تركيا وإسرائيل.. من التحالف إلى القطيعة

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 19-07-2014 الساعة 07:04
إسطنبول- الخليج أونلاين


انتفضت شوارع مدينة إسطنبول التركية احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وسط حالة التضامن الواسع الذي يبديه المواطنون الأتراك مع الفلسطينيين، ومشاركتهم لهم في رفض العدوان الذي تشنه إسرائيل على قطاع غزة منذ أسبوعين، والذي أدت إلى سقوط 246 شهيداً حتى الآن.

كما قام المتظاهرون بالهجوم على مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول، والسفارة الإسرائيلية في أنقرة وتحطيم واجهتما، وإنزال العلم الإسرائيلي من مبنى السفارة في أنقرة، ورفع العلم الفلسطيني مكانه.

وكانت ردة الفعل الإسرائيلية على هجوم المتظاهرين هي إجلاء عائلات الدبلوماسين من تركيا، وإعادة تخفيض مستوى العلاقات إلى أدنى مستوى تمثيليي، بعد أن شهدت العلاقات بين البلدين انفراجات إثر قرب التوصل لاتفاق تعويض ضحايا سفينة "مافي مرمرة" وتقديم إسرائيل اعتذاراً رسمياً عن ذلك .

مسؤولون في الخارجية الإسرائيلية قالوا إن المظاهرات التركية جاءت بعد الخطب التحريضية التي ألقاها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وعدم قيام الشرطة التركية بواجباتها لمنع أعمال العنف التي شهدتها تلك المظاهرات، والتي أججت العدائية ضد إسرائيل في الشارع التركي.

حالة العدائية هذه لم تكن وليدة اللحظة، بل ظهرت للعلن في المجتمع المحافظ خصوصاً عقب حرب غزة أواخر عام 2008، والمشادة الكلامية الشهيرة بين الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في منتدى دافوس العالمي.

وازدادت مشاعر الكراهية ضد إسرائيل عقب إهانة نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق داني يعالون للسفير التركي "أحمد أوغوز تشليكول"، عندما قام باستدعائه احتجاجاً على عرض مشهد في إحدى المسلسلات التركية الشهيرة، اعتبرته إسرائيل حينها "معادياً للسامية" على حد وصفها.

وانفجرت حالة العدائية والقطيعة بين الدولتين عقب قيام إسرائيل بالاعتداء على أسطول الحرية التركي وقتلها لـ 9 مواطنيين أتراك في المياه الدولية، عندما كان الأسطول متوجهاً لكسر الحصار المفروض على غزة.

زمن التحالف

كانت تركيا، الدولة المسلمة "ذات النظام العلماني"، قد ناهزت النصف قرن وهي حليف إقليمي كبير لإسرائيل، بعد أن وقعتا اتفاقاً للتعاون العسكري والاقتصادي عام 1958 م، ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2010، غدت إسرائيل من بين المصادر الرئيسية لتصدير السلاح إلى تركيا.

ومن أهم العوامل التي جعلت تركيا تتحالف مع إسرائيل هي خشيتها من المد الشيوعي الذي تصاعدت وتيرته في الخمسينات من القرن الماضي، إذ رأت تركيا أن تشكيل نظام دفاعي إقليمي مع المحور العربي في ظل المد القومي "آنذاك" والمقرب من السوفييت، أمر مستحيل.

كما رغبت تركيا في الاستفادة من السلاح الإسرائيلي، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تحديث الجيش، وذلك لمساندتها في النزاع مع اليونان على جزيرة قبرص.

واعتقدت تركيا أن التقارب مع إسرائيل يفتح لها الطريق أمام تدعيم العلاقات التركية– الأمريكية، مما قد يساعدها على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عبر دعم الولايات المتحدة له في ذلك.

أما داخلياً؛ فرأت تركيا أن تعاونها مع إسرائيل يعد جزءاً مهماً من توجهاتها العلمانية التي تقف في مواجهة القوى الأصولية الإسلامية في تركيا.

كما رغبت تركيا "آنذاك" الاستفادة من المساعدات الإسرائيلية لاقتصادها "المهزوز آنذاك"، والاستفادة بما لديها من خبرات تكنلوجية في الصناعة والزراعة والري الحديث.

ووجدت إسرائيل في تركيا بوابة لها نحو منطقة القوقاز ووسط آسيا، وحليفاً يمكن الاعتماد عليه "آنذاك" في مواجهة التهديدات الإقليمية وخصوصاً من إيران وحليفتها سوريا.

وشهد عام 1994 أول زيارة لرئيسة الوزراء التركية "تانسو تشلر" إلى إسرائيل لأول مرة، وبعدها ظهرت الاتفاقيات العسكرية السرية إلى النور فى 1996 بتوقيع الاتفاقية الأمنية العسكرية التي اُعتبرت مخالفة للقانون، لأنها وُقّعت دون موافقة لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان التركي.

وتضمنت الاتفاقية إقامة مناورات مشتركة برية- بحرية- جوية، وتبادل الخبرة في تدريب الطيارين المقاتلين، وتبادل الاستخبارات الأمنية والعسكرية بخصوص المشاكل الحساسة مثل الموقف الإيراني والعراقي والسوري، إضافة إلى تعاون وثيق في صيانة وإحلال وتجديد سلاح الجو ومنظومة الدفاع الجوي التركي، بقيمة تتجاوز مليار دولار.

وبمتقضى هذه الاتفاقية؛ أصبح الطيار الإسرائيلي يتدرب ولأول مرة على الطيران لفترات أطول في الأجواء التركية، مع حرية التحرك لسلاح الجو الإسرائيلي.

ومما لا شك فيه أن هذه الاتفاقية حققت تبادل الخبرات العسكرية والاستخباراتية بين الجانبين، إذ أعلن جربك بير، نائب القيادة المشتركة للقوات المسلحة التركية في إحدى الندوات لمعهد البحوث الاستراتيجية بواشنطن، أن هذه الاتفاقية ساعدت تركيا على تطوير قدراتها العسكرية، كما أنها قد تساعد إسرائيل على تحقيق هدفها الأول في سوريا، وهدفها الثاني في إيران، وأضاف أن تركيا بمقتضى هذه الاتفاقية يمكنها الاستفادة من تجارب إسرائيل الأمنية لحماية حدودها مع العراق، وبالفعل في عام 1997 زار وزير الدفاع التركي إسرائيل، ليتعرف بنفسه على أساليب إسرائيل في هضبة الجولان، لتنفيذها على الحدود التركية العراقية.

وكانت عقود الأسلحة تمثل بين 65 % و 72 % بين الطرفين. ووصل التعاون العسكري في عام 2010 بين تركيا وإسرائيل إلى 2.5 مليار دولار.

أما اقتصادياً؛ فقد شهد حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل تطوراً ملحوظاً، إذ ارتفع من 300 مليون دولار في عام 1997 إلى 3.1 مليارات دولار عام 2010، وفيه بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية لأنقرة ملياراً وربع المليار دولار.

وتفيد معطيات وزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية بأن تركيا كانت تحتل المرتبة السادسة في قائمة الصادرات الإسرائيلية لدول العالم "آنذاك".

ومع وصول حكومة حزب العدالة والتنمية المحافظ للحكم في تركيا 2002، تحولت العلاقات بين إسرائيل وتركيا من "التحالف التبعي" إلى "التحالف الندي" إن جاز التعبير، إذ غدت تركيا دولة محورية مؤثرة في المنطقة، ومتصالحة مع جميع جيرانها بفعل سياسية "الصفر مشاكل" التي اتبعتها.

كما تخلصت تركيا من المعونات الاقتصادية بعد أن أصبحت قوة اقتصادية عالمية، وباتت إلى حد ما تعتمد على نفسها في إنتاج أسلحتها الدفاعية.

ولعبت تركيا دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل عام 2007، واستمرت هذه الوساطة حتى عام 2010، والتي كانت تجري في العاصمة أنقرة التي حققت تقدماً غير مسبوق باعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت نفسه.

زمن الخصومة

كانت حرب غزة أواخر عام 2008 بداية لسلسة من التوترات بين الأتراك والإسرائيلين، إذ إن المشادة الكلامية الشهيرة بين الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في منتدى دافوس العالمي، أدت إلى احتقان في الأوساط السياسية الإسرائيلية، مقابل ترحيب واسع من الشعب والمنظمات المدني التركية المتعاطفة مع غزة.

وزاد التوتر بين البلدين بسبب ما عُرف إعلامياً "بأزمة الكرسي المنخفض" عندما قام داني أيالون نائب وزير الخارجية الإسرائيلي بإهانة أحمد أوغوز تشليكول السفير التركي في تل أبيب، وذلك بإجلاسه أمام الصحافة الإسرائيلية على كرسي منخفض، احتجاجاً على عرض مشهد في إحدى المسلسلات التركية الشهيرة، اعتبرته إسرائيل حينها "معادياً للسامية" على حد وصفها. مما تسبب في استدعاء السفير التركي من تل أبيب، وإرسال مذكرة احتجاج للخارجية الإسرائيلية التي اعتذرت لاحقاً عن الحادثة.

لكن الضربة القاضية التي أدت إلى تدهور العلاقات لمستوى اقترب من القطيعة، هو اعتداء إسرائيل على أسطول الحرية التركي، وقتلها لـ 9 مواطنيين أتراك في المياه الدولية، وكان الأسطول متوجهاً لكسر الحصار المفروض على غزة.

غضبت تركيا كثيراً وطالبت إسرائيل بالإعتذار، وعلقت جميع الاتفاقيات والعلاقات العسكرية والتجارية بين البلدين، وقال أردوغان إن السفن العسكرية التركية ستنشر في البحر المتوسط وسترافق السفن التجارية، وأكد أردوغان أنه لن تعود العلاقات مع إسرائيل ما لم تعتذر لتركيا وتقدم تعويضات مادية لأسر الضحايا.

ولاحقاً أصدرت تركيا مذكرة اعتقال بحق القادة العسكريين الإسرائيلين الذين نفذو الهجوم على أسطول الحرية.

وكانت نقطة التحول في العلاقات الاستخبارية بين الدولتين عندما عين أردوغان في يوليو/ تموز 2010 مستشاره لشؤون إيران هاقان فيدان، والتي تتهمه إسرائيل بالتعاطف مع إيران وحليفتها سوريا، رئيساً للمخابرات الخارجية التركية، وقد عبر وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك عن قلقه الكبير من تعيين هاقان فيدان رئيساً للمخابرات التركية قائلاً: "توجد لنا أسرار كثيرة في أيدي المخابرات التركية الخارجية، ومجرد التفكير بأن هذه الأسرار قد تكون مفتوحة أمام الإيرانيين للاطلاع عليها مقلق للغاية".

وبالفعل؛ قدم فيدان لإيران في عام 2011 أسماء 10 جواسيس إيرانيين لصالح إسرائيل، ما يعد ضربة انتقامية تركية للموساد الإسرائلي.

حتى إن رئيس الموساد السابق مائير داغان قال حسب صحيفة يديعوت أحرنوت، من الأفضل أن نضع هدية في سيارة فيدان، في إشارة إلى اغتياله.

في 22 مارس/ آذار 2013، قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتذاراً رسمياً لنظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال مكالمة هاتفية على الهجوم، وتعهد بدفع التعويضات لأسر الضحايا، مقابل الاتفاق على عدم ملاحقة أي جهة قد تكون مسؤولة عن الحادث قانونياً. واتفق الجانبان على تبادل السفراء وتطبيع العلاقات، وذلك خلال مكالمة هاتفية شجع عليها الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال زيارته إلى إسرائيل في تلك الفترة.

لكن الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على غزة في الـ 9 من يوليو/ تموز الحالي، نسفت جهود المصالحة بين الدولتين، إذ قال أردوغان إنه دون رفع الحصار الإسرائيلي عن غزة "لا يحدثني أحد عن إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل".

وخاطب أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلاً: "يا نتنياهو، طالما أنك تواصل العدوان وإلقاء القنابل على قطاع غزة، ستبقى وحيداً ولن تصبح صديقاً لتركيا يوماً من الأيام؛ طالما أنك تستخدم القوة المفرطة مع الأبرياء العزل والمظلومين في غزة، لن تتمكن إسرائيل من إعادة علاقاتها مع تركيا إلى سابق عهدها".

مستقبل العلاقة

مهما بلغت القطيعة بين إسرائيل وتركيا إلا أنه لا يمكن لها أن تنتهي نهائياً، فبين إسرائيل وتركيا مصالح مشتركة في المنطقة، خصوصاً من جانب الضغط التركي على الفصائل الفلسطينية، والضغط الإسرائيلي على الفصائل الكردية المعادية لتركيا من جهة آخرى.

لكن؛ بالمقابل وفي ظل الرفض الشعبي التركي الواسع لإعادة العلاقات مع إسرائيل، فإن تركيا اتجهت للدول العربية كحليف استراتيجي لها قبيل الثورات، وعززت تحالفها مع النظم الجديدة في دول الربيع العربي، لكن انتكست هذه العلاقة عقب قيام النظام المصري مما خلط الأوراق التركية.

كما أن تركيا تراعي عضويتها في منظمة حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة شمالي الأطلسي، إضافة إلى رغبة تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وبذلك لا تتجاوز خطوطاً معينة أو سياسات قد تؤدي إلى أزمة في علاقاتها مع هذه القوى.

لذلك مهما بلغت التصريحات النارية من أردوغان إعلامياً، والعقوبات التركية على إسرائيل، تبقى شعرة مع إسرائيل لا يسمح أردوغان لها بأن تنقطع، فهو يدرك أن انهيار العلاقات مع إسرائيل من جانبه أن يؤلب عليه العديد من العناصر الداخلية الصديقة لإسرائيل في طبقة السياسيين ورجال الأعمال، وبذلك يمكن أن تؤيد وفق مراقبين إلى عدم استقرار داخل الساحة التركية لا يريد أردوغان الوصول إليه، فأردوغان له هدف استراتيجي بعيد المدى يريد الوصول إليه بسلام، وهو هدف تركيا 2023.

كما أن إسرائيل لا تريد أن تخسر تركيا بالكامل لما في ذلك خسارة استراتيجية أمنية– سياسية– اقتصادية، فإسرائيل منذ تأسيسها تعمل على عقيدة مفادها أنه لا يمكن رهن بقاء قوة إسرائيل على القوة العسكرية الذاتية أو على الدعم الأجنبي الذي يأتي من قارات بعيدة، بل من الضروري أن يكون لها أصدقاء من داخل المنطقة كذلك. فالشراكة والصداقة مع دول شرق أوسطية بالنسبة لإسرائيل حاجة سياسية وعسكرية واقتصادية وسكانية، ففي ظل محيط عربي رافض لإسرائيل، يهدد أمنها بفعل الأزمة في سوريا، وصواريخ حماس، فإنها تستشعر الحاجة إلى سند ترجع إليه وقت الأزمات من داخل المنطقة، وليس من خارجها فحسب.

مكة المكرمة