الديمغرافيا السورية.. بين مطرقة الحرب وسندان الطائفية

أشارت تقديرات إلى أن نحو نصف سكان البلاد قاموا بحركة نزوح أو أكثر من مكان إقامتهم

أشارت تقديرات إلى أن نحو نصف سكان البلاد قاموا بحركة نزوح أو أكثر من مكان إقامتهم

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 20-09-2014 الساعة 08:54
عدنان علي - الخليج أونلاين


شهدت سوريا، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، نزوحاً سكانياً كبيراً في الداخل، واتجاهات متعددة بين مختلف المحافظات، وسط مؤشرات متزايدة على أن بعضها على الأقل يقوم على أساس طائفي، في إطار سياسات تبدو ممنهجة للإحلال السكاني، ورسم خريطة سكانية جديدة.

وتشير تقديرات مختلفة إلى أن نحو نصف سكان البلاد قاموا بحركة نزوح أو أكثر من مكان إقامتهم الاعتيادي إلى مكان آخر، سواء داخل البلاد أم خارجها، ويقدر اليوم أن نحو عشرة ملايين شخص هم الآن خارج مناطق سكنهم أو سكن عائلاتهم الاعتيادي.

وبدأت عمليات النزوح الداخلي خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية، حيث آثرت العديد من العائلات مغادرة المناطق المتوترة التي تتعرض لاستهداف قوات الأمن السورية باتجاه مناطق أكثر أمناً، ولو أنها كانت في ذلك الوقت عمليات انتقال مؤقتة، تطول أو تقصر، بحسب الحالة الأمنية في مناطقهم الأصلية، خاصة مناطق حمص وريف دمشق ودرعا.

وزادت من وتيرة الهجرة الداخلية ثم الخارجية باتجاه البلدان المجاورة "تركيا والأردن ثم لبنان"، دخول الجيش السوري على خط الصراع بأسلحته الثقيلة، اعتباراً من الأشهر الأخيرة من عام 2011، وذلك بسبب عشوائية القصف التي يقوم بها.

الإحلال السكاني

من الطبيعي أن يفر السكان حينما تنشأ معارك باتجاه مناطق أكثر أمناً، لكن ثمة شكوك تقترن بدلائل عديدة حول لجوء النظام السوري إلى الضغط العنيف على سكان بعض المناطق على أساس طائفي، بهدف تفريغها من سكانها.

ولعل مدينة حمص، الواقعة وسط البلاد، هي أوضح مثال على هذه السياسة.

ووفقاً للتقديرات، فإن أكثر من مليون شخص من ساكني حمص، من أصل مليوني نسمة هم سكانها، باتوا اليوم بلا مأوى، بعد تهجيرهم من بيوتهم، إما إلى حي الوعر في المدينة نفسها، أو خارج حمص، أو خارج سوريا كلها.

وهذا التهجير بحسب أوساط المعارضة السورية، الهدف الأساسي للحرب الشرسة على حمص من جانب قوات النظام طوال سنوات الثورة، في إطار محاولاتها لإعادة تشكيل الخارطة الديمغرافية للمدينة ذات الأغلبية السنية أصلاً، والتي زحفت إلى أطرافها، منذ نهاية الستينات، موجات هجرة من الريف العلوي، حيث استوطنت في بعض الأحياء مثل عكرمة والزهراء، والتي كانت فيما بعد محط أنظار قوات النظام في تكثيف عمليات الهجوم.

ورغم ذلك، لا يشكل العلويون في حمص أكثر من 15 بالمئة من سكان المدينة، حيث يتوزعون في ثلاث مناطق رئيسية هي مدينة حمص ومنطقة تلكلخ ومنطقة المخرّم.

وتشير التقديرات إلى أن ربع مساكن مدينة حمص تم تدميرها بالكامل، تزامناً مع مجازر عديدة بحق سكانها منذ انطلاقة الثورة، كمناطق مثل كرم الزيتون وحي الرفاعي وحي الشماس والحولة وغيرها، فضلاً عن عمليات الاغتصاب الممنهج، حيث شهدت المدينة أكبر نسبة من عمليات العنف الجنسي، كل ذلك بهدف دفع سكانها للمغادرة، تزامناً مع الإحراق المتعمد للسجلات العقارية في المدينة، بهدف تضييع الملكيات وعدم إتاحة الفرصة لسكان المدينة للمطالبة بحقوقهم مستقبلاً.

وقد بدأت عمليات الإحلال السكاني بالفعل منذ فترة، فقد تم إسكان مجموعات من القرى الموالية للنظام في بيوت المهجرين وتجنيس مقاتلين شيعة، وتسليمهم هذه البيوت، وفق مصادر المعارضة السورية.

والواقع أن محاولات التغيير الديمغرافي في حمص، كانت قد ظهرت بوادرها قبل اندلاع الثورة، من خلال عمليات استملاك الأراضي الواسعة في عهد المحافظ السابق إياد غزال، فيما سمي مشروع "حلم حمص"، والذي كان يستهدف فيما يبدو تمكين العلويين من الوصول إلى قلب المدينة وأحيائها القديمة وألا يبقوا على أطرافها.

ومن الأسباب التي جعلت حمص هدفاً استراتيجياً لقوات النظام، كونها تقع في منتصف الطريق بين دمشق ومعاقل النظام في الساحل، وعليه فإن الوجود السني (المعارض) فيها يعرقل التواصل الحيوي للنظام بين هاتين المنطقتين، خاصة إذا ساءت الأحوال واضطر النظام للانسحاب من دمشق، باتجاه الساحل في إطار ما يعرف بخيار "الدولة العلوية"، كحل أخير قد يلجأ إليه النظام إذا تمكنت المعارضة من طرده من دمشق.

كما تشكل مدينة بانياس مثالاً آخر، على ما يعتقد أنها سياسة "تطهير طائفي" يتبعها النظام للحصول على مناطق "نظيفة" طائفياً من الوجود السني في إطار الدولة العلوية المفترضة، أو حتى في إطار الإجراءات الوقائية في الظروف الراهنة، على اعتبار أنه ينظر إلى أهل المناطق السنية كطابور خامس للمسلحين المعارضين.

ومدينة بانياس هي أكبر مدن محافظة طرطوس الساحلية، ويزيد عدد سكانها عن 170 ألفاً، منهم نحو مئة ألف من العلويين مقابل نحو خمسين ألفاً من السنة والباقي من المسيحيين، لكن انضمام السنة فيها للثورة في وقت مبكر أثار حنق جيرانهم العلويين، ما عرضهم لحملات انتقام عديدة توّجت بارتكاب عدة مجازر ذهب ضحيتها المئات قتلاً وذبحاً وحرقاً خاصة في قرية البيضا وحي رأس النبعا، في الوقت الذي تتواصل فيه المضايقات الأمنية بحق من بقي من سكانها بهدف دفعهم للمغادرة، برغم أن المدينة تخلو من أي نشاط مسلح معارض.

ويقول الشيخ أنس عيروط، أحد وجهاء بانياس وعضو الائتلاف المعارض، إن قوات الأسد تخلق كل فترة ذرائع لمهاجمة بعض القرى القريبة من بانياس، بهدف إفراغها من سكانها، مشيراً إلى أن الكثير من أهالي المناطق المنكوبة في المدينة غادروا طرطوس دون العودة مجدداً، وهو ما سعى إليه النظام منذ البداية.

ويضيف عيروط: "لا وجود للأمان في المدينة، فحالات الخطف المتكررة والاعتقالات العشوائية تجعل من المعيشة أمراً شاقاً، ويكفي أن تكون سنياً من بانياس لتعتقل".

ووفقاً لتقديرات بعض الناشطين، فقد فرت عشرات العائلات السنية من بانياس منذ وقوع المجزرتين، خوفاً من اندلاع المزيد من أعمال العنف الطائفي، في حين تدفق بالمقابل العديد من العلويين ومن بينهم أسر نازحة من مناطق أخرى، بالإضافة إلى مقاتلين قدموا لمساندة القوات الحكومية الموجودة في المدينة.

الدولة العلوية

يتردد كثيراً في أوساط المعارضة السورية أن نظام الأسد يخطط لإقامة "دويلة علوية" على طول الساحل السوري، مع أجزاء كبيرة من حمص وغربي حماة وغربي إدلب، كمحاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من نظامه، فيما لو أوشك على الانهيار، في أية مرحلة مقبلة.

وما يزيد من احتمال الركون لخيار التقسيم، بحسب هذه الأوساط، عجز كلا الطرفين عن الحسم العسكري، وانسداد أفق الحل السياسي، مع تعاظم التحشيد الطائفي والقومي، ما قد يرجح قيام "دويلات الأمر الواقع" موحدة بطابع قومي للأكراد في شمالي سوريا، وأخرى بطابع طائفي غربي سوريا للعلويين، وثالثة للغالبية السنية.

ويشير هؤلاء إلى سياسة ممنهجة اتبعها النظام خلال العامين الأخيرين لتطهير مناطق "الدولة العلوية" من السنة، عبر مجازر منظمة راح ضحيتها آلاف الأشخاص، واستهدفت بلدات وقرى تقع ضمن أو على تخوم الحدود المفترضة للدويلة العلوية، منها مجازر التريمسة والقبير واللطامنة في حماة، والحفّة في اللاذقية، والبيضا في بانياس، والحولة في حمص، وكلها مدن وبلدات سنّية تقع بين قرى علوية على خط شريط طول واحد يفصل غربي سوريا عن وسطها وشرقيها، وقبل هذه المجازر كانت هناك مجازر كرم الزيتون وبابا عمرو والخالدية في حمص، التي يقطنها السنّة وتجاور أحياء علوية.

وقد كتب ابن حمص الناشط السیاسي نجاتي طیارة، في أحد مقالاته، أن "قصة الحرب التقسیمیة التي یحضر لها النظام بعنایة، قد أصبحت مكشوفة بوضوح، من خلال تدمیر المدن والقرى وحرمان السكان من حاجاتهم الأساسية، كي يهجرها سكانها إلى شرقي نهر العاصي، ولا خیار للأهالي سوى الاتجاه شرقي النهر، لأن غربي النهر قرى حاضنة للنظام بغالبيتها العلویة".

وتؤكد بعض أوساط المعارضة السياسية والعسكرية السورية، أن النظام قام بنقل كميات هائلة من الأسلحة إلى الساحل السوري، بما فيها أسلحة كيماوية، لم يسلمها بموجب الاتفاق مع الأسرة الدولية، وذلك في إطار التحضير لإمكانية اللجوء لخيار الدويلة العلوية، إضافة إلى أنه يخطط لنقل المناطق الصناعية السورية بدلاً من المناطق المدمرة في دمشق وحلب وريفهما إلى اللاذقية، وتركيز مشاريع البناء والإعمار في طرطوس بحجة إيواء النازحين من مناطق أخرى، علماً أن هاتين المحافظتين لم تتعرضا لأي تدمير.

وفي المقابل، يؤكد العديد من المراقبين استحالة قيام مثل هذه الدويلة، لأن الواقع السكاني والطائفي في هذه المناطق معقّد ومتداخل إلى درجة يصعب فصلها، فهناك أكثرية سنّية من الصعب تهجيرها، مع رفض غالبية المسيحيين وبعض العلويين لمبدأ التقسيم، فضلاً عن صعوبة الحصول على تأييد دولي، خاصة من دول الجوار لمثل هذه الخطوة التي سيكون لها تداعيات داخلية في تلك الدول بالنظر إلى وجود المكونات نفسها العرقية والطائفية لديها، ناهيك عن أن معظم السوريين سيقفون ضد فكرة تقسيم بلدهم.

ويستعين البعض بالديمغرافيا نفسها لدحض فكرة التقسيم، ويشيرون إلى أن منطقة الساحل (طرطوس واللاذقية) التي تشكل أساس الدويلة العلوية تضم 1.8 مليون شخص، منهم 1.2 مليون علوي و665000 من غير العلويين، بينهم 340000 سنّي، وهم الأكثر عرضة للترحيل في حال تدهورت أحوال النزاع الحالي، أما باقي الجماعات من مسيحيين وإسماعيليين فسيكونون أقل عرضة للتهجير.

وخارج هاتين المحافظتين، هناك نحو مليون علوي، أي ما يعادل تقريباً أعدادهم في اللاذقية وطرطوس، ومعظمهم تجذّر في أماكن عيشه ولا يربطهم بقراهم أو مدنهم التي انحدروا منها إلا صلات ضعيفة.

الهجرة المعاكسة

وبالمقابل، فقد اضطر العلويون في العديد من المناطق إلى ترك بيوتهم الموجودة في محيط "سني" غير محمي، والتوجه إلى تجمعات علوية قريبة أو العودة إلى قراهم الأصلية.

ففي كل مناطق سوريا، يصعب أن تجد أي علوي في المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين المعارضين للنظام، وسجل في بعض الحالات عمليات انتقام من القرى أو الأشخاص العلويين، خاصة في المناطق السنية التي هي على تماس مع مناطق علوية، كما في حمص (قبل إخراج مسلحي المعارضة منها) وريف حماة، حيث يترّكز العلويين في غربي المحافظة، وتحديداً في مناطق محردة والغاب ومصياف، ويشكلون نحو 10-15 بالمئة من تعداد سكان محافظة حماة.

وفي ريف دمشق، انسحب السكان العلويون تدريجياً من مجمل المناطق باتجاه تجمعاتهم على أطراف العاصمة، مثل الحي 86 على أطراف المزة وعش الورور قرب برزة، وحي الورود ومساكن الحرس الجمهوري قرب دمر، أو عادوا إلى قراهم في الساحل.

وهذا ما حصل لعائلات العسكريين الذين كانوا يخدمون في محافظة درعا، وغيرها من المحافظات.

وفي دمشق، فضّل الكثير من المسيحيين والدروز الانتقال إلى محافظة السويداء (ذات الغالبية الدرزية وفيها أقلية مسيحية) حيث الوضع كان أكثر أماناً بالنسبة لهم.

وفي قرية زرزور، ومعظم سكانها من السنة، وبها عدد قليل من الشيعة في محافظة إدلب، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن "جيرانهم الشيعة فروا خشية ردود الفعل الانتقامية من جانب قوات المعارضة، التي تعتقد أن الطائفة الشيعية المحلية كانت تدعم القوات الحكومية".

وبشكل عام، فقد أدى ارتفاع عمليات القتل والخطف الطائفية الانتقامية بين السنة والشيعة إلى هروب السكان من المناطق غير المتجانسة.

وتقول إليزابيث أوباغي، المحللة السياسية في معهد دراسة الحرب في واشنطن، والتي سافرت مراراً إلى سوريا، "أن الأماكن الأكثر وضوحاً بالنسبة للتطهير الطائفي هي جيوب من حلب ومنطقة الغاب في محافظة حماة، حيث يحدث التهجير الطائفي بشكل منهجي ويتعمد الناس الابتعاد عن المناطق المختلطة، ويعزلون أنفسهم داخل مجتمعاتهم".

وحذرت أوباغي من أن "وجود المقاتلين الأجانب في كلا الجانبين يغذي الاستقطاب الطائفي. ولسوء الحظ، أتوقع أن تسير سوريا على درب العراق نفسه. وفي كل مرة أذهب إلى سوريا، أجد الضغائن الطائفية تزداد سوءاً".

وفي المقابل، يركز تقرير صادر برعاية مؤسسة "فريدريش إيبرت"، السياسية الألمانية على العلويين في حمص، ويحدد دوافع دعمهم للنظام في حرصهم على البقاء على قيد الحياة والظروف الاجتماعية والاقتصادية، أكثر من اهتمامهم بالانتماء إلى الطائفة العلوية.

كما شهدت المناطق التي سيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية" في شرقي البلاد، موجة نزوح لم تقتصر على المسيحيين والأكراد، بل العديد من المناطق السنية التي تعرض بعضها لانتقام مقاتلي الدولة مثل عشيرة الشعيطات في دير الزور، التي قتل المئات من أفرادها بسبب انتفاضتهم ضد التنظيم.

وزادت عمليات النزوح بعد إعلان الخطة الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية للتنظيم، بهدف القضاء عليه، فيما سعى التنظيم إلى تحصين مواقعه بنقلها إلى أماكن أخرى خاصة في مدينة الباب شمالي حلب، ومدينة العشارة.

مكة المكرمة