السبهان.. سفير "إعادة العلاقات" يثير انزعاج بغداد وطهران

وصف السبهان مليشيا الحشد الشعبي بأنها لا تتمتع بالقبول في المجتمع العراقي

وصف السبهان مليشيا الحشد الشعبي بأنها لا تتمتع بالقبول في المجتمع العراقي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 03-06-2016 الساعة 22:08
بغداد - الخليج أونلاين (خاص)


هي ستة شهور ليس إلا، قضاها سفير السعودية في بغداد، وهو أول سفير للمملكة بالعراق منذ 25 عاماً، ثامر السبهان، الذي يقيم على بعد أمتار من مليشيات إيرانية تنتشر في العاصمة العراقية، وأخرى عراقية موالية لها، وسط خلاف بلاده الحاد مع طهران، التي لم يفتأ خلال الفترة الماضية يشهّر بها وبتدخلاتها في العراق، بل إنه على أبواب أزمة دبلوماسية منذ بداية مهامه.

مطلع العام الحالي، تسلم السفير السبهان أوراق اعتماده بعد أن التقى بوزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري، ليبدأ رحلة عمل شاقة في وسط مليء بالانتهاكات والظلم، تسكت عنها معظم سفارات العالم هناك، واختار هو اتخاذ مسار تستنكره الحكومة العراقية.

معركة الفلوجة.. وكشف الانزعاج التام

لهجة شرسة، ووضوح في رفض التدخلات الإيرانية في العراق، شأنها شأن سوريا، بدأت بها السعودية تزامناً مع انطلاق معركة الفلوجة، التي شاركت بها مليشيات إيرانية وشيعية، وسجلت انتهاكات بحق مدنيين، ومع أن ساسة العراق يفتحون أبوابهم لنشاط طهران، بل تتهم بأنها مهندس التيارات الشيعية في العراق، فإن السعودية وسفيرها لم تلتزم لغة الود والخطاب المعسول في التعامل مع تدخلات طهران.

ومع انتشار صور قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، على أطراف الفلوجة بصحبة قادة مليشيا الحشد الشعبي، وتسجيل انتهاكات في منطقة الكرمة، وحرق بيوت ومساجد، انطلقت تصريحات من وزير الخارجية السعودي وصف وجود سليماني بأنه "سلبي جداً"، فيما تقول حكومة بغداد إنه موجود بطلب من الحكومة العراقية، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية.

من جهته لم يصمت السبهان عما يتأكد لديه يومياً من ممارسات إيرانية تدير كفة الأمن والسياسة في العراق، فهاجمها قائلاً: "إيران تريد تدمير الأمة الإسلامية، والقومية العربية؛ من خلال بث سمومها، وتحريضها، وتدخلاتها السافرة في شأن بعض الدول العربية، ومن خلال أذنابها وفصائلها المسلحة"، بحسب وصفه.

وعن وجود عمليات تطهير ديني تتم في الفلوجة من قبل الحشد الشعبي، قال: "بالنسبة للفلوجة فإن وجود مكون مختلف عليه من قبل أبناء العراق يمثل في حد ذاته مشكلة كبيرة، ويزيد من الشرخ الكبير، في ظل وجود قيادات إرهابية مطلوبة للمجتمع الدولي"، في إشارة إلى وجود قاسم سليماني.

وأتبعها بالقول: إن وجود شخصيات "إرهابية إيرانية" قرب الفلوجة، "دليل واضح بأنهم يريدون حرق العراقيين العرب بنيران الطائفية المقيتة، وتأكيد لتوجههم بتغيير ديموغرافي".

وبعد أن أشارت مصادر صحفية سعودية إلى أنه تلقى تهديداً بالتصفية الجسدية، قال في تغريدة له في 14 يونيو/حزيران، إن سفارة المملكة في بغداد تتعرض لحملة إعلامية تستهدفها، مؤكداً أن السعودية "لن تتخلى أبداً عن الإخوة في العراق، وهذا مؤشر واضح على أننا نسير بالطريق الصحيح".

ويشير السبهان في تصريحه، إلى حملة شنها ناشطون ذوو توجهات شيعية إيرانية، على وسائل التواصل الاجتماعي، تطالب بطرد السبهان، واستخدموا مواقع تويتر وفيسبوك، لإغراقهما بكم هائل من التهم والأوصاف الطائفية على السبهان وبلاده.

الحكومة العراقية تنزعج

انزعاج الحكومة العراقية، جاء متماشياً مع الحملة الطائفية، إذ هددت من خلال بيان صادر عن وزارة الخارجية، باتخاذ إجراءات دبلوماسية بحق سفير السعودية، مدعية أن السفير "يخالف الأعراف والمواثيق الدولية الخاصة بتعامل السفراء مع وسائل الإعلام، وإطلاق التصريحات للرأي العام".

وقال أحمد جمال، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، الجمعة: "لن نسمح لأي سفير بتأجيج خطاب الطائفية ونقل خصومة بلاده مع بلدان أخرى".

وأضاف: "سبق وأن قامت وزارة الخارجية باستدعاء سفير المملكة العربية السعودية الشقيقة لدى بغداد، وأبلغته بأهمية أن يكون السفير خاضعاً للأعراف والمواثيق الدولية الخاصة بتعامل السفراء مع وسائل الإعلام وإطلاق التصريحات للرأي العام، من خلال عدم تدخله بالشؤون الداخلية للبلد بالدرجة الأساس، والعمل على تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصاً وأن العراق يمر بمرحلة استثنائية في حربه ضد الإرهاب".

وأضاف: "نؤكد أننا لن نسمح لأي سفير أن يوظف مهامه الدبلوماسية لتأجيج خطاب الطائفية في البلد بنقله لخصومة بلاده مع بلدان أخرى من خلال موقعه الدبلوماسي"، مهدداً بأن "وزارة الخارجية ستقوم باتخاذ كافة الإجراءات المناسبة لذلك، وفق اتفاقية فيينا للعلاقات الثنائية"، على حد تعبيره.

السبهان.. انطلاقة سفير محارب

انطلقت التوقعات بعد تسلم السبهان لمهامه في أنه سيلتزم سياسة حياد ودبلوماسية منقطعة النظير وسط تلك البلاد الملغمة إيرانياً، إلا أنه وجه منذ الشهر الأول اتهامات لإيران شكلت نواة لخلافات دبلوماسية تم تلافيها.

فمع انطلاق الأزمة في إيران على خلفية إعدام الشيعي نمر النمر في الرياض، والهجوم على السفارة السعودية بطهران وقنصليتها في مشهد، دشنت سفارة المملكة في بغداد أول محاولة احتجاج أمامها، فرقتها السلطات العراقية، وأرجع السبهان سببها إلى "الوسائل الإعلامية العراقية مدفوعة الثمن من بعض الأحزاب التي لها علاقة قوية بالنظام الإيراني، وهي من تعمل على التحريض على المملكة، وتحاول الإساءة لها".

وأضاف السبهان بالقول: "نحن في نهاية الأمر نتطلع إلى الحكماء والعقلاء لدى الأشقاء في العراق لتهدئة هذه الاحتقانات".

يميّز إذن بين عقلاء تتفق سياسة المملكة مع توجهاتهم، وآخرين اعتمدوا مبدأ اللانظام وسياسة أخذ التعليمات من شرق البلاد، وهو ما بدا بعد أيام حين استدعي السبهان من قبل وزارة الخارجية العراقية، على خلفية تصريحاته الإعلامية التي انحاز فيها إلى جانب سكان المقدادية، في ديالى شمال شرقي العراق، الذين تعرضوا لعمليات قتل واعتقال على يد المليشيات، وذلك بعد نحو ثلاثة أسابيع من تسلم السبهان لمهامه.

وصف السبهان لمليشيا الحشد الشعبي التي دعت إلى تشكيلها المرجعية في النجف بعد دخول تنظيم "الدولة" للبلاد عام 2014، بأنها تتمتع بـ "عدم مقبولية في المجتمع العراقي"، كان سبباً في انزعاج الخارجية العراقية التي قالت على لسان المتحدث باسمها، أحمد جمال: إن ذلك يعد "خروجاً عن دور السفير، وتجاوزاً غير مسموح به للأعراف الدبلوماسية".

وبدا قرب السفير السعودي من أطراف عراقية واضحاً حين علل رفض الأكراد وأهالي الأنبار بدخول قوات الحشد الشعبي إلى مناطقهم، لعدم مقبولية الحشد بالشارع، وهو ما أكده أيضاً تأييد سريع من تحالف القوى العراقية، الممثل الأكبر للسنة في مجلس النواب، باعتبار ما صدر عن السبهان بأنه "تصريحات إيجابية".

وجاءت تصريحات السبهان منسجمة مع النفس الرسمي لبلاده، ولاقى تأييداً فورياً تمثّل بتكذيب وزارة الخارجية السعودية ما نسبته وزارة الخارجية العراقية من تصريحات للوزير عادل الجبير، مفادها أن تصريحات السبهان لا تعبر عن الموقف الرسمي تجاه العراق.

الاستعداد لقتال "داعش" في العراق

مسألة محاربة الإرهاب، وعلى رأسها القضاء على تنظيم "الدولة"، هي هدف سعودي عراقي سبق إعادة فتح السفارة السعودية ببغداد، بل إن مساعدة العراق في هذا الأمر إحدى مهام السبهان، بتصريح السلطات العراقية.

حيث أعلن أحمد جمال، المتحدث الرسمي بوزارة الخارجية العراقية، منذ يناير/كانون الثاني، أن من إيجابيات إعادة العلاقات، طموحاً عراقياً لتعاون أمني مع السعودية "في القضاء على الجماعات الإرهابية، ومن بينها تنظيم داعش الإرهابي".

ومنذ بداية مهامه يركز السبهان على ضرورة "إيجاد حل جذري للبيئة التي أسهمت بظهور داعش والإرهاب"، إلا أنه فجر، في أبريل/نيسان الماضي، قنبلة بإعلان استعداد بلاده لقتال تنظيم "الدولة" في العراق إن طلبت الحكومة العراقية ذلك، مؤكداً أن بلاده "تحارب التطرف بكافة أنواعه وأشكاله، والعراق يعاني من جرائم داعش والمنظمات الإرهابية".

إغلاق السفارة وفتحها.. 25 عاماً من الجفاف

أغلقت السعودية سفارتها في بغداد عقب اجتياح القوات العراقية في أغسطس/ آب من عام 1990 للكويت، وبعد عام 2003 شهدت العلاقات الثنائية توتراً، خصوصاً خلال تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية طيلة 8 سنوات، كان يتهم خلالها السعودية بدعم الإرهاب في بلاده.

وعيّنت الحكومة العراقية، في سبتمبر/ أيلول 2015، رشدي العاني سفيراً جديداً لها في المملكة العربية السعودية، في خطوة لكسر جمود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فيما وصل العاصمة العراقية بغداد، منتصف ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وفد رفيع المستوى مثل جزءاً من فريق دبلوماسي ضمن استعدادات إعادة افتتاح السفارة السعودية مجدداً، في المنطقة الخضراء المحصنة أمنياً وسط العاصمة، وتسلم السبهان أوراق اعتماده في 14 يناير/كانون الثاني 2016.

ولدى المملكة العربية السعودية تاريخ طويل من السياسات الحذرة تجاه العراق منذ غزو الكويت عام 1990، فيما ازدادت العلاقة معه سوءاً خلال السنوات الماضية عقب هيمنة مسؤولين شيعة مرتبطين بإيران على الحكومة العراقية ومناصبها السيادية بدعم أمريكي، إلا أن عودتها خلال الشهور الستة الماضية، تؤكد مستقبلاً أكثر قرباً سعودياً من صانع القرار العراقي، ومحاربة للتدخلات الخارجية التي أنهكت المواطن العراقي.

ويعزز رغبة السعودية في التدخل العسكري والمساهمة في الأمن بالعراق، ما نقله الموقع الرسمي لوزارة الدفاع العراقية عن السفير السعودي في بغداد، في 24 مايو/أيار الماضي، قوله إن المملكة تعتزم تعيين ملحق عسكري لها ببغداد في القريب العاجل.

وكشف عن رغبة المملكة واستعدادها للارتقاء بعلاقات التعاون بين وزارتي الدفاع العراقية والسعودية ودون سقف محدد لهذا التعاون، وبما يخدم حاجة القوات المسلحة العراقية في المجالات كافة.

مكة المكرمة