوداء، متجاهلين ما قام به هؤلاء من جرائم طيلة الاحتلال بحق الشعب الجزائري".

وتابع البيان: "لقد تناسى هؤلاء ما ألحقته الأقدام السوداء والمعمرين من مآسٍ للشعب طيلة الحقبة الاستعمارية، وعلى وجه الخصوص في أواخر الثورة من تشكيل عصابات سرية إرهابية ارتكبت أبشع الجرائم، وعاثت في البلاد فساداً وتقتيلاً وتخريباً".

حركة مجتمع السلم (حزب إسلامي) هي الأخرى اعتبرت الاستعانة بالأقدام السوداء "جرأة" من طرف أويحيى؛ لأنها "تفتح المجال لمن غدروا بالشعب الجزائري وعذبوه وأرعبوه أثناء الاستعمار الفرنسي، وفي مقابل ذلك منع الشرفاء من المساهمة في خدمة بلدهم والتضييق عليهم وغياب الشفافية، وبالاعتماد، بدل ذلك، على المحسوبية والجهوية والتزوير الانتخابي والتعامل التفضيلي لرجال الأعمال"، الذين وصفتهم بـ"المحظوظين".

- لوبي جزائري

الانتقادات السابقة اعتبرها الصديق شهاب، الناطق الرسمي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه أويحيى، "مجرد تهويل للموضوع، ومحاولة لتشويش الرأي العام".

وأوضح شهاب لـ"الخليج أونلاين" أن "الجزائر لا مشكلة لديها مع فرنسا، ومن ثم فلا مشكلة لديها مع المواطنين الفرنسين حتى الذين ولدوا في الجزائر في فترة الثورة، وقرروا مغادرتها بإرادتهم".

وشدد على أن "الذين يثبت تورطهم في مشاكل مع الذاكرة ومع الجزائريين غير معنيين بدعوة أويحيى، ولا يمكن التعامل معهم".

وبرأي شهاب فإن تصريحات رئيس الوزراء "لها بعد اقتصادي بحت؛ بحكم أن الأقدام السوداء لهم شبكة علاقات واسعة في فرنسا، ويمكن للجزائر أن تكوّن لوبياً اقتصادياً قوياً من خلالهم للتوغل أوروبياً وأفريقياً، خاصة أن كثيرين ما زال الحنين يشدهم إلى الجزائر".

أما المستشار السابق برئاسة الجمهورية والخبير الاقتصادي الدولي عبد المالك سراي فأشار لـ"الخليج أونلاين" إلى أن "ملف الأقدام السوداء ملف قديم متجدد".

وعلى غرار شهاب أكد أن "التعامل مع الأقدام السوداء ممَّن ثبت عدم تورطهم في جرائم ضد الجزائريين أمر عادي، ولا يطرح إشكالاً أو حرجاً"، وعلى العكس تابع بالقول: "قدم هؤلاء مساعدات كبيرة للجزائر اقتصادياً في فترة الثمانينات".

ورغم تعدد الآراء تقف هذه الفئة (الأقدام السوداء) بين مطالب الشعب الجزائري الذي لا يزال يدعو باريس إلى الاعتذار عن جرائم الاستعمار الفرنسي، ورفض الأخيرة ذلك من جهة، ومن يدعون إلى نبذهم واعتبارهم استعماراً جديداً من جهة ثانية، والمطالبين باستغلال إمكانياتهم لخدمة الاقتصاد الجزائري من جهة ثالثة.

مكة المكرمة
عاجل

"الخليج أونلاين" ينشر فحوى 3 تسجيلات لاغتيال خاشقجي