العيد الثامن في قلب المحنة.. لا فرح ولا بشرى للسوريين

أطفال سوريون يحتفلون بفرحة العيد

أطفال سوريون يحتفلون بفرحة العيد

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 01-10-2014 الساعة 13:51
إسطنبول- عدنان علي - الخليج أونلاين


يحل عيد الأضحى هذا العام دون أن يحمل للسوريين أية بشرى بقرب نهاية محنتهم، التي تدخل عامها الرابع بدماء مثخنة لأكثر من مئتي ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى، ومثلهم من المعتقلين والمفقودين، فضلاً عن ملايين النازحين والمهجرين.

ويمر العيد، وهو الثامن على البلاد، منذ اندلاع الثورة الشعبية في الثامن عشر من مارس/ آذار 2011، ومنذ ذلك اليوم باتت الحياة اليومية للمواطن السوري مختلفة في كل شيء، ونجح النظام في تحويلها إلى كابوس مرعب، لا يأمن فيها المرء على نفسه أو عائلته، سواء كان في طريقه إلى عمله أو في شارعه أو حتى داخل بيته.

والجديد في هذا العيد، هو توسع جبهات القتال والقتلة، مع دخول طائرات التحالف على خط القصف اليومي لكثير من المناطق السورية بدعوى محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، حيث قامت طائرات التحالف في الأسبوع الأول من الغارات بإطلاق 4100 طلعة جوية نفذت خلالها مئات الغارات التي قتلت بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان 211 مقاتلاً من تنظيمي "الدولة الإسلامية" وجبهة النصرة، فضلاً عن 22 مدنياً على الأقل، في محافظات حلب والرقة وإدلب ودير الزور والحسكة وحمص.

ويؤكد ناشطون أن أرقام قتلى المدنيين أعلى من المذكور بكثير، فمنذ اليوم الأول للغارات، سقط ضحايا مدنيون في قرية كفردريان في ريف إدلب الشمالي، بعد لجوء الأهالي إلى بناءٍ يقع بالقرب من مداجن تتخذها "جبهة النصرة" مقرات لها، لينتشل أهالي القرية جثث عشرة قتلى مدنيين، وأكثر من 15 جريحاً من تحت أنقاض مبنى يتألف من طابقين.

كما لقي 12 مدنياً مصرعهم وأصيب آخرون، من جراء غارات استهدفت إحدى القرى التابعة لمحافظة الحسكة، شمال شرق البلاد، فيما سقط آخرون من جراء قصف طائرات التحالف صوامع للحبوب في مدينة منبج بريف حلب الشمالي.

وكثيراً ما تستهدف طائرات التحالف قرى صغيرة في أرياف المحافظات الشمالية والشرقية، بعيداً عن الإعلام، ما يجعل إحصاء عدد القتلى المدنيين صعباً للغاية، خاصة في ظل التعتيم الذي يفرضه تنظيم "الدولة" على نتائج غارات طائرات التحالف.

وما يثير استغراب المراقبين، واستهجان واستنكار المواطنين والقوى الثورية السورية تزامن هذه الغارات مع غارات مماثلة تشنها طائرات النظام السوري على المناطق نفسها، موقعة بدورها المزيد من الضحايا المدنيين، كما حصل في محافظتي دير الزور والحسكة.

ومن ناحية أخرى، تعرض معمل "كونيكو" للغاز في بلدة العشارة بريف دير الزور، والتي سيطر عليها تنظيم الدولة قبل نحو عامين، إلى غارة قيل بداية إن طيران التحالف هو الذي قام بها، قبل أن يتضح فيما بعد، أن طيران النظام السوري هو من قام بالاستهداف، ما يرجح فرضية وجود تنسيق مسبق مع النظام السوري، خلافاً لمزاعم التحالف بعدم وجود مثل هذا التنسيق.

ولفت النظر بشكل خاص استهداف غارات التحالف لأهداف تمس بشكل مباشر معيشة السكان والخدمات الضحلة التي تقدم لهم مثل محطات الوقود ومراكز توزيع المحروقات ومصافي النفط التي يشرف عليها تنظيم الدولة في شرق البلاد ، فضلاً عن صوامع الحبوب في ريف حلب، وهو ما انعكس فوراً على أسعار المحروقات التي قفزت إلى الضعف في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات المعارضة السورية، خاصة مع استهداف معمل الغاز، وهو الأكبر في البلاد، ما أضاف عبئاً جديداً على جيوب المواطنين المنهكة أصلاً، خاصة مع حلول فصل الشتاء الذي يشهد كل عام أزمة كبيرة في مادة المازوت التي تشكل عماد التدفئة في سوريا.

وقد أثارت هذه الغارات ردود فعل غاضبة لدى المواطنين في تلك المناطق التي شهد بعضها مثل بلدات ريف إدلب مظاهرات منددة بالغارات التي تستهدف ما وصفه بعض المتظاهرين بمواقع المجاهدين، وتتجاهل قوات النظام التي تنكل بالمواطنين منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ولعل أكثر ما يثير حنق المواطنين، والعديد من الفصائل المقاتلة، هو استهداف الغارات لمواقع جبهة النصرة التي لا يعتبرها كثير من السوريين مشابهة لتنظيم "الدولة"، بل أقرب للفصائل الإسلامية الأخرى التي تقاتل النظام بشراسة واستقامة، دون أن تنحرف عن هذا الطريق في أية مرحلة من المراحل. وزاد في تقديرهم للجبهة أنها حين تعرضت للقصف الذي أودى بحياة 60 من عناصرها بينهم واحد من أمهر القناصين في العالم (أبو يوسف التركي)، عمدت الجبهة إلى إعادة نشر مقاتليها بعيداً عن المناطق السكنية؛ كي تجنب المدنيين الأذى، خلافاً لتنظيم "الدولة" الذي لجأ إلى نشر عناصره بين السكان كي يحتمي بهم من القصف.

وفضلاً عن الريبة التي تعتري أغلب أوساط المعارضة حيال طبيعة هذه الضربات وأهدافها، شكك العديد من الخبراء في جدواها من الناحية العسكرية حتى الآن؛ إذ يلجأ تنظيم "الدولة" إلى العديد من التكتيكات والحيل لتفادي أثرها، مثل إخلاء جميع مقراته المعروفة وانتشار عناصره بين السكان، وتوزيعهم على مجموعات صغيرة والامتناع عن استخدام وسائل التواصل اللاسلكية أو المعتمدة على الإنترنت، وعدم تجمع أعداد كبيرة في مكان واحد، ونصب هياكل قديمة أو غير صالحة للاستخدام من الشاحنات والرشاشات وتقديمها كصيد خلبي لطائرات الاستطلاع التابعة للتحالف، وغير ذلك من الإجراءات مما قلل خسائر التنظيم إلى حد كبير.

وترى العديد من القوى الثورية والسياسية السورية، أن الضربات بشكلها الراهن لن تضعف تنظيم "الدولة"؛ إذ تشير بعض المعطيات إلى تدفق آلاف المتطوعين إلى التنظيم بعد الغارات، وستجعل حتى المؤيدين للتحالف بداية ينفضون عنه؛ لأنه لا يقدم أفقاً للسوريين بشأن تحقيق الأهداف الأصلية التي ثاروا لأجلها وهي إزاحة حكم الأسد المستبد، وليس محاربة ظاهرة عارضة نشأت في جسم الثورة، خاصة أن التحالف لا يتشاور مع أي من هذه القوى في طبيعة الأهداف المستهدفة، في حين لا يستبعد أي فصيل حتى لو كان بجانب مقاتلة تنظيم "الدولة"، أنه قد يكون مدرجاً على جدول الاستهداف، ما دام أنه لا توجد معايير واضحة لهذه الضربات إلا تعبيرات عامة مثل معتدلين ومتطرفين.

النيران الجديدة التي تشعلها غارات طائرات التحالف، تضاف إلى الجبهات المشتعلة في كثير من أنحاء البلاد من حلب، حيث لا تنقطع طائرات النظام عن إلقاء البراميل المتفجرة إلى حماة وحمص وإدلب، حيث تدور اشتباكات يومية بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام، وصولاً إلى دمشق وريفها والقنيطرة ودرعا.

ويترافق القتال المستعر في طول البلد وعرضها، مع نزوح مستمر للأهالي سواء داخل البلاد التي قلما توجد فيها منطقة آمنة أو خارجها، حتى بات نحو نصف السكان خارج منازلهم الأصلية اليوم، منهم أكثر من سبعة ملايين داخل البلاد، ونحو أربعة ملايين خارجها، يتوزع معظمهم في دول الجوار الثلاث تركيا والأردن ولبنان، حيث يستضيف كل منها أكثر من مليون لاجئ سوري، فضلاً عن أعداد أقل في دول أخرى مثل العراق ومصر وبلدان الخليج وبلدان المغرب العربي وإيران وأوروبا.

وتقول أرقام الأمم المتحدة (التي تعتمد على المسجلين لديها فقط)، إن 127 ألف شخص يغادر سوريا بصورة شهرية، وسطياً، مع توقعات بتجاوز تعداد اللاجئين خارج البلاد عتبة الـ4 ملايين نسمة في نهاية عام 2014.

وكانت الأمم المتحدة طلبت مطلع العام الفائت، في مؤتمر المانحين بالكويت، مبلغ 1.5 مليار دولار لتغطية احتياجات اللجوء والنزوح السوري، فلم تحصل إلا على 850 مليون دولار فقط.

وتقول المنظمة الدولية إنها تحتاج اليوم إلى أكثر من 4.2 مليار دولار لتغطية احتياجات النازحين خارج البلاد، إضافة إلى أكثر من 2.2 مليار دولار لتمويل احتياجات النازحين داخل سوريا، أي ما مجموعه 6.5 مليار دولار، متوقعة أن تتفاقم أعداد المحتاجين من جوعى ومشردين، ممن يحتاجون للمساعدة من السوريين داخل البلاد وخارجها إلى أكثر من 16 مليون نسمة خلال العام الجديد.

وتستهلك أزمة اللجوء والنزوح في سوريا أكثر من نصف احتياجات اللاجئين في العالم والتي تُقدّر بـ12.9 مليار دولار، لتقترب بذلك من مكانة أسوأ أزمة نزوح عرفها التاريخ حتى اليوم.

ويقول تقرير للأمم المتحدة، إن خسائر الاقتصاد السوري من جراء الحرب منذ عام 2011، بلغت ما يقارب 144 مليار دولار بنهاية عام 2013، مشيراً إلى أن ما يصل إلى 54 بالمئة من اليد العاملة السورية باتت عاطلة عن العمل؛ أي إن هناك نحو 3.39 مليون شخص عاطل، منهم 2.67 مليوناً فقدوا عملهم خلال الأزمة، الأمر الذي أدى إلى فقدان المصدر الرئيسي لدخل أكثر من 11 مليون شخص، ما يجعل 75 بالمئة من الشعب حالياً تحت خط الفقر.

وكانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، قالت إن اقتصاد سوريا سيستغرق نحو 30 عاماً للعودة إلى المستوى الذي كان عليه في 2010.

مكة المكرمة