انتخابات مصر.. عندما تتحوّل السياسة إلى مسرح هزلي

السيسي نافس نفسه في انتخابات شكلية

السيسي نافس نفسه في انتخابات شكلية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 30-03-2018 الساعة 14:40
القاهرة- الخليج أونلاين (خاص)


تحوّلت الانتخابات الرئاسية المصرية التي جرت هذا الأسبوع إلى ما يشبه المسرحية الهزلية؛ بعدما طغت مظاهر الرقص والغناء والمكايدة على عملية سياسية يُفترض أنها تتعلّق بمصير بلد يرى كثيرون أنه يقف بالفعل على شفا الخطر.

صحيح أن المصريين -ومعهم كثيرون حول العالم- كانوا يتعاملون مع الانتخابات الرئاسية التي جرت بين 26 و28 مارس الجاري، بوصفها عملية منافسة بين الرئيس عبد الفتاح ونفسه، إلا أن ما حدث خلال التصويت كشف عن أزمة كبيرة؛ تمثّلت في أن "من كذبوا الكذبة كانوا أكثر من صدّقها".

وانتهت عملية التصويت في العاشرة من مساء الأربعاء 28 مارس 2018، بعدما قرّرت الهيئة العليا للانتخابات تمديد فترة التصويت ساعة واحدة، وذلك على الرغم من سيطرة حالة المقاطعة التي تبنّاها معارضو بقاء السيسي في المشهد وفي مقدمتهم الشباب.

لافتات السيسي 1

وكانت القناعة المحلية والدولية بأنه لا توجد انتخابات فعليّة في مصر، وأن ما يجري لا يعدو كونه إجراءً شكلياً لشرعنة بقاء السيسي في السلطة التي وصل إليها بعدما قاد انقلاباً في 2013، أطاح فيه بمحمد مرسي، الذي فاز بأول انتخابات بعد ثورة 25 يناير 2011، التي أنهت 30 عاماً قضاها الرئيس المخلوع، حسني مبارك، في قصر الرئاسة.

ولم يتوقف الأمر عند حدّ الاستخفاف بأصوات المواطنين وحقهم الدستوري في منافسة انتخابية حرة يخوضها كل من تنطبق عليه شروط الترشّح، بل تجاوز ذلك إلى تصميم السلطة على تسويق فكرة أن من قاطعوا الانتخابات لم يقاطعوا؛ عبر الادّعاء بأن أكثر من 21 مليوناً صوّتوا للسيسي من بين 25 مليوناً شاركوا في التصويت.

اقرأ أيضاً :

مصر.. انتخابات تحت تهديد السلاح

- سخرية وانتقادات

وتحوّلت الانتخابات الأخيرة إلى مسرحية هزلية جعلت البلد المهمّ في المنطقة مثار سخرية وانتقادات؛ بعدما سنّت السلطة الجديدة في مصر سنناً انتخابية لم تُعرف حتى في "جمهوريات الموز"، ذلك أن الرقص أمام اللجان بات دليلاً على الوطنية، في حين أصبح استخدام الحق الدستوري في المقاطعة خيانة أو جريمة يعاقب صاحبها بالغرامة على أقل تقدير.

الناشطة المصرية دينا الحناوي، التي تعيش في كندا، نشرت مقطعاً مصوّراً على حسابها في "تويتر" هنّأت فيه مؤيّدي السيسي بأربع سنوات جديدة من القمع وانتهاك الدستور وسحق الحريات.

وقالت الحنّاوي إن في كندا من يسألها عن سبب انتشار ظاهرة الرقص أمام اللجان، مؤكّدة أن مصر أصبحت فعلاً مثار سخرية العالم.

ولم تفوّت مواقع التواصل الاجتماعي هذه المسرحية السياسية؛ إذ عجّت الصفحات بمنشورات عكست إحباطاً غير مسبوق من تلك الوطنية الجديدة التي أصبح الرقص والمكايدة سمتين أساسيتين فيها، والأنكى أن الرقص لم يتوقّف على النساء كما كان في انتخابات 2014، ولكنه امتدّ هذه المرة إلى الرجال.

انتخابات

وبمتابعة ما حدث في عدد من لجان التصويت تجد أن سياسة "كيد النساء" التي يتّهم المعارضون المصريون السيسي ومؤيّديه باعتمادها أسلوباً لسياسة البلد ليست درباً من دروب المناكفة، وأنها تمثّل ركيزة أساسية في مشهد مهمّ ومعبّر عن الجو العام كمشهد الانتخابات.

- مبالغة في الأداء

فهناك من ذهب للتصويت وهو يرتدي زيّ الإحرام، وهناك من وقفت ترقص أمام لجنتها حتى فارقت الحياة، فضلاً عمّن ذهبوا إلى التصويت سيراً على الأقدام ثم التقطت لهم أجهزة الأمن بعد التصويت صوراً وهم على كراسٍ متحرّكة.

انتخابات 1

الفنان المصري يوسف شعبان قال إن المقاطعين لا يستحقّون أن تمنحهم الدولة قطرة الماء، والفنانة نادية الجندي قالت إنها أرجأت الاحتفال بعيد ميلادها حتى تطمئنّ على مصر، في حين أبدى الفنان الشهير عادل إمام استغرابه من ندرة المصوّتين، عندما سأل موظفة في لجنته الانتخابية بعفوية واضحة: "هو محدش هنا غيري ولا أيه؟".

أضف إلى ما سبق مشاهد نقل المواطنين إلى اللجان في سيارات الإسعاف أو على أكتاف الجنود، في مشهد فقد معناه تماماً. ولعل المشهد الأكثر صدقاً فيما نقله الإعلام المؤيّد للسيسي هو تلك الطوابير التي اصطفّ بها الشيوخ والعجائز لاختيار رئيس سيدفع الشباب وحدهم فاتورة استمراره في الحكم كما دفعوها على مدار أربع سنوات ماضية.

ورغم الادعاءات الرسمية بشأن أعداد المشاركين فإن عمليات استجداء الناس للتصويت حيناً وترهيبهم أحياناً تكشف ضعف المشاركة، فضلاً عن توجيهات رسمية للموظفين بضرورة التصويت وتهديدهم بوقف صرف مرتّبات شهر مارس لكل من لم يلتزم بالتعليمات.

ومجدداً عادت التهديدات الحكومية بفرض غرامة الـ 500 جنيه على من لم يشاركوا في التصويت، وقد سارع مؤيّدو السيسي لاحتساب 30 مليار جنيه (نحو مليون و700 ألف دولار)، وهو ما ردّ عليه المعارضون بالقول إن هذا الرقم يؤكّد كذب أرقام المشاركين التي أعلنتها الحكومة.

اقرأ أيضاً :جدل في مصر حول تصويت مبارك بانتخابات الرئاسة

- الاحتجاج بالتصويت

ونشرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية تقريراً أكّدت فيه بطلان 1.5 مليون ورقة انتخاب لم يلتزم أصحابها بشروط التصويت القانونية. وقال التقرير إن الرئيس المصري لم يواجه أي منافسة حقيقية في الانتخابات، وإن نسبة الإقبال تراجعت عن نسبة الانتخابات الماضية.

وأضاف التقرير أن الأرقام الأوّلية تبيّن أيضاً أن 6.5% من الناخبين، أي ما يعادل 1.5 مليون شخص، اقترعوا بطريقة غير صحيحة؛ فيما يبدو أنه عملية احتجاجية على الانتخابات نفسها.

مقاطعة

lrh'um

وقالت ديلي تلغراف إن نسبة المشاركة تراجعت، على الرغم من حملة ترغيب الناخبين في الذهاب إلى مراكز الاقتراع وإكراههم أيضاً، فإلى جانب تهديد المقاطعين بالغرامة فإن هناك تقارير عن إرغام الشرطة لمواطنين بالذهاب إلى التصويت، بينما مُنح آخرون مبالغ مالية أو أغذية مقابل التصويت للسيسي.

وانتشرت صور وفيديو على الإنترنت يظهر فيها طالب يدعى إبراهيم حسن، يقول إن الشرطة أوقفته في الشارع وأرغمته على ركوب حافلة إلى مركز اقتراع، وأمرته بالتصويت. وقال إنه صوّت للمرشحين من أجل أن يُلغى صوته.

أحد رجال الأمن قال لـ "الخليج أونلاين"، إنه يقوم بحراسة إحدى اللجان التابعة لمحافظة الجيزة، وإن عدد من يحق لهم التصويت يتجاوز الـ 17 ألفاً، لم يحضر منهم سوى 517 فقط.

وأضاف المتحدث، الذي رفض الإفصاح عن هويّته، أن القائمين على اللجنة كانوا يعنّفون من يقومون بإبطال أصواتهم، ما يعني أن عملية التصويت كانت تتم أمام مسؤولي اللجنة وليس خلف الستار المخصّص لها، وإلا فكيف كانوا يعرفون من أبطل صوته؟

الأمر نفسه أكّده لـ "الخليج أونلاين" أحد سكّان منطقة أبو الهول بمحافظة الجيزة أيضاً، بقوله إن الصوت الانتخابي وصل إلى 200 جنيه في ثاني أيام التصويت، مضيفاً: "تضع العلامة أمام السيسي فيمنحك مندوب عن نائب المنطقة في البرلمان النقود فوراً".

وكان "الخليج أونلاين" علم من مصادر مقرّبة من السلطة أنه تم إرغام أعضاء البرلمان على تحمّل هذه الرشى الانتخابية، وهو أمر تعزّزه حملة لافتات التأييد غير المسبوقة التي غزت الشوارع حتى باتت محلّ تندّر وسخرية.

وقد أكّد أحد أصحاب المحال التجارية لـ "الخليج أونلاين" أن أحد أفراد الشرطة اتصل به وعاتبه لأنه لم يستجب لطلب تعليق لافتة تأييد للسيسي.

وأوضح الرجل أن الشرطي طلب منه الذهاب للتصويت وإرسال صورة له بالحبر الفوسفوري عبر تطبيق واتساب كدليل على صدقه؛ حتى لا تغضب عليه الحكومة، حسب قوله.

EGYPT-POLITICS-VOTE

ولعل أكثر ما يكشف حقيقة ما تعيشه مصر هو إدلاء الرئيس المخلوع، حسني مبارك، بصوته في الانتخابات، وهو الذي كان قبل ثلاث سنوات على مسافة خطوة واحدة من أحكام قضائية كان يمكن أن تصل إلى الإعدام؛ بتهمة قتل متظاهري ثورة يناير 2011.

وكما كان متوقعاً، فإن النتائج الأوّلية لعمليات فرز الأصوات تشير إلى إعادة انتخاب السيسي لفترة رئاسية ثانية، وثمة تقارير عن تكرار تفوّق الأصوات الباطلة على منافس السيسي، الذي كان واحداً من مؤيّديه قبل أن يُستدعى لإتمام الشكل الدستوري للمنافسة.

وخاض الانتخابات مرشّحان؛ هما السيسي ورئيس حزب الغد، موسى مصطفى موسى، الذي بات محلّ سخرية النشطاء؛ لكونه كان يؤكّد دعمه للسيسي حتى بعد ترشّحه أمامه.

وقالت صحيفة الأهرام الحكومية إن السيسي حصل على ما يقرب من 92% من الأصوات البالغ عددها 25 مليوناً. وذكر موقع جريدة أخبار اليوم الرسمية أن السيسي حصل على 21.5 مليون صوت، مقابل 721 ألف صوت حصل عليها المرشّح المنافس.

وحسب النتائج الأولية غير الرسمية، تحتلّ الأصوات الباطلة المركز الثاني، حيث تتجاوز في مجموعها ما حصل عليه موسى مصطفى، منافس السيسي، مثلما كان عليه الحال في الانتخابات الرئاسية عام 2014.

وكان عدد من المرشّحين للرئاسة قد اعتُقلوا، بينما انسحب آخرون، ما حدا ببعض رموز المعارضة إلى الدعوة لمقاطعة الانتخابات.

ومن المقرّر أن تعلَن النتائج النهائية الاثنين 2 أبريل، ومع ترجيح احتمال فوز السيسي يقول محلّلون إن نسبة المشاركة ستكون المؤشّر على مدى شعبيته.

وقد بلغت نسبة المشاركة 47% في انتخابات 2014، وحصل فيها السيسي على نحو 97% من الأصوات.

ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن متحدثة باسم حملة السيسي، قولها إن العملية الانتخابية "كانت ديمقراطية مليون بالمئة".

وترى المتحدثة أن الدليل على ذلك هو أن "كل المصريين، بمن فيهم أعداد كبيرة من الشباب والشيوخ، خرجوا للتصويت".

وفي مؤتمر صحفي قال المستشار محمود الشريف، نائب رئيس الهيئة: "ستُحاسب وسائل الإعلام المروّجة للشائعات، وإن غرامة عدم التصويت منصوص عليها في القانون ولم تستحدثها الهيئة".

وإجمالاً فإن هذا المشهد الانتخابي يعطي مؤشرات كبيرة ومقلقة عمّا ستؤول إليه أوضاع السياسة في مصر، التي خطت عام 2011 أولى خطواتها على طريق إنهاء حكم الفرد، قبل أن يعيدها السيسي إلى ما يشبّهه المعارضون بـ "عصر المماليك".

مكة المكرمة