السعودية في زمن بن سلمان.. "سياسة الصدمة" تصل إلى القدس

الرياض حاولت مساعدة ترامب في تمرير "صفقة القرن"

الرياض حاولت مساعدة ترامب في تمرير "صفقة القرن"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 13-12-2017 الساعة 20:52
يوسف حسني - الخليج أونلاين


بعد ثلاثة أشهر من صمته على الاعتراف الأمريكي بالقدس المحتلة عاصمةً "لإسرائيل"، أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أنه متفائل بالسلام مع دولة الاحتلال، وأنه لا يمانع أي قرار يحقق "مصالح الجميع".

وأثار القرار الأمريكي الصادم بشأن المدينة المقدسة ردود فعل غاضبة حتى في الدول غير المسلمة، وقد عمّت المظاهرات الرافضة له غالبية بلدان العالم. ومع ذلك، فقد لاذ بن سلمان، الذي يرى كثيرون أنه الحاكم الفعلي لبلاده، بالصمت إبان القرار، ولم ينطق إلا قبل أيام قليلة من لقائه المقرر مع دونالد ترامب الثلاثاء (20 مارس 2018).

وفي رد على سؤال لقناة "سي بي إس" الأمريكية، عن موقفه من القرار الأمريكي بشأن القدس، قال بن سلمان، الذي يعتمد ما سماها سياسة "الصدمة": إنه "لا يحب التركيز على الأمور التي تثير التوترات".

وفي الحوار الذي أجرته معه القناة الأمريكية، أبدى ولي العهد السعودي، المدعوم بقوة من البيت الأبيض، تفاؤله بالجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سلمية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والتي يُبنى عليها التطبيع الكامل بين الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي، مشدداً على ضرورة تحقيق "مصالح الجميع".

ليست الليلة كالبارحة إذن، وليست السعودية اليوم هي نفسها التي كانت قبل سنوات؛ فبين عامي 1981 و2017، توالى رجال على الحكم، وتبدّلت مواقف، وطفت على السطح علاقات وهبطت أخرى، وجرت مياه كثيرة تحت جسر المصالح فجرفت أوهاماً، كانت حتى وقت قريبٍ ثوابت لا يجوز المساس بها.

فخلال عقود خلت، كانت المملكة تقدّم نفسها بوصفها منارة الإسلام ومهده وحاضنة حرميه الشريفين، وكان تصدّيها للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي هو درّة تاج سياساتها، وفي سبيل الحفاظ على هذه الصورة خاضت حروباً سياسية وفكرية مع العرب والغرب على حدٍّ سواء.

لكن، يبدو أن ملك البلاد المنتظر رأى -فيما رأى- أن ثمة أهدافاً يصعب الوصول إليها دون المرور على "إسرائيل"، فاتّخذ من التطبيع معها والانحناء أمام رغباتها الاستعمارية درباً من دورب الإصلاح، الذي لا يفتأ يدعو له ويبشّر به، ويعتقل في سبيله حتى ذوي القربى من أبناء عمومته.

ترامب

لا ضير إذن، من باب جلب المنافع، أن تقف المملكة "الجديدة" صامتة، إن لم تكن راضية، عن قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، وهو قرار لو اتُّخذ في ظرف وزمان مختلفَين لاختلفت ردود الفعل من دون شكٍّ، ولو ذرّاً للرماد في العيون.

ترامب، الذي استقبلته الرياض، في مايو الماضي، وكأنها تستقبل المخلّص الذي انتخبه الأمريكيون لإنقاذ العرب من نكباتهم، ثم رفع أئمة الحرم أكفّ الدعاء له بأن يوفقه إلى إرساء السلام في العالم، لم يُلقِ بالاً لمئات المليارات من الدولارات التي ألقاها حكام المملكة تحت قدميه.

وفي مشهد يعكس استخفاف رجل الأعمال الذي لا يرى في العالم إلا ساحة قتال، كما قال عنه وزير خارجية ألمانيا زيغمار غابرييل، خرج الرئيس الأمريكي معلناً انحيازاً لإسرائيل لم يسبقه إليه أي من أسلافه، ومؤكداً أن العالم بعد وصوله للبيت الأبيض ربما لن يكون أبداً كما كان قبله.

العرضة السعودية ترامب  (2)

اقرأ أيضاً:

قمة القدس بإسطنبول.. حضر رئيس فنزويلا وغاب ملك السعودية!

- مقتضيات الظرف

المقارنة بين ما كان وما هو كائن في المملكة سياسياً وتاريخياً، حتمية. وهي مدخل لا يمكن الولوج إلى حقيقة ما تعيشه الرياض إلا من خلاله، فلو أن ترامب استشعر خطراً من حليفته الكبرى في منطقة الخليج، حيث النفط ونفوذ إيران ومسقط رأس "القاعدة"، لجمّد ملفّ القدس، تحديداً، في مبردات إدارته، كما فعل سابقوه من ساكني البيت الأبيض.

لكن، لأنه يعلم أن الضرورات في السياسة العربية تبيح المحظورات، وأن ثمة تغييرات جذرية يراد لها أن تمرّ حالياً، وأن هذا المرور لم يكن ليتم من دون مباركته، فقد كان طبيعياً أن يمضي قدماً في تنفيذ ما تعهّد به حين كان مرشّحاً لرئاسة بلاده. وكان طبيعياً أيضاً أن يخرج الرجل مغرّداً: "أوفيت بوعدي ولم يفوا"، في إشارة إلى رؤساء أمريكا السابقين.

وفي غمرة التحليلات التي تجتاح العالم جرّاء القرار الأمريكي الذي وصفه الغرب قبل الشرق بـ"الخطير"، فإن ثمة من أكدوا أن ترامب حصل على موافقة سعودية بتمرير وعده لليهود والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة لدولتهم المزعومة.

سلمان

وفي حين اشتعل العالم غضباً من قرار ترامب ورفضاً له، عبّرت المملكة، الخميس 6 ديسمبر 2017، عن "استنكارها" القرار الأمريكي، معتبرة إياه "خطوة غير مبرّرة وغير مسؤولة".

موقف المملكة لم يقف عند حدّ الاستنكار، كما أنه لم يقف عند عدم مشاركة ملكها، سلمان بن عبد العزيز، ولا ولي عهده، محمد بن سلمان، في القمّة الإسلامية الطارئة التي دعا لها الرئيس التركي واستضافتها إسطنبول، الأربعاء 13 ديسمبر 2017، وحسب، ولكنه امتدّ إلى تجاهل الصحافة السعودية القرار، وعدم الاهتمام بالحديث عن مخاطر قرار ترامب.

واليوم، ومع تواتر الأنباء بشأن اقتراب ترامب إعلان "صفقة القرن"، التي يسعى من خلالها لتصفية حلم الفلسطينيين في إقامة دولتهم، فإن تصريحات ولي العهد السعودي تعكس دعماً لهذه الصفقة "المشبوهة"، التي أكد الصحفي الإنجليزي المعروف ديفيد هيرست أن بن سلمان شريك فيها، من خلال "صديقه" غاريد كوشنر، مستشار وصهر ترامب.

فقد أكد ولي العهد السعودي، في حديثه للقناة الأمريكية، أن "كوشنر مكلّفٌ هذا الملف (صفقة القرن)، ونحن كمسؤولين سعوديين مهمتنا تعزيز العلاقات مع حلفائنا".

وتأتي تصريحات بن سلمان المرحِّبة بسلام يجرّ التطبيع في يده، لتؤكد ما كشفه مسؤول بارز في السلطة الفلسطينية، لـ"الخليج أونلاين"، قبل أسبوع، عن لقاءات سرية جمعت مسؤولين سعوديين وآخرين إسرائيليين في القاهرة، وبرعاية مصرية.

وكان المسؤول قد أكد أن اللقاءات قد تناولت تعزيز العلاقات وتبادل المصالح بين الرياض وتل أبيب والقاهرة، ومِن قَبلها تناولت كيفية تمرير "صفقة القرن" في ظل الرفض الفلسطيني الكبير لها.

ورغم الانحياز الأمريكي إلى دولة الاحتلال، فقد مضت صحافة المملكة ومثقّفوها قُدماً في تمهيد طريق التطبيع العلني، وهو نهج تكلّل بدعوة وزير النقل والاستخبارات في حكومة الاحتلال، يسرائيل كاتس، العاهل السعودي وولي عهده، إلى زيارة إسرائيل، ومطالبته سلطات المملكة باستقبال بنيامين نتنياهو، في الرياض، بهدف "دفع عملية السلام في المنطقة".

- التصدّي لقرار مماثل

في عام 1981، أعلنت واشنطن نيّتها نقل سفارتها من "تل أبيب" إلى القدس المحتلّة، وقالت إن دولاً غربية أخرى ستحذو حذوها، فجاء الردّ من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والعاهل السعودي وقتها، الملك خالد بن عبد العزيز، سريعاً وحاسماً وواضعاً الأمور في نصابها.

في ذلك الحين، كان العراق منغمساً حتى أنفه في حربه مع إيران، ومع ذلك فقد طار الرئيس العراقي الراحل إلى الرياض، وعقد اجتماعاً عاجلاً مع الملك خالد، في مطار الرياض، وأخرجا معاً بياناً مشتركاً، كتبه صدام حسين بخط يده.

ونص البيان، الذي بثّه التلفزيون الرسمي السعودي وقتها، على أن الرياض وبغداد ستقطعان العلاقات الدبلوماسية فوراً مع أي دولة تنقل سفارتها إلى القدس المحتلّة، وستُوقفان إمدادات النفط فوراً لتلك الدول، وستُلغيان كل العقود المبرمة معها، وستطردان كل رعاياها العاملين في المجال النفطي بكلا البلدين.

ونص البيان أيضاً على تجميد كل العقود الاقتصادية مع تلك الدول، وسحب كل الأموال السعودية والعراقية المودعة في بنوكها.

وفور إذاعة البيان، حجزت الرياض وبغداد بواخر كانت محمّلة بالنفط في الموانئ وفي عرض البحار كانت متوجّهة إلى دول أوروبية، وهو ما أجبر هذه الدول على إرجاء قرارها حتى اليوم.

هذا الموقف السعودي - العراقي يؤكد أن لدى العرب خيارات كثيرة لمواجهة قرار ترامب، وخاصة فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، غير أن هذه الخيارات بحاجة لإرادة سياسية، تبدو غير متوافرة في الوقت الحالي، ولا سيما في أرض الحرمين الشريفين المنشغلة بحصار جيرانها.

اقرأ أيضاً:

دول عربية تضغط للقبول بمبادرة ترامب وعباس يهدد بـ"قلب الطاولة"

- جهل بالموقف

في الثامن من الشهر الجاري، نشرت صحيفة "الإندبندنت" مقالاً للصحفي دونالد ماكنتاير، قال فيه إن حلم ترامب بإيجاد "أم الصفقات" في فلسطين من جهة، وتنفيذ وعده الانتخابي من جهة أخرى، يبدو مسيطراً على محادثات "واتساب"، الدائرة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وغاريد كوشنر مستشار وصهر ترامب.

وكانت صحف غربية وعبرية أشارت قبل قرار ترامب، إلى أن بن سلمان عرض على الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، عاصمة جديدة لفلسطين، وتتمثّل بقرية أبو ديس القريبة من القدس، وهي فكرة قديمة طُرحت في تسعينيات القرن الماضي.

وذهب محللون للقول إن خطوة ترامب بشأن القدس إنما جاءت رداً على فشل مساعيه لتمرير "صفقة القرن"، التي قالت مصادر أمريكية إن وزير الخارجية يعتقد أن كوشنر وبن سلمان يُخفيان الكثير من تفاصيلها "الكارثية".

كوشنر

ويضيف الكاتب البريطاني: "إن كان بن سلمان قد ظنّ أن بإمكانه إهمال الحدّ الأخير للفلسطينيين، فهذا قد يعني أنه لم يقدّر حجم المكانة التي تحتلّها القدس في قلوب الفلسطينيين؛ بل المسلمين بكل مكان، ومن ضمنهم من هم في بلده".

وتابع: "وليس سراً أن السعودية وإسرائيل تحاولان إنشاء تحالف يقف في وجه عدوّهما المشترك؛ إيران، وربما كان البعض في المملكة مستعداً للتضحية بالفلسطينيين لتحقيق هذا الهدف، لكن القدس هي لبّ السبب الذي يمنعهم من فعل ذلك".

وحالياً، يمكن القول إن تصفية القضية الفلسطينية ودمج دولة الاحتلال في الوطن العربي، باتا هدفاً أساسياً لكل من محمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد؛ فجميعهم يدركون أن تأمين مشروعاتهم السياسية الخاصة يتطلب مباركة ترامب، تماماً كما أنهم يدركون أن أقصر الطرق إلى هذا الأخير، هو طريق "تل أبيب".

مكة المكرمة