السيسي.. حوار على "المقاس" قبيل انتخابات وفق "المزاج"

السيسي عاد إلى لغة ما بعد انقلاب 2013

السيسي عاد إلى لغة ما بعد انقلاب 2013

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 21-03-2018 الساعة 12:57
القاهرة - الخليج أونلاين (خاص)


قبل أسبوع واحد من الانتخابات الرئاسية خرج الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بثوبٍ ولغةٍ وملامح أعادت إلى الأذهان ذلك الظهور الأول له عقب الإطاحة بالرئيس المعزول، محمد مرسي، عام 2013، قدّم من خلاله نفسه للمصريين بوصفه رجلاً لا يريد شيئاً لنفسه وإنما يريد كل شيء لمصر، قبل أن يَنْحى بعد وصوله للسلطة مَنحى التهديد والوعيد في لغته، مصحوبة بالأيمان المغلّظة.

ظهور جديد للسيسي قُبيل انتخابات محسومة سلفاً له -بحسب تقارير صحفية عالمية- عاد بالمصريين إلى مرحلة "أنتم نور عنينا"، والتي تراجعت خلال الأعوام الماضية ليحلّ محلها سؤال "إنتو مين؟"، وهو نفس السؤال الذي طرحه الزعيم الليبي المقتول معمّر القذافي على شعبه إبان اندلاع الثورة؛ "من أنتم؟".

السيسي الذي اشتهر خلال سنوات حكمه الأربع بارتداء بدلات وساعات يدٍ بآلاف الدولارات، ظهر خلال حواره مع المخرجة المصرية ساندرا نشأت، وهو يرتدي ملابس عادية، ويضع في أصبعه خاتماً من الفضّة، قال إنه هدية من والده.

ومجدداً عاود السيسي وضع عينه في الأرض وهو في حضرة المقدمة الجميلة، التي أثار إجراؤها الحوار معه انتقادات محفوفة بالتساؤلات عن ذلك السر الذي يجعلها تقوم بدور المذيعة بينما تغصّ شاشات مصر بمذيعات عتيقات وكلهنّ من مؤيدات الرئيس.

البرنامج الذي حمل اسم "شعب ورئيس"، كان جزءاً من دعاية انتخابية تقوم بها وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، لرئيس يُفترض أنه منتهي الولاية، لكن أكثر ما لفت النظر في هذه الدعاية هو أنها صناعة واحدة تتشابه مع أشهر مخرجات الأغاني، ومن ثم فقد بدا تواضع السيسي وجرأة مضيفته أقرب ما يكون إلى "فيديو كليب"، حيث غابت عنه أُسس الحوار الصحفي وطغت عليه أساليب التسويق.

- انتقادات منمّقة

وعبثاً حاولت ساندرا نشأت أن تظهر بمظهر المحاورة الجريئة التي تضع الرئيس أمام آراء المواطنين فيه، فجاءت بمقاطع ممنتجة لمواطنين يشتكون كلهم من السيسي ومن سياسات الدولة ومن غلاء الأسعار، لكنها شكاوى وُصفت بأنها لتجميل الصورة وادّعاء نقل رأي الجمهور، لا تختلف كثيراً عن جملة: "الفساد وصل للركب" التي قالها زكريا عزمي، رئيس ديوان الرئيس المخلوع، حسني مبارك، تحت قبّة برلمان كان كل أعضائه من صناعة مبارك وأجهزته.

في أقلّ من 10 دقائق نقلت المخرجة المصرية للرئيس المصري مخاوف وانتقادات لم تخلُ من بعض الإشادات، ومع ذلك بدا من خلال هذه الدقائق حجم تدخّل مقصّ المونتاج لحذفه.

وبعيداً عما قاله المنتقدون المجتزأة أحاديثهم، فإن اللافت كان هو حديث السيسي الذي بدا -لمن يقرأ ما بين السطور- أنه عازم على البقاء طويلاً في منصبه، وليس أدلّ على ذلك من إجابته عن سؤال: ما هو حجم طموحاتك؟ بقوله: "لا لا لا"، لتتابع المذيعة: أخبرنا إذن عن السنوات الأربع المقبلة فقط. في حديث يعكس أولاً ثقتها في أن الانتخابات التي لم تجرِ بعد ستُبقي على السيسي في منصبه.

مسألة أن طموحات السيسي تتجاوز مدة السنوات الأربع بكثير تعزّزها حملة الدعاية التي تبثّها قنوات مصرية عن رؤية مصر 2030، وهي رؤية يتبنّاها النظام الحالي، ويبدو عازماً على البقاء حتى موعد تنفيذها.

وبالعودة إلى سؤال السيسي عن طموحاته خلال السنوات الأربع المقبلة، فقد أجاب الرئيس بأنه يتمنّى لو أن معه تريليون دولار (ألف مليار دولار) لكي يمنحها لمصر، وليس لأسرته وأولاده، الذين قال إنهم ليسوا بحاجة لكل هذا المال؛ لأنهم لا يخرجون حتى للتنزّه.

ولفرط تأثّرها بالإجابة التي تذكّر بحديثه السابق الذي قال فيه: "لو كان ينفع أتباع عشان مصر كنت اتباعت"، فقد نسيت المذيعة أن تسأله عن 40 مليار دولار منحها له الخليج فور عزله لمحمد مرسي، ولم يعرف أحد أين ذهبت. كما أنها لم تسأله عن مئات الملايين التي جمعها صندوق "تحيا مصر" الخاضع للسيسي شخصياً، والذي ما يزال يجمع تبرّعات جبريّة من المواطنين حتى اليوم.

والغريب أن المذيعة عندما سألت السيسي إن كان بناء مصر يتطلّب ألف مليار دولار؟ أجابها بكل أريحية: "بالطبع تحتاجه"، أما الأكثر غرابة فهو أنها سألته باستغراب شديد: "هل يكون هناك إنسان (تقصد السيسي) هكذا؟ لا يريد شيئاً من الدنيا! حتى إنه لا يفعل ما يفعل إلا من أجل شعبه، ولا يطالبهم ولو بتقدير ما يفعله من أجلهم، ليجيبها بكل تواضع: "يوجد".

اقرأ أيضاً :

4 سنوات من الحكم.. ماذا قدَّم السيسي لمصر؟

- أسئلة بقيت خلف القضبان

وهي تعرض على الرئيس صوت مواطنيه "الغاضبين" نسيت المذيعة أن تسأل رئيس مصر عن أكثر من 40 ألف معتقل سياسي تتحدّث عنهم منظّمات حقوقية دولية ذات ثقل، كما أنها لم تسأله عن مئات المختفين قسرياً وعشرات المحكومين بالإعدام، وآخرين قُتلوا خارج إطار القانون، والذين تحدثت عنهم حتى الأمم المتحدة.

نسيت المذيعة أيضاً أن تسأل السيسي عن ملابس زوجته ومجوهراتها التي تحدّثت صحف عالمية عن أسعارها المبالغ فيها، ولو سألته لربما أجابها كما أجاب ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، المذيعة الأمريكية لورا أودانيال، بقوله: "إنني رجل ثريّ ولست غاندي أو نيسلون مانديلا".

بدت ساندرا نشأت وهي تهمّ بعرض "رأي المصريين" في السيسي وكأنها ستعرض عليه آراء أمّهات المعتقلين أو زوجات القتلى أو أبنائهم اليتامي، لكن المذيعة أو المخرجة تمخّضت فعرضت شباباً وشيوخاً وعمّال مقاهٍ، وآخرين يركبون سياراتهم الخاصة، لم يكمل أيٌّ منهم جملة واحدة، كل الآراء جاءت ممنتجة.

بدوره قال السيسي إن هذه المشكلات التي يتحدّث عنها منتقدوه نتيجة تراكمات تعود لستينيات القرن الماضي، نافياً المساس بحرية أحد عند الحديث. كما أنه استعرض عدداً من الإجراءات التي تم اتخاذها "حتى لا تكسر ظهر المواطن أو خاطره"، في مجالات مثل الإسكان والدعم والتكافل، وهي إجراءات لم يرها كثيرون على أرض الواقع.

ونفى السيسي ما يتردّد عن سيطرة القوات المسلّحة على الاقتصاد، معتبراً أنه ليس له ذنب في عدم وجود منافسين كثر ضده في الانتخابات الرئاسية الجارية بالبلاد.

هنا أيضاً تجاهلت المحاوِرة أن تسأل الرئيس المصري عن تقارير أعدّها صحفيون غربيون وأكّدوا فيها سيطرة الجيش شبه الكاملة على اقتصاد البلاد، سواء بشكل معلن أو غير معلن، كما أنها أهملت حزمة القوانين التي أصدرها السيسي نفسه خلال السنوات الماضية، التي وضعت الجزء الأكبر من المشروعات في قبضة الجيش.

أيضاً لم يُسأل السيسي عن تبعات تعويم العملة المحلية وما ترتّب على ذلك من ارتفاع جنوني في الأسعار، ولا عن سياسة الاقتراض التي رفعت حجم ديون مصر إلى أعلى مستوى لها في التاريخ (100 مليار دولار تعادل 44% من الناتج المحلي).

نسيت المذيعة توغّل الجيش في قطاعات الصحة والدواء والغذاء وبناء الجسور وشقّ الطرق وبيع اللحوم والدواجن وافتتاح مزارع ضخمة للأسماك، كما لم تذكر أن الرئيس المصري هو من أصدر قانوناً عام 2016 منح بموجبه الجيش حق استغلال الطرق الصحراوية في عموم البلاد لمدة 99 عاماً.

أما عن غياب المنافسين في الانتخابات فقد تركت المذيعة أيضاً سؤاله عن رئيس وزراء مصر الأسبق، أحمد شفيق، الذي أُجبر على الانسحاب بعد وضعه لنحو شهر تحت الإقامة الجبرية، وما أُشيع عن تهديده بنشر أخبار تمسّ سمعته وسمعة أسرته، وأيضاً الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب الجيش، الأسبق، المحبوس في السجن الحربي منذ إعلانه الترشّح للانتخابات.

في غضون ذلك تواصل وسائل إعلام مصر الرسمية بثّ أغانٍ مؤيّدة للسيسي، كما تعجّ شوارع مصر بلافتات وصور تعلن دعم حتى ماسحي الأحذية له، فضلاً عن مكبّرات الصوت الموضوعة على سيارات نقل لترهب المواطنين بأغنية قوات الصاعقة المصرية: "قالوا إيه علينا دولا وقالوا إيه"، والتي تبدو جزءاً مخيفاً من دعاية تعتمد في مجملها على الترهيب.

ولا يوجد في مصر حالياً من يسأل الرئيس عمّن سمح لمؤسسات الدولة أن تمارس الدعاية لصالح مرشّح دون غيره، وهي التي يفترض أن تكون على الحياد، بعدما أصبح دعم السيسي وتأييده هو الشيء الوحيد المسموح به خلال هذه الفترة، وربما لسنوات مقبلة.

ومن المقرر أن تجرى خلال أيام 26 و27 و28 من الشهر الجاري انتخابات الرئاسة، التي يتنافس فيها السيسي مع موسى مصطفى موسى، رئيس حزب غد الثورة.

مكة المكرمة