تدريس "العثمانية".. بين "تركيا الجديدة" والانتخابات

الانتخابات النيابية المقبلة ستكون حاسمة لمشروع "تركيا الجديدة"

الانتخابات النيابية المقبلة ستكون حاسمة لمشروع "تركيا الجديدة"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 19-12-2014 الساعة 12:10
إسطنبول - عبد القادر محمد علي - الخليج أونلاين


اختصر عنوان كتاب الأمير شكيب أرسلان "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟" المسألة الأساسية التي شغلت كثيرين منذ "عصر النهضة"، ورغم أن سفن نابليون التي حملت هذا السؤال إلى عالمنا العربي ومن خلفه بقية العالم الإسلامي، عادت مهزومة إلى فرنسا، غير أن هذا لم يعن قط هزيمة السؤال أو تكوين إجابة شافية عنه، فقد ظل سؤالاً حارقاً يؤرق المفكرين والمثقفين والعلماء والسياسيين من يوم ميلاده إلى يومنا هذا.

وقد برزت في محاولة الإجابة عنه اتجاهات وتيارات، أبرزها ثلاثة؛ تيار رافض تماماً للحضارة الغربية بكل ما فيها، وتيار حاول التوفيق بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وتيار ثالث اختار الأخيرة ورأى أن الطريق الوحيد لبلوغ ما بلغه الغرب يفرض علينا خوض تجربته ذاتها، وقطع الارتباط التام بما قبلها. ولعل أبرز من يمثل هذا الفكر في العالم الإسلامي التيار الكمالي في تركيا.

تبنى هذا التيار خطاً علمانياً قومياً مستغرِباً بتطرف، رأى أن الانصراف الكامل عن الماضي بكل معانيه، والانفتاح الكامل على الحضارة الغربية هو الخطوة الوحيدة الممكنة على طريق الإجابة عن السؤال المذكور. فقام باتخاذ عديد من الإجراءات الجذرية على الصعد كافة، يسميها الأتراك، ويا للمصادفة، الانقلاب!، كان من أبرزها إزالة الخلافة وبناء الدولة القومية العلمانية على أنقاضها، ومحاولة صوغ مجتمع جديد بأفكار وثقافة ونظرة جديدة إلى ذاته وإلى العالم، شملت إجراءات صناعة الهوية المستحدثة على المستوى الثقافي، حتى الشكليات من الأمور؛ كاللباس الغربي الذي فرضت قبعته، في حين أُعدم من تمسك بالعمامة أو الطاقية العثمانية، مروراً بأمور أكثر جوهرية، كإتلاف المكتبات العثمانية، وتحويل الأذان إلى اللغة التركية، ومحاولة إقراء القرآن بذات اللغة، ولعل أهم ما يندرج في سياق هذه القطيعة وأدومها أثراً كان قرار أتاتورك (سنة 1928) باستخدام الأحرف اللاتينية في الكتابة، بديلاً عن الأحرف العربية التي كانت تُكتب بها اللغة التركية، والتي سُجل بها التاريخ الحضاري العثماني بأوسع معانيه؛ الثقافية والاجتماعية والسياسية، ومِن خلفه التاريخ الحضاري العربي الإسلامي كاملاً.

أدت هذه الخطوة "الجريئة" إلى تجهيل شعب كامل، وهو ما تعبر عنه السخرية التركية المرّة التي تتساءل عن الشعب الذي أصبح عالِمه جاهلاً في ليلة واحدة، كما أنها فتحت الطريق لتشكيل الأجيال الجديدة التي حلم بها مؤسسو الجمهورية، أجيال منقطعة كلية عن تراثها وماضيها العثماني المشرقي.

ورغم مرور عقود طوال على وفاة الرجل فإن مبادئه التي أقام عليها الجمهورية التركية، ما تزال نصاً مقدساً غير قابل للنقاش عند التيار السياسي الوريث لفكره "الأتاتوركية"، وممثله حزب الشعب الجمهوري. ولكن خارج إطار الورثة، بقيت هذه المبادئ موضع تنازع وسجال سري وعلني بين أطياف مجتمعية وسياسية متعددة، منها حزب العدالة والتنمية الذي خرج برؤية لما يسميه تركيا الجديدة.

تركيا الجديدة

كثيراً ما تتردد المقارنة بين مصطفى كمال أتاتورك ورجب طيب أردوغان؛ كون الرجلين صاحبي مشروع أو رؤية متكاملة الجوانب لتركيا، ولعل المتابع لخطاب حزب العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان يلفت انتباهه أن المفردة الأساسية التي تتكرر دوماً هي "تركيا الجديدة"، التي بلغت الذروة حينما أصبحت شعار حملة أردوغان الرئاسية.

تركيا الجديدة التي بدأت تتبلور على أرض الواقع، هي الإطار الرئيسي الذي يمكن وضع الدعوة إلى تدريس العثمانية في سياقه. تركيا الجديدة، وفق مفهوم العدالة والتنمية، هي تركيا المتصالحة مع ذاتها وتاريخها وتراثها ومحيطها، وهي تركيا التي تدرك حجمها وأوراق قوتها وتحاول البحث عن مصالحها، وإثبات وجودها كقوة سياسية فاعلة في الإقليم والعالم.

الانطلاق إلى المستقبل، وفق فكر العدالة والتنمية، يبدأ من احترام الماضي والتواصل معه، وفي هذا الإطار يحاول العدالة والتنمية إقامة مصالحة بين الدولة التركية وقطاعات عريضة من مواطنيها لطالما شعرت بالغبن نتيجة القرارات العلمانية المستغربِة التي وقع عليها عبء تنفيذها.

في هذا السياق تندرج ملفات أثارت الجدل في البلاد كالمدارس والكليات الشرعية، ولباس المحجبات في مؤسسات الدولة، وأخيراً الدعوة إلى إدراج العثمانية لغة اختيارية في الثانويات غير الشرعية، وإجبارية في الثانويات الشرعية، بالإضافة إلى مشاريع كبيرة تقوم بها مؤسسات متعددة لتحقيق مخطوطات التراث العثماني والعربي، التي تمتلئ بها خزائن الكتب في البلاد، وطباعتها من جديد، وفي ذات الإطار تندرج دعوة أردوغان للمؤسسات التعليمية التركية لإيلاء مساهمات العلماء والأدباء المسلمين أهمية أكبر، ودعوته إلى تعريف الجيل التركي الناشئ بهم، ممتعضاً من الواقع "إن سألتهم عن أينشتاين، فإن أياً منهم يستطيع أن يجيبك، لكن إن سألتهم عن ابن سينا، فإن معظمهم لن يعرفه"، فكل هذا يشي بالجانب الثقافي المتصور لـ"تركيا الجديدة"، وهو المستبطَن في مشروع "تركيا 2023" الذي يطغى الجانب الاقتصادي في الحديث عنه عادة.

ولعل رفض أردوغان الإقامة في القصر الرئاسي الذي بناه وأقام فيه أتاتورك، وسكنه في مبنى كان مخصصاً أصلاً لمجلس الوزراء، يندرج في سياق الانفصال المعنوي عن تركيا القديمة بكل رموزها.

الانتخابات وسر التوقيت

غير أن هذا الاحتفال بتركيا الجديدة والإجراءات المتبعة في الطريق إليها لا ينفي وجود جانب آخر يجيب عن سؤال التوقيت. ففي شهر يونيو/حزيران المقبل ستعقد الانتخابات النيابية في البلاد. وهذه الانتخابات مفصلية في مشروع العدالة والتنمية ومستقبل زعيمه أردوغان. فالطريق إلى تركيا الجديدة سيمر عبر مجلس نيابي جديد يقر دستوراً جديداً للبلاد، كما وعد أردوغان في حملته الانتخابية، قائلاً: "في حال انتخبت رئيساً، فإن إحدى أولوياتنا ستتمثل في إقرار دستور جديد.. ودستور جديد يعني مستقبلاً جديداً".

فلجنة صياغة الدستور التي بدأت مهمتها أواخر 2011 أخفقت في الوصول إلى صيغة دستور جديد متوافق عليه، نتيجة التوازنات الحزبية والاختلافات الجوهرية بين الأحزاب الكبرى تحت قبة المجلس النيابي. هذا الدستور الذي سيشهد تغييرات جوهرية، وسيمثل حلاً لملفات عالقة كملفات الأقليات في البلاد، ولا سيما المسألة الكردية، كما يتوقع فيه تحويل النظام البرلماني المعتمد الآن إلى نظام رئاسي، ومن ثم زيادة صلاحيات الرئيس، وتحديد مدة حكمه القانونية بخمس سنوات مما قد يتيح لأردوغان، إن فاز بفترتين، الاحتفال بمئوية تأسيس الجمهورية 2023، أو الأدق الاحتفال بترسيخ الجمهورية الثانية أو تركيا الجديدة، وهو على سدة السلطة.

ولعل بعضاً من المؤشرات تشي بنوع من العلاقة بين هذا القرار واستعدادات الحزب للانتخابات القادمة، منها ما يُتداول من رفع رواتب موظفي الدولة العام القادم، وما تم فعلاً من رفع لرواتب بعض الشرائح، كأساتذة الجامعات، بعد سنوات طوال من الانتظار، والعاطلين عن العمل، وتخفيض ضريبة الدخل لمن لديه ثلاثة أطفال وزوجته لا تعمل، وكذلك زيادة راتب الأم العاملة التي تلد الولد الثالث، مما يراه كثيرون جزءاً من حملة الحزب الانتخابية التي بدأت مبكراً.

ومما يؤكد هذا أن إثارة رئيس الجمهورية لهذا الموضوع الآن يرفع أسهم حزبه بشكل مضاعف؛ أولاً لأن هذا الأمر يخاطب شرائح ترى في هذا رفعاً جزئياً لظلم تاريخي وقع عليها، كما أن ردة الفعل الانفعالية المتوقعة من أحزاب المعارضة الأتاتوركية تقطع الطريق على أي تعاطف محتمل قد تقدمه الشرائح المذكورة لخصوم العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة.

ولئن كانت الدعوة إلى إقرار تدريس اللغة العثمانية قد مثلت مفاجأة، فإن كثيرين ينتظرون مفاجآت أخرى قد تكون أكبر قبل يونيو/حزيران 2015.

مكة المكرمة