تحقيق خاص| معبر رفح.. السفر لمن يدفع لمصر أكثر وليس لمن يحتاج

الوضع القاسي والحاجة للسفر أجبرت بعض الفلسطينيين على البحث عن مخارج بديلة

الوضع القاسي والحاجة للسفر أجبرت بعض الفلسطينيين على البحث عن مخارج بديلة

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 05-12-2015 الساعة 14:22
غزة - نادر الصفدي - الخليج أونلاين


فور إعلان الجانب المصري، موعد فتح معبر رفح البري والحدودي مع قطاع غزة، عاش أكثر من 45 ألف فلسطيني عالق في القطاع، حالة من "القلق والتخبط"؛ لكون مصيرهم بات معلقاً الآن بين يدي الضباط المصريين العاملين بالجانب الآخر من المعبر.

"بوابة الموت السوداء"، كما يفضل الغزيون أن يسموها، تقف دائماً كسد منيع أمام آلاف الطلبة لتُنهي مستقبلهم الدراسي، والمرضى الذين يسقطون قتلى بسبب تعذر استكمال علاجهم بمصر، في حين أن عائلات شُتت وما تزال تنتظر الكثير ليلتئم شملها من جديد.

الراغبون بالسفر يسجلون أسماءهم عبر مكاتب التسجيل التي تُحددها وزارة الداخلية، لتتم عملية السفر بحسب الدور والحاجة؛ ممّا يعني أن ينتظر المسافر من 9-12 شهراً حتى يحين دوره ليسافر، هذا في حال سمحت له مصر بذلك ولم تقم بإرجاعه، وهذا يعود لـ"مزاج" الضابط المصري المناوب، بحسب سكان محليين من غزة.

- رشى بآلاف الدولارات

الوضع القاسي والحاجة الملحة للسفر أجبرت بعض الفلسطينيين على سلوك طرق أخرى؛ وهي ما تسمى بـ"التنسيق الأمني المصري"، وهذا الاسم للتجميل فقط، لكن الحقيقة هي أن يقوم المسافر بدفع "رشى" لضباط مصريين يعملون بالمعبر لتمكينه فقط من اجتياز أمتار قليلة من المعبر، فلكل أزمة "تجارها وسماسرتها"، كما يرى سكان غزة المحاصرون.

مراسل "الخليج أونلاين" في غزة، التقى بأحد المسؤولين، من "سماسرة" التنسيقات المصرية، الذي فضل عدم ذكر اسمه، قائلاً: "هناك آلاف من الفلسطينيين يجرون تنسيقات مع الجانب المصري، خلال أيام فتح معبر رفح فقط، لتسهيل عملية سفرهم".

وأضاف أبو ناصر: أن "عملية التسجيل المتبعة التي تتم للمسافرين في غزة، تكون لبعض الفئات من الطلبة والمرضى، وغالباً ما يتعذر عليهم السفر ويعانون الأمرين قبل اجتيازهم المعبر، ولكن هناك من يرفض عملية التسجيل ويتجه لإجراء تنسيق أمني مع مصر؛ لضمان سفره في حال فتح المعبر بدفع الأموال".

وأوضح المسؤول الذي يعمل وسيطاً بين الطرفين، أن "هناك ثلاث طرائق يتم خلالها إجراء التنسيق مع مصر؛ أولاها عبر بعض الأشخاص أو مكاتب السفريات بغزة، أو عن طريق الاتصالات المباشرة ببعض الشخصيات المصرية الأمنية أو السياسية المرموقة لتقوم بالتدخل بوضع اسم الشخص المراد للسفر عند جهاز المخابرات المصرية، والطريقة الثالثة وهي الاتصال مع قادة فتح أو السلطة الذين فروا من غزة بعد سيطرة حماس على القطاع في العام 2007".

وحول المبالغ التي تُدفع مقابل الحصول على التنسيق المصري، كشف المسؤول أن "ذلك بحسب الحاجة، فقد يتراوح ثمن التنسيق الواحد بين "2000-5500" دولار أمريكي"، مشيراً إلى أن "الأسعار للطلبة أو التجار تختلف عن المواطنين العاديين".

وتابع في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أنه "في حال كان طالباً يؤخذ على التنسيق للفرد ما يقارب الـ2000 دولار، هذا في حال كان سيتوجه إلى مصر للدارسة، أما إذا كان سيتوجه من مصر لدولة أخرى فيرفع السعر ليتجاوز الـ2700 دولار، أما للتجار فيتجاوز التصريح الـ3500 دولار، أما العائلات فقد يتجاوز الـ5000 دولار للعائلة التي لا يتجاوز عددها 2-5 أفراد".

وكشف أبو ناصر أن "ذلك يتم مباشرة بالتنسيق مع ضباط في الأمن المصري يعملون بمعبر رفح، على أن يدفع نصف المبلغ وفي حال تمت عملية السفر بنجاح، يدفع باقي المبلغ للسمسار أو الوسيط، أو يُسلم للضباط باقي المبلغ داخل المعبر".

وذكر أن "المواطنين الذين يعودون إلى غزة لا يدفعون أموالاً كثيرة، فقط من 100-200 دولار، مقابل تسهيل عملية سفرهم وإيصالهم للجانب الفلسطيني من المعبر، وغالباً ما يكونون عائلات أو تجاراً".

وهنا تجدر الإشارة إلى أن "السلطات المصرية ترفض دخول من لا تنطبق عليهم شروط السفر؛ المتمثلة في أن يكون حاملاً لجواز أجنبي أو إقامة في إحدى الدول، أو الورقة الأقوى وهي دفع الرشوة لأحد العاملين داخل المعبر المصري".

- الأولوية لمن يدفع المال

وأدى الإغلاق التام وشبه الدائم لمعبر رفح إلى ابتزاز ضباط الأمن المصري العاملين في المعبر المسافرين عبر وسطاء، بمنحهم حق السفر في الفتحات القليلة التي يشهدها المعبر، مقابل دفع رشى بآلاف الدولارات.

وكشفت مصادر مصرية في معبر رفح البري، أن "الأولوية في السفر عبر المعبر للحاصلين على تنسيقات مصرية، الذين يدفعون مبالغ مالية تفوق الألفي دولار"، مؤكدة أن "إدارة المعبر من الجانب المصري طالبت الطرف الفلسطيني بتجهيز المسافرين الواردة أسماؤهم في الكشوفات؛ لتسهيل سفرهم قبل بقية المسافرين".

و"التنسيقات المصرية" هو مصطلح يطلق على مسافرين غير مسجلين في كشوف هيئة المعابر الفلسطينية، يتم إرسال أسمائهم في كل يوم يفتح فيه المعبر، ويطلب الجانب المصري من نظيره الفلسطيني تسهيل وصولهم للصالة المصرية فوراً.

مسؤول في معبر رفح أكد أن "إدارة المعبر لا تتدخل في سفر التنسيقات، وإذا ما حاولت منعهم، أو أخرت سفرهم، وهذا حدث في إحدى المرات، فمن الممكن أن يتسبب هذا في عرقلة السفر على معبر رفح، وتأخير دخول المرضى؛ لذلك فهي معنية بتسفيرهم حتى تظل الأمور على المعبر جيدة".

- مصير معلق

أحمد الخالدي، طالب في السنة الرابعة يدرس بإحدى جامعات السويد، أرجعته السلطات المصرية ومنعته من السفر عبر معبر رفح يوم الجمعة، وكان موجوداً برفقة المسؤول "السمسار"؛ للحصول على تنسيق مصري يمكنه من السفر في الفتحة المقبلة للمعبر، قال لمراسل" الخليج أونلاين": إن "السلطات المصرية أرجعتني من المعبر ومنعتني من السفر؛ بحجة عدم اكتمال بعض الأوراق الخاصة بي".

وأضاف الخالدي: "كل الأوراق كاملة، ولكن يبدو أن الضابط المصري أراد بعض الأموال كي يدخلني، والآن أنا موجود هنا من أجل الحصول على تنسيق أمني، يساعدني في اجتياز المعبر لاستكمال دراستي، بعد أن عُلق مصيري الآن وبات بيد الضباط المصريين بالمعبر".

وتابع الخالدي حديثه لـ"الخليج أونلاين": "ما نتعرض له، ولا سيما الطلبة والمرضى، ظلم كبير؛ فمن يملك المال يسافر ومن لا يملك يبقَ عالقاً في غزة، إما أن يموت إذا كان مريضاً، أو يضيع مستقبله ويفقد مقعده الدراسي في الجامعات في الخارج".

وفتحت السلطات المصرية صباح الخميس الماضي، معبر "رفح" لمدة يومين بشكل استثنائي في كلا الاتجاهين، وذلك بعد إغلاق استمر لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة، وهي أطول مدة لإغلاق المعبر في تاريخه، حيث كانت حركة العمل في المعبر بطيئة ولم يتمكن سوى عدد قليل من السفر، ربعهم من أصحاب التنسيقات (من تطلب السلطات المصرية سفرهم بالاسم)، في حين بلغ عدد المسجلين للسفر في كشوف وزارة الداخلية 45 ألف موطن.

وحاول آلاف المسافرين الفلسطينيين وذووهم الغاضبون، مساء الجمعة، اقتحام بوابة معبر "رفح" الحدودي؛ احتجاجاً على بطْء آلية عمل السلطات المصرية في المعبر وعدم سماحها إلا لحافلتين منذ الصباح بالسفر".

- مطالبة بتسليم المعبر للحكومة

قيادي في حركة "فتح" ونائب في المجلس التشريعي، اتهم حركة "حماس" بأنها المتسبب الرئيسي بمعاناة أبناء شعبنا الفلسطيني، على بوابة معبر رفح المصرية.

وأكد فيصل أبو شهلا، لـ"الخليج أونلاين"، أن "رفض حماس تسليم معبر رفح للحكومة الفلسطينية، هو العقبة الأساسية أمام فتح المعبر بصورة طبيعية؛ لكون مصر لا تريد التعامل المباشر مع "حماس"، في إدارة المعبر".

وأضاف أبو شهلا: "ما شهدناه خلال يومي فتح المعبر الماضيين، هو قمة المعاناة والإذلال للمسافرين من الطلبة والمرضى وغيرهم من الحالات الإنسانية، وتمسك حماس بالمعبر لن يزيد الأمر إلا تعقيداً ومأساة أكبر".

وأوضح أن "فتح معبر رفح على مدار يومين، كان حصيلة تفاهمات جرت بين الرئيس عباس ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، والجانب المصري لديه تحفظات على حماس، وأكد أن المعبر لن يتم فتحه بصورة طبيعية إلا إذا استلمت السلطة الفلسطينية أو الحكومة إدارته".

ودعا حركة "حماس" إلى تسليم معبر رفح بشكل فوري إلى السلطة الفلسطينية، للتباحث مع مصر بصورة عاجلة، في كيفية فتح المعبر وإنقاذ أكثر من 45 ألف فلسطيني عالق في قطاع غزة.

- حماس تتهم مصر

حركة "حماس" بدورها، وعلى لسان القيادي فيها إسماعيل الأشقر، اتهمت السلطت المصرية بتعمد "إذلال وإهانة" المسافرين الفلسطينيين عبر معبر رفح، رافضة اتهام حركة "فتح" لـ"حماس" بأنها السبب الرئيسي في إعاقة فتح المعبر.

وقال الأشقر: "إغلاق معبر رفح وحرمان الآلاف من ذوي الحالات الإنسانية من السفر إلى الخارج عبر المعبر، هي عملية إذلال وتعذيب للشعب الفلسطيني في القطاع الذي يرسخ تحت نيران الاحتلال".

مضيفاً: "فتح المعبر بشكل جزئي لمدة يومين بعد إغلاق دام أكثر من 150 يوماً، والسماح لعدد قليل جداً من أصل الآلاف المسجلين كحالات إنسانية من المرضى وذوي الاقامات، هو ترسيخ لتعذيب الشعب الفلسطيني".

وطالب الأشقر الحكومة المصرية بأن "تربأ بنفسها عن تعذيب أبناء شعبنا، وأن تفتح المعبر بما يليق وكرامة الشعب الفلسطيني، وإلا فليغلق المعبر للأبد حتى يتم فتحه بطريقة إنسانية تحافظ على كرامة الناس، ولا تستلذ بعذاباتهم ومعاناتهم".

- سلموا المعابر

في هذا السياق أنشأ نشطاء فلسطينيون على موقعي التواصل الاجتماعى فيسبوك وتويتر، وسماً بعنوان "#سلموا_المعبر" طالبوا فيه حركة حماس بتسليم المعابر للسلطة الوطنية الفلسطينية؛ لضمان فتحه طوال العام.

وتصدر الوسم الترتيب الأول فى فلسطين نتيجة كثرة تداوله من قبل المواطنين الفلسطينيين، الذين نشروا عشرات الصور التى تجسد معاناة المواطن الفلسطيني البسيط والعديد من المرضى، محملين حركة حماس المسؤولية نتيجة ترشيحها لعناصر تابعة لها للمرور، وطلب رشى تصل إلى 4 آلاف دولار عن الشخص الواحد كى تسهل دخوله إلى مصر.

وحمل النشطاء حركتي فتح وحماس مسؤولية ما يجري على معبر رفح البري؛ بسبب الانقسام الداخلى وعدم تحقيق المصالحة الوطنية، إضافة إلى رفض حركة حماس تسليم المعابر لحكومة الوفاق الوطني.

ويعاني قطاع غزة من حصار إسرائيلي مشدد منذ تسعة أعوام، ويعد معبر رفح المنفذ البري الوحيد لأهالي غزة إلى العالم الخارجي، وتغلقه مصر بشكل شبه كامل منذ يوليو/تموز2013، وتفتحه فقط لفترات محدودة جداً لسفر الحالات الإنسانية، حيث فتح المعبر بشكلٍ استثنائي ست مرات فقط خلال عام 2015، ولم تتجاوز عدد ساعات العمل بالمعبر 120 ساعة.

مكة المكرمة