تركيا وإيران.. هل ينذر الخلاف بانفجار وشيك للشقاق المضمر؟

إيران تعاني من تزايد الضغوط الدولية والإقليمية عليها

إيران تعاني من تزايد الضغوط الدولية والإقليمية عليها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 21-02-2017 الساعة 10:58
هشام منوّر- الخليج أونلاين


على الرغم من العلاقات الاقتصادية القوية التي تربط بين تركيا وإيران وارتفاع حجم التبادل التجاري بشكل سريع بين البلدين، إلا أن "شهر العسل" بين أنقرة وطهران يبدو أنه شارف على الانتهاء.

"أزمة" دبلوماسية يبدو أنها قد اندلعت أخيراً بين تركيا وإيران، وسط توقعات أن تتدحرج كرة الثلج مدفوعة بعوامل جديدة طرأت على المشهد الإقليمي، تتمثل في قدوم إدارة أمريكية جديدة تتشاطر مع أنقرة مخاوفها من "التغول" الإيراني في المنطقة، من جهة، والتقارب التركي الخليجي سياسياً واقتصادياً، من جهة أخرى، وتنامي "المنافسة" بين الجارين اللدودين على كسب ود الدب الروسي وصداقته في إدارة ملفات المنطقة، من جهة ثالثة.

اقرأ أيضاً:

"داعش" يتوعد أقباط مصر ويهدد بقتل قيادات إسلامية

- الأزمة المنفجرة

انفجرت الأزمة بين تركيا وإيران بعد استدعاء وزارة الخارجية الإيرانية السفير التركي لدى طهران، رضا هاكان تكين؛ على خلفية تصريحات أدلى بها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ووزير خارجيته، مولود جاويش أوغلو، عن سعي إيران لـ"التوسع الفارسي"، و"نشر التشيّع" في سوريا والعراق، وتقويض سلامة دول خليجية.

إيران التي تعاني من تزايد الضغوط الدولية والإقليمية عليها بسبب مواقفها في المنطقة، استدعت، بحسب وكالة (مهر) للأنباء الإيرانية، السفير التركي في طهران، وأبلغته اعتراضها الشديد.

الرئيس التركي قال في كلمة له بمعهد السلام الدولي في البحرين: "إن منطقتنا الجغرافية تمثل قدراً مشتركاً. كما فيها ماضينا ومستقبلنا المشترك، وليس هناك أي ضمانة لأن لا يصيبنا مستقبلاً ما يصيب إخوتنا في سوريا والعراق وليبيا اليوم؛ لذلك يجب علينا التحرك عاجلاً وليس آجلاً".

أمّا جاويش أوغلو، فقال في كلمة له خلال ندوة تحت عنوان "الأزمات القديمة والشرق الأوسط الجديد"، على هامش المؤتمر الـ53 للأمن في ميونيخ: "إن الدور الإيراني في المنطقة يزعزع الاستقرار، خاصة أن طهران تسعى لنشر التشيّع في سوريا والعراق".

ووصف وزير الخارجية التركي السياسة التي تتبعها إيران بأنها "طائفية"، تهدف إلى تقويض سلامة البحرين والسعودية، ودول خليجية أخرى.

ودعا جاويش أوغلو طهران لإنهاء الممارسات التي من شأنها زعزعة استقرار المنطقة وأمنها، وهو ما وصفه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، بـ"التصريحات غير البنّاءة".

خطوة إيرانية استدعت رداً تركياً سريعاً، تعهد بها المتحدث باسم الخارجية التركية، حسين مفتي أوغلو، الذي قال إنّه لا يمكن فهم الاتهامات الإيرانية للآخرين أو تقبلها في حين أنها لا تتورع عن إرسال من لجؤوا إليها بسبب الأزمات في المنطقة، إلى ساحات الحروب، وهي المسؤولة عن التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

وأوضح مفتي أوغلو أنّ "إشادة قاسمي (المتحدث باسم الخارجية الإيرانية) بسياسات بلاده الإقليمية ووصفه لتلك السياسات بالعادلة، تتعارض بشكل كبير مع مخاوف الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي من سياسات طهران الإقليمية"، مؤكداً أن "المنتظر من إيران الإقدام على خطوات بنّاءة وإعادة النظر في سياساتها تجاه دول المنطقة، عوضاً عن اتهام الدول التي توجه إليها انتقادات".

- علاقات اقتصادية

انفجار الأزمة بين تركيا وإيران يأتي على الرغم من العلاقات الاقتصادية القوية بينهما؛ فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين إيران وتركيا خلال الفترة من 21 مارس/آذار إلى 21 أكتوبر/تشرين الأول 2016، أكثر من 80 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ونقلت صحيفة "فايننشال تريبيون" الإيرانية الصادرة بالإنجليزية، عن الجمارك الإيرانية قولها، إن إيران صدّرت إلى تركيا خلال هذه الفترة 9.2 ملايين طن من السلع غير النفطية، بقيمة إجمالية تبلغ 3.2 مليارات دولار، مسجلة بذلك ارتفاعاً نسبته 316 في المئة عن 2015.

في حين استوردت إيران من تركيا 987 ألف طن من السلع بقيمة 1.5 مليار دولار، ما يمثل انخفاضاً بنسبة 16 في المئة.

وتشمل الصادرات الإيرانية الى تركيا النحاس والألمنيوم والفولاذ والزنك والمشتقات النفطية والغاز والبطيخ والفستق الحلبي، في حين شملت وارداتها منها الموز والحبوب والتبغ والآلات الصناعية والقطن والخشب والأدوية والورق. وكان البلدان ينويان رفع قيمة التبادل التجاري بينهما إلى 30 مليار دولار بموجب اتفاق ثنائي.

- أسباب الخلاف ونطاقه

ملفات وعوامل متعددة وراء انفجار الأزمة بين البلدين، لا يمكن ردها إلى تصريحات المسؤولين الأتراك حول سياسات إيران في المنطقة فحسب، فهي مجرد "مظهر" و"تعبير" عن بلوغ التوتر بين الطرفين مداه.

قد يرى البعض في زيارة الرئيس التركي إلى ثلاث دول خليجية الأسبوع الماضي مبرراً لقيامه بـ"مجاملات" سياسية على حساب العلاقات التركية الإيرانية، لكن واقع الحال أن التقارب التركي الخليجي بلغ مستويات قياسية، وتنسيقاً كبيراً على مستوى العديد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها سوريا والعراق واليمن وليبيا.

فالعلاقات التركية القطرية في أوجها، ونظيرتها التركية السعودية تعيش أبهى أيامها، وما كان يمثل "سحابة صيف" في العلاقات التركية الإماراتية انقشع مؤخراً مع تبادل السفراء وتوقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية.

والتوافق التركي الخليجي فيما يخص الشأن السياسي، ينسجم مع استياء تركيا من أداء جارتها اللدود دوراً تخريبياً يزعزع استقرار المنطقة ويسيء إلى مبدأ حسن الجوار مع الدول الخليجية، وهو يمس تركيا مباشرة بحكم مجاورتها لكل من سوريا والعراق تحديداً.

- إدارة البيت الأبيض الجديدة

وصول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض شكل "متنفساً" للحكومة التركية التي لطالما تصادمت مع إدارة أوباما السابقة حول رؤيتها لملفات المنطقة، ولا سيما مطالبها إزاء إنشاء منطقة آمنة شمالي سوريا، والمعركة ضد تنظيم الدولة وعدم دعم واشنطن والتحالف الدولي للقوات التركية فيها.

أجندة ترامب التي تضع محاربة تنظيم الدولة كأولوية، وتعتبر إنشاء منطقة آمنة للاجئين السوريين "حاجة ملحة"، انعكست على معركة "درع الفرات" التي يخوضها الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا، وعلى الزيارات السريعة التي دشنها مسؤولون عسكريون وأمنيون أمريكيون إلى أنقرة لبحث خطط القضاء على التنظيم، والتوجه نحو الرقة.

اقتراب أجندة ترامب من المطالب التركية، والاحتمال الأكبر بتنفيذها، جعل الموقف الرسمي التركي أكثر "جرأة" في الجهر برفض السياسات الإيرانية في المنطقة، وهو يزيد من الضغوط الدولية على طهران لتغييرها.

- الملف السوري

رغم ما قد يبدو من "توافق" تركي روسي إيراني حول إيجاد حل سياسي في سوريا، إلا أن الأطراف الثلاثة ليست على "قلب رجل واحد".

فالأتراك والروس ينظرون "بغضب" لمحاولات إيران وأذرعها إفشال مساعيهما في اجتماعات أستانة، عبر الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، ومحاولات طهران فرض أجندتها على أجندة المباحثات السياسية، وربما "فاض الكيل" بأنقرة إزاء تلك الممارسات الإيرانية التي لم تكن أنقرة لتبتلعها على مضض، لولا ضغوط الروس المتكررة.

وبينما يتوسع النفوذ الروسي في المنطقة والعالم، على حساب تراجع قوى تقليدية أمامه، يبرز التنافس التركي الإيراني على كسب ود قيصر روسيا "حافزاً" لمزيد من الشقاق والتباين بينهما، بحكم اختلاف أولويات البلدين ومصالحهما.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قد توقعت نهاية العام الماضي، أن تتجه تركيا وإيران نحو التصادم بسبب انخراطهما في الصراعات العميقة في العراق وسوريا، بوصفهما قوتين رئيسيتين تمثلان السنة والشيعة في المنطقة، وفق ما جاء في مقال نشرته الصحيفة الأمريكية آنذاك.

واعتبرت الصحيفة أن التنافس بين أنقرة وطهران إنما هو تكرار لصراع قديم بينهما، يعود إلى عصر الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية للسيطرة على البلاد المعروفة اليوم باسم العراق وسوريا.

ما بين أنقرة وطهران من الخلاف والشقاق في الملفات السياسية أكبر من أن يتم ترميمه بعلاقات اقتصادية، يمكن للأولى (أنقرة) تعويضها في أماكن أخرى، وإذا كان أول "غيث" الخلاف بين الجانبين تصريحات احتجت طهران عليها، فإن سياق المحاور الجديدة في المنطقة وتبدل التحالفات والأولويات، ينذر بشقاق علني وشيك.

مكة المكرمة