"تحقيق الإنجازات" العقدة التي تمنع التوصل لوقف إطلاق النار بغزة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 23-07-2014 الساعة 19:54
عاموس هآريئيل


من الواضح أن وتيرة القتال تباطأت أمس الثلاثاء؛ فقد قلّ عدد القتلى من الجيش الإسرائيلي بشكل ملحوظ، فيما استمرت كتائب المشاة وطواقم المهندسين العسكريين ببذل الجهود لتحديد مواقع الأنفاق على طول الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، تزامناً مع مواجهة حركة حماس. وحتى ساعات المساء قتل جندي واحد من قوات المظلية، بالمقابل قتل عشرات الفلسطينيين، غالبيتهم (على حد قول جيش الدفاع الإسرائيلي) نشطاء مسلحون.

اكتشف (جيش الدفاع الإسرائيلي) يوم أمس (22/ 07) 28 نفقاً يفضي إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، كما أن نصف هذه الأنفاق تقريباً تصل إلى الجانب الشرقي من الجدار الحدودي. نتيجة لذلك يقوم الجيش ببذل الجهود لهدم هذه الأنفاق، بالتوازي على جميع الجبهات، لكن الأمر يتعثر بسبب مشاكل تقنية متنوعة.

ووفقاً للضباط، فإن هناك حاجة إلى عدة أيام حتى يتمكنوا من إحداث ضرر بهذه الأنفاق في درجة معينة، في حين يحتاج هدم الأنفاق بشكل كامل أسبوعين. وعلى كل حال، الجيش مستعد لكلتا الحالتين. واتخاذ الخطوات القادمة بهذا الشأن متعلقة بالقرارات التي سيتخذها المستوى السياسي.

إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ووزير الخارجية الأمريكية كيري إلى المنطقة، يطرح على الطاولة اقتراحين بديلين يقوم طرفا الصراع بدراستهما. وفقاً لاقتراح الأمم المتحدة، يجب إعلان وقف إطلاق نار لمدة غير محددة، وفورَ دخولها حيز التنفيذ على الطرفين البدء بالاتصالات للتوصل إلى تسوية.

من ناحية أخرى، يقترح الأمريكيون اقتراحاً مختلفاً قليلاً، يستند إلى المبادرة المصرية (الهدوء مقابل الهدوء، والرجوع لتطبيق تفاهمات اتفاقية وقف إطلاق النار عام 2012)، مع تعهد خطيّ، على ما يبدو من جانب القاهرة لحماس، أن يتم التفاوض على المطالب الاقتصادية، وهي: فتح معبر رفح، تأكيد دفع رواتب لـ 43 ألف موظف حكومي في غزة بواسطة دعم مادي من الخليج.

من جانب آخر، رفضت إسرائيل اقتراحاً آخر لوقف إطلاق النار لدوافع "إنسانية" لعدة ساعات، وعزت رفضها إلى أن حماس ستستغل الهدنة لإعادة تنظيم قواتها، ولتوجيه الضربات للجنود الإسرائيليين في القطاع مجدداً.

إن إسرائيل تجد عدة إيجابيات بالاقتراحين المقدمين من الأمم المتحدة ومن الأمريكيين، لكنها لا تستعجل اتخاذ القرار، وتفضل أن تكون حماس صاحبة الإجابة الأولى. وعلى ما يبدو فإن سبب التأجيل يعود بالأساس لصعوبات سياسية في الجانب الإسرائيلي، فعلى الرغم من الخسائر في أرواح الجنود، إلا أن الرأي العام ما زال يدعم استمرار العملية العسكرية. لذلك فإن رئيس الحكومة يتخوف من وقف العملية العسكرية في الوقت الذي لم يتم فيه تحقيق إنجاز يعتبره الرأي العام إنجازاً مهماً بشكل كافٍ، خاصة بعد نجاح حماس بالتسلل عن طريق الأنفاق إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، وتنفيذ عمليات أوقعت خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، إضافة لمعركة حي الشجاعية التي أودت بحياة قائد كتيبة "غولاني".

لا يمكن للحكومة تجاهل الخسائر: إيقاف شركات الطيران الأمريكية والأوروبية لرحلاتها من وإلى إسرائيل بسبب سقوط صاروخ في منطقة "يهود" (بالقرب من مطار بن غورين)، إضافة لاستمرار إطلاق الصواريخ إلى مركز الدولة وجنوبها لمدة 15 يوماً بشكل متواصل.

من جهة أخرى، تواجه حماس صعوبات خاصة بها، مثل: الدمار الكبير، في شمال القطاع بشكل رئيسي، وعدد القتلى الذي تعدى الـ600. مع أن حي الشجاعية يعتبر رمزاً للمقاومة والبطولة، إلا أن الندبة العميقة التي خلّفها الدمار سيضطر حماس إلى تقديم تفسيرات لأهل الحي هناك.

وفي هذا السياق يقول بعض الأهالي في القطاع إن "عيد الفطر" سيمر عليهم كـ "جهنم"، وعلى ما يبدو فإن الأسئلة حول هذا الأمر (حجم الدمار والخسائر ومرور عيد الفطر بمآس كبيرة) سيتم توجيهها لحماس. إذن نرى أن هناك ضغطاً كبيراً أيضاً على حماس، فمن ناحية، هناك إرادة لوقف سفك الدماء، ولكن هناك تخوف من التوقف في هذه المرحلة بدون إنجاز جوهري (الإنجاز الجوهري من ناحية حماس يكمن في النواحي الاقتصادية لاتفاقية وقف إطلاق النار)، لأن التوقف سيؤدي لغضب شعبي في القطاع. صحيح أن آخر انتخابات في غزة كانت منذ 2006، لكن مع ذلك تهتم حماس لمواقف المجتمع الذي تحكمه.

إذا لم تتم التسوية سريعاً، فإن المعركة سوف تستمر أكثر، وحينها على إسرائيل أن تختار بين إمكانية الاستمرار بالبحث عن الأنفاق وجباية الثمن من حماس، وبين التوجه لتحركات عسكرية نوعية وأكثر طموحاً. الانطباع العام يسوقنا للتوقع أن هيئة الأركان ما زالت تفضل عملية محدودة بالزمن والأهداف. وبما أن ميزان القوى والإمكانيات العسكرية يصب في مصلحة الجيش الإسرائيلي، إذن من المتوقع أنه مع مرور الوقت سيستطيع الجيش التأقلم والتكيف مع التحديات الجديدة في مواجهة حماس، على رأسها حقيقة أن حماس تدير المعركة -بالكامل تقريباً- من تحت الأرض.

مع ذلك، يجب التوضيح: أن من ينادي بعملية عسكرية برية واسعة تشمل احتلال المنطقة المدنية لغزة بالكامل، لا يأخذ على محمل الجد حقيقة القدرات التي طورتها حماس. قطاع غزة اليوم ليس كما كان عام 1967، وليس مثل الضفة الغربية. قطاع غزة هو تحدٍّ أكبر وأصعب، والذي، حسب تقديرات الخبراء، يمكن التغلب عليه، لكن ثمن الخسائر لا يمكن تجاهله.

بطبيعة الحال وفي الوقت الذي يستمر فيه القتال في غزة، من الصعب الانشغال بالفجوات التي تشوب أداء منظومة الدفاع الإسرائيلي؛ إذ إن منظومة الدفاع لا تزال تقوم بجهد مزدوج: الانتصار على حماس بالمواجهة العسكرية من جهة، وإقناع الرأي العام في إسرائيل أن كل القرارات التي اتخذتها المنظومة كانت صحيحة تماماً.

إن العملية البرية ضد الأنفاق هي عملية مبررة في ظل التهديد الأمني. وقد حاز كل من نتنياهو، يعالون وجينيتس على المديح بسبب التنسيق والتناغم في العمل والحذر في اتخاذ القرارات، على عكس ما كان خلال حرب لبنان الثانية (2006)، وخلال العملية العسكرية (الرصاص المصبوب). لكن هناك محللون ومتحدثون وخبراء (غير رسميين) يقولون عكس ذلك، فهم لا يتجاهلون حقيقة مهمة، وهي أنه ضمن "حرب العقول" بين حماس وإسرائيل، جهّزت حماس لإسرائيل مفاجأة حقيقية؛ بتفعيلها واستخدامها للأنفاق في شن الهجمات، علاوة على مرور التنظيم "حماس" بعملية تطور ملحوظة من ناحية الجاهزية والاستعداد خلال السنوات الخمس السابقة.

إن الرجل الذي يقف وراء كل هذا، هو المطلوب من قبل إسرائيل القائد الخبير "محمد ضيف"، الذي عاد لقيادة الجناح العسكري للحركة بعد اغتيال "أحمد الجعبري" نهاية عام 2012. حسب مصادر فلسطينية، فإن الجعبري لم يكن ناشطاً في الشهور الأخيرة كقائد "إرهاب"، بل أقام في مصر لفترات طويلة، بعد أن أخرجته المخابرات المصرية من الحصار إلى فندق في القاهرة في أثناء مفاوضات صفقة "شاليط".

محمد ضيف، الذي أصيب إصابة خطيرة خلال عدة محاولات لاغتياله من قبل إسرائيل، أدار أمور الحركة بشكل مختلف، إذ إنه بذل قصارى جهده في مشروع حفر عشرات الأنفاق تهيئة للحرب. لكن لا يزال على إسرائيل أن تتأكد من قراءتها الصورة بشكل صحيح، وهل أدركت التحرك الاستراتيجي الذي قاده ضيف عندما دفع التنظيم للمعركة الحالية.

يوم الاثنين السابق، في أثناء إجراء كتيبة المشاة لعملية مسح على طول أحد الأنفاق في محيط "بيت لاهيا" شمال القطاع، خرج أكثر من 10 "مخربين" من فتحة النفق من الجهة الثانية، بجانب كيبوتس "نير عام". وفي مواجهاتهم مع الجيش قتل الضابط المسؤول عن الكتيبة و3 جنود آخرين. تقديرات الجيش تفيد أن الخلية (من حماس) كانت من ضمن قوات حماس الخاصة، والتي دخلت إلى النفق في وقت سابق، وانتظرت الوقت المناسب للمواجهة. وعندما أدركت الخلية أن الجيش على وشك اكتشاف النفق، نفّذوا الهجوم في الأراضي الإسرائيلية.

من المنطقي أن تكون حماس تتبع الاستراتيجية نفسها في مواقف أخرى؛ أي إنه قبل أن يقوم الجيش بتدمير نفق، "ضيف" يستخدم أوراق اللعب التي في حوزته. من ناحية عسكرية، هذا هو الثمن المرتبط بالقتال في نطاق كهذا، لكن من الخطأ الاستخفاف بمستوى العملية التي نجحت حماس في إدارتها هنا. وليس من الغريب أن يحاول "حزب الله" تجهيز منظومة أنفاق على الحدود مع لبنان، على الرغم من طبيعة الأرض التي يصعب بها الحفر.

أما بالنسبة لتقييم المعارك نفسها، فإن هناك انطباعاً لدى وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان أن وحدات الجيش المشتركة في المعركة في القطاع يظهرون روحاً قتالية عالية، وينجحون في التكيف والتأقلم مع خصائص الساحة القتالية، ويأخذون العبر سريعاً من أخطاء الأيام الأولى. لكن على غرار المعارك السابقة، بعد مرور الوقت سيكون هناك مجال لتحقيقات تفصيلية أكثر بهذا الخصوص. مع ذلك، وصلتنا معلومات من ساحات القتال عن حدوث مشاكل وعقبات سببها عدم التمرس في القتال بمناطق مبنية داخل القطاع، ومشاكل أخرى في التخطيط، وقلة التدريب المتخصص بشكل كافٍ، خاصة في القتال تحت الأرض.

إضافة لذلك، في كتيبة "خشب الجوز"، التي خسرت جنديين وأصيب منها أكثر من عشرة، دخل جنود الكتيبة لساحة القتال بدون ستر واقية للرصاص، لتخفيف الوزن الذي يحملونه كي يتمكنوا من التحرك بسرعة أكبر. هناك أيضاً تساؤلات حول الحادث الذي حصل للضباط بمحاذاة الجدار الحدودي، في منطقة "نير عام" و"باري"، والذين كانوا يتجولون بمركبات غير محصنة ضد الرصاص مما أدى إلى إصابتهم برصاص "مخربين" خرجوا من نفقين في المنطقة ذاتها.

لكن مع كل هذا، يبقى الحادث المقلق للغاية هو المتعلق بلواء "غولاني"، الذي قتل خلاله 6 جنود بسقوط صاروخ مباشر، واختفاء الجندي السابع. بعد وقوع الحادث اتضح أن ضباطاً كباراً في هيئة الأركان لم يعلموا أنه تقرر في حينه إدخال ناقلات جنود (M-113) قديمة ومعرضة للضرر إلى أراضي القطاع. وفقط بعد حادث استهداف الجنود أصدرت الجبهة الجنوبية أوامر تمنع ناقلات الجنود من عبور الجدار الحدودي مع غزة.

حاول الجيش الاستفادة من هذه الواقعة للاعتراض على ميزانية وزارة الدفاع، ولكنهم فشلوا في ذلك، لأن الحادثة هنا لم تكن بسبب نقص في التمويل. واستناداً إلى الحقيقة التي تبين أنه تم تزويد الجبهة الجنوبية من الجبهة الشمالية فوراً بعد الحادث بناقلات جنود مدرعة ومحمية، مما يلغي سبب الحادثة هو نقص في الميزانية، وإنما مشكلة في التخطيط وتوزيع القوى.

هآرتس 23/ 7/ 2014

مكة المكرمة