بوتين.. شخصية مركبة غريبة الأطوار تطمح لبلوغ القيصرية

خطاب بوتين يعزز سيناريو "الإمبراطورية الروسية" التي تسيطر على ذهنه

خطاب بوتين يعزز سيناريو "الإمبراطورية الروسية" التي تسيطر على ذهنه

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 11-12-2015 الساعة 17:54
مي خلف


لا يخفى على من يتابع التحولات في منطقة الشرق الأوسط محاولات الدب الروسي حجز مكانه في المقعد الأمامي مجدداً، أو ربما التربع على عرش المنطقة مرة أخرى، وذلك بطرق عدة قد لا تبدو مفهومة للدول الأخرى، مما جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحوّل إلى شخصية مركبّة، فلم يعد من الممكن توقع ما الذي سيفعله ليطبق فكرة "الإمبراطورية الروسية" التي تحتل ذهنه.

وبالنظر إلى تصريحات بوتين الأخيرة، والتحركات التي أمر بها، سواء في سوريا أو أوكرانيا أو فيما يخص الأزمة الروسية التركية، وأسلوب خطابه الحاد ضد الغرب، نرى أن تغييراً جذرياً طرأ على شخصيته منذ تسلمه الحكم حتى عام 2015، وهو ما يوجب تحليل هذا التغيير والوقوف عنده ومعرفه أسبابه وتبعاته.

من عقلاني إلى مستبد

تبنى بوتين بعد تسلمه للحكم عام 1999 خطاباً براغماتياً، ففي مخاطبته لشعبه استخدم الأسلوب التعبوي الوطني، وفي السياسات الخارجية كان يتصرف بعقلانية، واعتبر أن التعاون المشترك مع دول الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، هي استراتيجية مهمة ما دام أن الملفات التي يتعاونون بها فيها مصلحة لروسيا، فعلى سبيل المثال سارعت المخابرات الروسية إلى مشاركة المعلومات الاستخباراتية التي جمعتها عن تنظيم "القاعدة" مع الإدارة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر.

وفي طريقة إدارته للكرملين اعتاد بوتين أن يتخذ مستشارين من جميع الأطياف السياسية، فكان يستمع للمعارض والمؤيد ويتقبل النقد من الجميع، وكانت صلاحيات الوزارات واضحة، ولم يعرف عنه الكثير من الانفراد باتخاذ القرار، هذا إلى جانب تخلّيه عن النموذج الاشتراكي في الاقتصاد، ودعمه للنخبة الروسية ورجال الأعمال وتشجيعهم على التجارة مع دول الغرب وتعزيز استثماراتهم.

لكن مع مرور الوقت بدأ بوتين بالتغيّر، فترك البراغماتية التي عرف بها وتبنى خطاباً وطنياً حاداً معادياً للغرب، انعكس على قراراته السياسية والإجراءات الداخلية التي اتخذها؛ فقد صنف كل المنظمات التي تتلقى جزءاً من تمويلها من الخارج كـ"عميل أجنبي"، وضيّق على فعاليات منظمات المجتمع المدني وحرية الصحافة، وأقصى كل من يعارضه من بين مستشاريه، مبقياً نفسه محاطاً بمن يوافقه الرأي تماماً، كما أنه حوّل الكنيسة الأرثوذوكسية إلى متحدث باسمه.

وفي إدارته للكرملين تحوّل لشخصية مستبدة ينفرد باتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الدولة المختلفة، فبحسب ما ذكرت تقارير سابقة، فإن قرار اجتياح أوكرانيا اتخذ من قبل بوتين دون الرجوع إلى وزير الدفاع ولا إلى وزير الشؤون الخارجية في حينه، وهو ما يدل على سعيه للقبض بيد واحدة على جميع شؤون روسيا.

الإمبراطورية الروسية والحضارة... أفكار يزرعها بوتين

تحليلات كثيرة أفادت بأن تحوّل شخصية بوتين جاءت نتيجة لإدراكه وجود فرص عديدة داخل الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط، خاصة بعد حرب العراق عام 2003، وانشغال أمريكا بآثار تلك الحرب وبالأزمة الاقتصادية الحادة التي تلتها بعد ذلك عام 2008، وعليه؛ وجد فرصة ليجعل من نفسه "القيصر الجديد" ويتربع على عرش "الإمبراطورية الروسية" التي أعاد تعريفها من جديد.

ففي خطاباته في السنوات الأخيرة بدأ بوتين يشدد على أن روسيا ليست جنسية أو عرقاً، بل حضارة تعود جذورها لآلاف السنين، وأن كل من يتحدث الروسية أو ينتمي للعرق الروسي، أو يشعر بأنه روسي، فهو ينتمي لـ "الأمة الروسية" وأن من واجب الكرملين بقيادة بوتين حمايته والعمل لأجله.

إلى جانب ذلك، يستخدم بوتين أسلوب الترهيب وخلق العدو الخارجي من أجل توحيد الروس ودفعهم للالتفاف حوله كقائد قوي وقادر على حماية مصالحهم، ففي خطاباته أيضاً أصبح يركز على أن الغرب والتعامل معه يهدد القيم والثقافة الروسية، وأن على الروس الانتباه من الانخراط فيها، وعليه؛ تضعضعت العلاقة بينه وبين النخبة الروسية التي درس غالبيتها في الجامعات الأوروبية والأمريكية، فقطع الدعم عنهم وهددهم بالتخوين إذا لم يتوقفوا عن ضخ الأموال خارج روسيا.

ويشدد بوتين على أن "الحضارة الروسية هي حضارة مميزة واستثنائية ومهدّدة"، وأن جميع روس "الشتات" هم جزء لا يتجزأ من هذه الحضارة، وبناء على هذا الخطاب كان التدخل الروسي في أوكرانيا، الذي جاء بحجة حماية "العرق الروسي" وإسقاط الحكومة الموالية للغرب هناك.

وبشكل مشابه، يرى مراقبون أن التدخل الروسي في سوريا، وما تبعه من أزمة مع تركيا، يهدف إلى حد كبير إلى تعزيز صورة القائد الحاسم والقوي في ذهن الشعوب في شرق أوروبا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة، كتمهيد لاستقطاب هذه الشعوب والحكومات للمعسكر الروسي بعيداً عن الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن النقاش حول شكل روسيا وحدودها وهويتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هو نقاش مستمر وجاء فيه قول كثير، فإن بوتين مؤخراً بدأ بما يشبه محاولات تطبيق أحد هذه السيناريوهات، فبتعزيزه الهوية الوطنية، وتحويل روسيا إلى حضارة عميقة التاريخ، وبتجنيده للكنيسة والإعلام، لا يستبعد أن يتابع بوتين طموحه بالتوسع لضم دول الاتحاد السوفييتي السابق، وربما دول أخرى إلى محيط سيطرته التامة لكي يحقق الإمبراطورية الروسية التي يتخيلها في ذهنه.

وذلك لا يعود فقط إلى عوامل استراتيجية، إنما هو متعلق أيضاً بشخصية الرئيس الروسي نفسه، فهو لا يوفر جهداً ليعرض نفسه كقائد قوي وحاسم ومستعد لاتخاذ خطوات مدمرة، وانعكس ذلك على تصريحاته المبالغ فيها ضد تركيا بعد إسقاط الجيش التركي لطائرة السوخوي الروسية، إلى جانب تهديداته الأخيرة حول "احتمال" تركيب رؤوس نووية على الصواريخ الروسية"، تصريحات مضحكة لعدم واقعيتها للوهلة الأولى إلا أن صدورها من شخصية غريبة الأطوار يجعل أخذها على محمل الجد ضرورة ملحّة.

مكة المكرمة