الحرب على "الإرهاب" مفتوحة الزمن والتكاليف

التحالف الدولي يعتمد على التمويل الخليجي في عملياته ضد تنظيم "الدولة" في سوريا والعراق

التحالف الدولي يعتمد على التمويل الخليجي في عملياته ضد تنظيم "الدولة" في سوريا والعراق

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 25-09-2014 الساعة 17:28
إسطنبول - الخليج أونلاين


تقود القوات الأمريكية الحرب العسكرية للقضاء على "الإرهاب" المتمثل فى تنظيم "الدولة الإسلامية"، بمشاركة عدد من الحلفاء من بينهم فرنسيون وأوروبيون، فضلاً عن 5 دول عربية متمثلة بالأردن والسعودية والإمارات وقطر والبحرين، في ظل تأمين الدعم اللوجستي من حصة دول مجلس التعاون عبر قواعد بحرية وبرية ومطارات جوية، فضلاً عن المساهمة في تمويل نفقاتها التي لم تحدد بعد، كونها بمثابة "فاتورة مفتوحة"، لحرب مفتوحة الزمن وستطول، وتشمل كل أنواع الأسلحة المستخدمة فى مختلف أشكال العمليات العسكرية.

عندما هددت الولايات المتحدة في أغسطس/ آب 2013 بتوجيه ضربة عسكرية تأديبية إلى نظام الأسد، لقيامه بقتل الشعب السوري بالأسلحة الكيماوية، أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما في حينه، أن مصالح الولايات المتحدة تحتم قيام القوات الأمريكية بتنفيذ الضربة، خصوصاً وأن هذه المصالح مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصالح الشركاء الآخرين، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي التي أكدت غير مرة، أن استمرار أحداث سوريا وتطوراتها الإقليمية أصبحت تهدد أمن منطقة الخليج.

ولوحظ في ذلك الوقت أن رئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي أكد صعوبة تنفيذ هذه العملية بسبب ضخامة تكلفتها المالية، وثقل عبئها الكبير على الاقتصاد الأمريكي الذي كان يعاني من صعوبات مالية.

ولإسكات هذا التحذير ولعدم إثارة الشارع الأمريكي، كان لا بد أن يلجأ الرئيس أوباما إلى شركائه أو حلفائه ليتحملوا النفقات، وبما أن ما ينطبق على الولايات المتحدة، ينطبق على الأوروبيين الذين لا يريدون تحمل أي فاتورة عسكرية أو مالية قد يحاسبون عليها انتخابياً، برز كالعادة الاعتماد على التمويل الخليجي من عائدات النفط، على أساس أن أحداث الحرب وتداعياتها ستساهم برفع سعر برميل البترول إلى مستويات قياسية، ما يؤدي إلى زيادة عائدات الدول المنتجة بحيث تكون قادرة على تنفيذ عمليات التمويل.

الحرب على "الإرهاب"

عمليات التحالف الدولي الحالية تمثل "حرباً طويلة" قد تمتد لأكثر من ثلاث سنوات وفق تقديرات أمريكية، وربما إلى عشر سنوات وفق تقديرات أوروبية، بما يدل على أن فاتورة تكلفتها قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.

وبحسبة أدق، فإن كل ساعة طيران تبلغ تكلفتها 40 ألف دولار، فيما يبلغ سعر الصاروخ الواحد من طراز "توماهوك" نحو 600 ألف دولار، أو مليوني دولار حسب نوعه واستخدامه، وهناك القنابل الذكية وتكلف 30 ألف دولار، أما تكلفة كل طلعة من طلعات طائرات "بي 2" فتصل إلى عشرة آلاف دولار لكل ساعة، أما في حال خسارة طائرة واحدة من طائرات "إف 35"، فإنها تكلف الولايات المتحدة بين 50 مليون إلى 100 مليون دولار.

أما بالنسبة لفرنسا، فإن تكلفة تشغيل طائرة "رافال" نحو 40 ألف يورو (56 ألف دولار).

وتكفي الإشارة هنا إلى أنه في اليوم الأول للحرب على "الإرهاب" ليل 23 سبتمبر/ أيلول 2014، قامت قوات التحالف الدولي- العربي بأكثر من 150 غارة جوية، وإسقاط 47 صاروخ توماهوك على شمالي سوريا، لمعرفة مدى ضخامة الفاتورة المالية لهذه الحرب.

وأوضح تقرير خليجي في وقت سابق، أن التحديات التي تواجه دول الخليج العربية متعددة المصادر، سواء من داخل منطقة الخليج أو من خارجها، وهي ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بثورات "الربيع العربي"، وسيتطلب التعامل معها جهوداً كبيرة، تستوجب مواقف خليجية موحدة من أجل تجنب تأثيراتها الخطيرة على الأمن الداخلي والاستقرار في دول المجلس، مع الإشارة إلى أن أحداث الثورة السورية كشفت تغليب صراع المصالح بين الدول الكبرى، مما أدى إلى تحويل جزء كبير من الأعباء إلى اللاعبين الإقليميين، ومنهم دول مجلس التعاون.

وأعلن رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي في دالاس، ريتشارد فيشر، أن فرنسا جزء من الدول الأوروبية التي تواجه "ضائقة" على الصعيد الاقتصادي، وهي ضعيفة للغاية في هذه الفترة مع رئيس في أدنى شعبية في استطلاعات الرأي، مشيراً الى تدهور مستوى شعبية فرنسوا هولاند إلى مستويات قياسية (13 بالمئة)، أي أدنى بكثير من مستوى شعبية نظيره الأمريكي باراك أوباما، الذي يصل إلى نحو 40 بالمئة، وكانت رئيسة الاحتياطي الفيدرالي، جانيت يلين، قد وصفت أوروبا بأنها تشكل خطراً على الاقتصاد العالمي.

المصالح الفرنسية

من هنا تبرز أهمية اهتمام فرنسا بدول منطقة الشرق الأوسط، ومشاركتها واشنطن في "الحرب على الإرهاب" والقضاء على تنظيم "الدولة" وأتباعه، حتى أن وزارة الخارجية في باريس أكدت على لسان مارك باريتي المدير العام المساعد في دائرة الشرق الأوسط بالوزارة، أن لفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية يجب أن تدافع عنها، وهي ممتدة من جبل طارق إلى مضيق هرمز، وأن عليها تأمين خطوط إمداداتها بالطاقة، وحماية السوق التي تمثل 8 بالمئة من إجمالي صادراتها ونحو 25 بالمئة من مبيعاتها الدفاعية.

وسبق للفرنسيين، منذ إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما استعداده لتوجيه ضربة عسكرية ضد النظام السوري في أغسطس/ آب 2013، أن بدؤوا يعدون العدة للمشاركة الفاعلة بأي ضربة عسكرية سواء كانت محدودة أو كبيرة، وهم يراهنون على تأمين مصالحهم الاقتصادية من جراء شراكتهم الاستراتيجية مع دول المنطقة، لا سيما وأن التقارب السياسي الحاصل بين باريس والعواصم الخليجية حول قضايا جيوسياسية حيوية مثل سوريا، من شأنها أن توفر المزيد من صفقات الأسلحة الفرنسية لتلك الدول، فضلاً عن الاستفادة من استثمارات تجارية مشتركة تهدف إلى دعم الاقتصاد الفرنسي الذي ما يزال يعاني من سلبيات الأزمة الأوروبية.

واستشهد بعض المراقبين لتأكيد تلك الفكرة، بأن كل عملية عسكرية خارجية جديدة تعتبر فرصة ذهبية للصناعات العسكرية الفرنسية، لتعرض تكنولوجياتها الحديثة وإمكاناتها العملاقة.

لا يمكن استبعاد مشاركة القوات الفرنسية في الحرب على الإرهاب انطلاقاً من بلاد الرافدين عن طموحها المعلن في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، ومضاعفة استثماراتها في العراق والتي تصل إلى إقليم كردستان، مع العلم أن حجم استثمارات الشركات الفرنسية يبلغ نحو 22 مليار يورو، وتشكو فرنسا من ضآلة حجم صادراتها إلى العراق والبالغة نحو 700 مليون يورو سنوياً.

ويبقى أخيراً السؤال المطروح: ما هي حصة دول الخليج من غنائم الحرب على الإرهاب؟ وهل تعادل مساهمتها المالية في تمويلها؟

لقد سبق لدول مجلس التعاون الخليجي أن ساهمت في العمليات العسكرية لتحرير الكويت والإطاحة بصدام حسين في العراق، وذلك بمشاركة ميدانية وبتمويل مالي لجزء من نفقات تلك العمليات، وكانت النتيجة أن الأمريكيين خرجوا من العراق وتركوا الإيرانيين يسيطرون على حكم هذا البلد، والخليجيون يواجهون النتائج السلبية لذلك، مع التأكيد على أن دول المجلس هي من أكثر الدول التي تأثرت أمنياً واقتصادياً وسياسياً بسياسات النظام العراقي السابق، كما أنها تعتبر من أكثر الدول التي تتأثر بما يجري حالياً في العراق وسوريا وتداعياته المستقبلية، وهي تتحمل الكثير من مصادر الخطر والتهديد المحتملة على الأمن والإستقرار في الخليج ، خاصة اذا استمرت الأوضاع الحالية لفترة طويلة نسبياً.

ومن هنا تبقى الهواجس الخليجية قائمة الأهداف الحقيقية والنتائج المرتقبة، وتداعيات الحرب على الإرهاب واحتمالات توسعها في المنطقة.

مكة المكرمة