المعارضة المعتدلة بديل مؤجل لأمريكا وليست شريكاً في محاربة "الدولة"

المعارضة والنظام يتمتعان بوجود قوي بالقرب من مواقع "الدولة"

المعارضة والنظام يتمتعان بوجود قوي بالقرب من مواقع "الدولة"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 17-09-2014 الساعة 07:41
دمشق- عدنان علي- الخليج أونلاين


الخطوط العامة لخطة الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" التي أعلن عنها وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل ورئيس الأركان مارتن ديمبسي، الثلاثاء، أمام مجلس الشيوخ، أوضحت ملامح التحرك الأمريكي حيال سوريا في المرحلة المقبلة، إذ كشف هيغل أن الضربات الجوية التي تنوي واشنطن شنها ضد التنظيم في سوريا ستستهدف "معاقله ومراكزه القيادية وشبكاته اللوجستية وبناه التحتية"، لافتاً إلى أنه سيتم كبداية تدريب خمسة آلاف عنصر من الجيش السوري الحر للمشاركة في هذه الحرب على الأرض، وأنه لن يكون هناك تنسيق في كل ذلك مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

كما أفصحت كلمة رئيس الأركان الأمريكي الجنرال ديمبسي في الجلسة نفسها، عن مزيد من ملامح هذه الخطة، إذ قال إنه لن تكون هناك ضربات جوية ساحقة بأسلوب "الصدمة والرعب" في سوريا ضد مقاتلي التنظيم، كما حصل خلال استهداف قوات الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وسيكون هدف هذه الضربات المستمرة تقليص قدرات التنظيم.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية سربت من قبل بأنها تدرس ثلاثة خيارات للتعاطي مع تنظيم "الدولة" في سوريا بحيث يتم إضعاف التنظيم دون تقوية النظام في الوقت نفسه. يقوم الأول على استعمال الطيران لضرب سيطرة التنظيم على حدود سوريا مع العراق واغتيال قيادات في التنظيم، خصوصاً المسؤولين عن قتل الرهائن الأجانب، وقيادات متوسطة تعتبر ضرورية لإدارة العمل الميداني، وذلك بهدف تعطيل عمل التنظيم، وهذا أفضل من محاولة تعقّب أهداف أصعب، مثل قتل أبي بكر البغدادي.

أما الخيار الثاني فهو ضرب مراكز التنظيم في محافظة الرقة التي تعتبر مركز ثقل وتجمّع كبير لقيادات التنظيم وتسليحه وتمويله، وذلك بهدف تدمير هرم القيادة وتفتيت التنظيم وإضعافه.

وكان الخيار الثالث لدى الأمريكيين هو شن حملة واسعة النطاق على تنظيم "الدولة" في سوريا من خلال ضرب كل ما له علاقة بالتنظيم من مراكز وآليات وعناصر وتدمير كل هدف يتحرّك على الأرض، ومحاولة القضاء على التنظيم كلياً خلال مرحلة قصيرة.

الخيار الثالث

ومن خلال ما أعلنه كل من هيغل وديمبسي، من الواضح أنه تم استبعاد الخيار الثالث لأنه صعب عملياً، والأهم أنه قد يفتح الطريق أمام النظام السوري لإعادة احتلال مناطق خسرها خلال مرحلة الثورة على النظام، أو خلال تصفية تنظيم "الدولة" لثكنات عسكرية في محيط الرقة. ولو دخلت قوات النظام السوري إلى مناطق تخلى عنها التنظيم، سيبدو الرئيس الأمريكي وكأنه تآمر مع النظام بعدما قتل أكثر من 200 ألف مواطن سوري وتسبب بتهجير ولجوء سبعة ملايين.

إذاً، لن يكون هدف الحملة الأمريكية القضاء المبرم على تنظيم "الدولة" في سوريا، بل إضعافه فقط والمس بقدراته التعبوية واللوجستية التي تدعم مقاتليه في العراق، كما أن موازين القوى الحالية على الأرض قد تجعل النظام السوري هو المستفيد المباشر إذا تم القضاء على التنظيم في سوريا، في ظل تراجع قوة الجيش الحر وتشتت "المعارضة المعتدلة" وعدم قدرتها على ملء الفراغ الذي سيحدثه تلاشي تنظيم "الدولة".

ويبدو أن النظام السوري بات يقرأ التطورات من هذه الزاوية أيضاً، فقد كثف فيما يعتقد من محاولاته لإضعاف وتدمير هذه "المعارضة المعتدلة" التي تنافسه على ملء فراغ ما بعد تنظيم "الدولة"، إذ إنه المتهم الرئيسي عن سلسة الاغتيالات وعمليات التصفية لقادة المعارضة المسلحة مثل القتل الجماعي لقيادة تنظيم "أحرار الشام" في إدلب، ثم استهداف قائد جبهة ثوار سوريا جمال معروف، الثلاثاء، ما أدى إلى إصابته بجروح ومقتل بعض أفراد عائلته، وبعد ساعات تم قتل أبو حاتم الضحيك قائد لواء الإيمان بالله، أكبر فصائل المعارضة السورية في ريف حمص الشمالي، وأخوه محمد قائد كتيبة أنصار الحق، عبر صاروخ أطلقته طائرة للنظام بمدينة تلبيسة.

وهذه الاستراتيجية التي بات يتبعها النظام حالياً فيما يبدو، أي إضعاف "المعارضة المعتدلة" التي تراهن عليها واشنطن كبديل للنظام وتنظيم "الدولة" معاً، ستكون مفيدة للنظام حتى لو لم يتمكن من استعادة المناطق التي خسرها شرقي البلاد على يد التنظيم بسبب بعدها عن مناطق وجوده القوي الممتد من دمشق إلى حلب شمالاً وإلى الساحل غرباً، وهو يراهن هنا على حلفائه الأكراد خاصة تنظيم (pyd) أو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، لملء الفراغ، أو منازعة الجيش الحر والكتائب الإسلامية على ملئه في حالة انهيار تنظيم "الدولة".

وبات من الواضح أن الجانب الأمريكي قد حسم أمره لجهة عدم التعاون مع نظام الأسد في هذه الحرب، وعدم التنسيق معه حتى عند شن الغارات المحتملة على داعش داخل سوريا، ملوحاً بتدمير كامل الدفاعات الجوية السورية، في حال اعتراض الجانب السوري الطائرات الأمريكية التي ستهاجم أهداف تنظيم "الدولة" في سوريا.

ويؤكد عسكريون أمريكيون أنهم قادرون على تحطيم الدفاعات الجوية السورية بسرعة، وأي رادار سوري يجري تشغيله سيتم التعرف على موقعه وضربه خلال دقائق، وذلك رداً على تصريحات بعض مسؤولي النظام التي هددت بالتعرض للطائرات الأمريكية إذا قصفت في سوريا دون تنسيق مع النظام.

المعارضة السورية.. الحاضر الغائب!

من الواضح أيضاً أن الإدارة الأمريكية وهي تخطط لاستهداف تنظيم "الدولة"، لا تعول كثيراً على المعارضة السورية المسلحة، وما تزال تخشى أن تتسرب أية "أسلحة نوعية" قد تزودها بها إلى التنظيم أو تنظيمات أخرى تعتبرها متطرفة مثل جبهة النصرة، سواء عبر تواطؤ أطراف من هذه المعارضة أو عدم سيطرتها جيداً على عناصرها، أو من خلال انتزاعها منها عنوة، كما حصل في مرات سابقة حين هاجم مقاتلو تنظيم "الدولة" مستودعات للجيش الحر واستولوا على ما بداخلها من أسلحة.

ورغم أن الجناح السياسي للمعارضة السورية، ممثلاً بالائتلاف الوطني طلب صراحة أن تكون المعارضة السورية ضمن التحالف لمحاربة تنظيم "الدولة"، وكذلك فعلت فصائل عسكرية مهمة مثل جبهة ثوار سوريا بقيادة جمال معروف، إلا أن الإدارة الأمريكية لا تبدو في عجلة من أمرها لجهة اعتماد هذه المعارضة كشريك جاهز على غرار الحكومة العراقية وقوات البشمركة الكردية. وكما أوضح وزير الدفاع هيغل فإن واشنطن ستدرب كمرحلة أولى خمسة آلاف مقاتل من هذه المعارضة في برنامج "طويل" تشارك فيه قوى إقليمية مثل السعودية.

وكان الرئيس باراك أوباما طلب الأربعاء الماضي شخصياً من المشرعين الأمريكيين الإسراع في تبني برنامج مساعدة عسكرية للمعارضين السوريين "المعتدلين" بقيمة 500 مليون دولار.

وتتخوّف مصادر المعارضة في واشنطن من تأخير طويل، فمبلغ الـ 500 مليون دولار هو من ضمن ميزانية عام 2015، لكن الكونغرس سيجتمع لوقت قصير هذا الشهر، ثم يتوقف عن العمل إلى ما بعد الانتخابات في أول أسبوع من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، ما يعني أن الميزانية المطلوبة لن تُقرّ أو تُصرف في أحسن الحالات قبل بداية العام المقبل.

المعارضة إذاً وفق المخططين الأمريكيين، هي "بديل مؤجل" وليست شريكاً جاهزاً للعمل، وإن كان من الممكن أن توكل إليها في بعض المراحل مهام مكملة للغارات الأمريكية على الأرض، وخاصة لجهة تبادل المعلومات والقضايا اللوجستية.

هذا الدور المحدود للمعارضة لا يلبي طموحات واشنطن، وقد يشعرها أنها مجرد بيدق صغير في استراتيجية لا تتصل أصلاً بصلب أهدافها المتمثلة في الإطاحة بحكم عائلة الأسد الممتد حتى الآن لأكثر من أربعة عقود، وهو الهدف الذي ثار لأجله الشعب السوري، ولم يكن هناك تنظيم "الدولة" ولا غيره من التنظيمات المتشددة.

وحسب بعض المصادر تسعى المعارضة السورية إلى تطوير مركز التنسيق العسكري في مدينة الريحانية بتركيا، وهي غرفة يجلس فيها الأتراك والأمريكيون والسوريون، وباقي ممثلي الدول الداعمة للثوار السوريين لكي تصبح غرفة عمليات مهمتها تلقي المعلومات وتخطيط المهمات وتوجيهها.

الحرب.. فرصة لمن ولأي شي؟

في تحليل لها أول من أمس، قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن الأسد ودائرة مقربيه يعتقدون أنهم حصلوا على فرصة -سياسية على الأقل- بإعلان الرئيس باراك أوباما نيته شن ضربات في سوريا ضد تنظيم الدولة، ويعتبر هؤلاء أن القرار الأمريكي يمثل انتصاراً لاستراتيجية الأسد بالتخلص من أي معارضة معتدلة تواجه حكمه، وإقناع العالم بأنه يواجه خياراً واضحاً بينه وبين المسلحين الإسلاميين الذين يهددون الغرب.

ولكن هناك أيضاً مخاوف في دمشق من أن الغارات الجوية الأمريكية المحتملة في سوريا، تحمل مخاطر جديدة، فمن غير الواضح حتى الآن من سوف يستفيد عسكريا، قوات النظام أم الثوار أم الأكراد الانفصاليين، الذين يخوضون أيضاً اشتباكات مع مقاتلي التنظيم.

وتستبعد الصحيفة أن يستفيد الجيش النظامي السوري أو الجماعات التي تحظى بدعم غربي من الثوار السوريين من إضعاف "الدولة" في أقوى معاقل التنظيم بالمحافظتين الشرقيتين المتاخمتين للحدود مع العراق الرقة ودير الزور.

أما في حلب فإن كلا الطرفين، مسلحي المعارضة والنظام، يتمتعان بوجود قوي بالقرب من مواقع "الدولة"، ولكن ضرب التنظيم هناك قد يعود بالفائدة أكثر على نظام الأسد، لأن قدرته على الإمداد في حلب أكبر منها بالنسبة لشرقي البلاد.

وتفيد وجهة نظر أخرى، أنه سيكون للحملة الأمريكية تأثير ميداني ضئيل، باعتبار أنها وضعت لأسباب سياسية لإظهار أن الولايات المتحدة تتخذ إجراء ضد التنظيم.

وبعيداً عن التأثير العسكري، يأمل كل طرف في تحقيق مكاسب سياسية، إذ تأتي الحملة العسكرية في وقت تتصاعد مشاعر التذمر في صفوف مؤيدي الأسد نتيجة الخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات الموالية في الأسابيع الأخيرة على أيدي تنظيم "الدولة" الذي أعدم المئات منهم عندما سيطر على مواقعها في محافظة الرقة.

وتقول الصحيفة إن مسؤولين أمريكيين يأملون أن تتمكن الغارات الأمريكية ضد تنظيم "الدولة"، إلى جانب المساعدات الجديدة المقدمة إلى المعارضين من تخفيف حدة المخاوف بين صفوف المؤيدين للنظام وبالأخص بين الأقلية العلوية، التي تشكل قاعدة الأسد من أجل دفعهم مع الحلفاء الرئيسين للأسد، أي إيران وروسيا، من أجل الضغط عليه للتنحي أو القبول بتقاسم السلطة مع المعارضة المعتدلة، لكن في الوقت نفسه ثمة مخاوف من أن التركيز الجديد على "الدولة" يفسد ما تبقى من الإرادة السياسية الغربية للإطاحة بالأسد أو تعزيز مسار التسوية السياسية في وقت قريب.

مكة المكرمة