تركي الفيصل للصحافة العبرية..السلام ما يزال ممكناً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 08-07-2014 الساعة 13:09
الخليج اونلاين


في سابقة هي الأولى من نوعها كتب الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، مقالاً في صحيفة هآريتس الإسرائيلية، متحدثاً فيه عن مبادرة السلام.

المقال يأتي في وقت تشهد فيه جهود إحياء عملية السلام الأمريكية جموداً، عقب عدد من الجولات التي قادها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، والتي لم تنجح في تحقيق شيء يذكر، بالإضافة إلى التصعيد والتوتر بين قطاع غزة وإسرائيل.

يقول الفيصل في مقاله: في اللحظات الحالكة والحرجة فإنه من الشجاعة، ليس الحديث عن عقد مؤتمر للسلام، وإنما تخيل ما يمكن أن يكون عليه الوضع في حال تحقيق السلام. ويتجلى هذا الأمر بشكل أكثر صدقاً في الشرق الأوسط، والحديث عن شعبين؛ الفلسطينيين والإسرائيليين. يسعى الفلسطينيون إلى تحقيق حلمهم بإقامة دولة فلسطينية، حيث يمكن أن يكون حل الدولتين وصفة لتجسيد هذا الحلم، وتلبية لطموحات الشعبين الوطنية. كان مثل هذ الحل في قلب رؤية الجمعية العامة للأمم المتحدة التي وضعته في قرار التقسيم عام 1947، غير أن المجتمع الدولي أخفق حينها في تنفيذ ذلك، كما أخفقت عقبها العديد من عمليات السلام، ولم يكن لها وجود على الأرض.

والنتيجة كانت مأساة إنسانية؛ فالفلسطينيون يعيشون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي الظالم، والإسرائيليون محاصرون، وهو وضع يزيد مع الوقت من عزلتهم الدولية. وفي هذا الوقت، أصيبت الدبلوماسية الأمريكية بانتكاسة أكثر من أي وقت مضى، إذ توقفت جهود وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بعد العديد من الجولات التي قام بها لإحياء عملية السلام.. في هذا الوقت يكون من المناسب لأصحاب النيات الحسنة أن يتخيلوا السلام في المنطقة. في العام 2002 اقترح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك السعودية، مبادرة السلام العربية التي اعتمدتها الجامعة العربية، والتي لا تزال توفر قالباً للسلام وصيغة مناسبة للتوصل إلى حل عادل وشامل للصراع الإسرائيلي، ليس فقط مع الفلسطينيين، ولكن أيضاً مع العالم العربي، فثمة اقتناع راسخ بأنه لا حل عسكرياً يستطيع أن يعطي بلدان المنطقة السلام والأمن، وهي جميعاً ترغب بهما.

إن جميع الدول العربية يمكن أن تقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل بمجرد انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو/حزيران عام 1967، والقبول بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، وأيضاً التوصل إلى اتفاق عادل بشأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وفي لبنان والأراضي التي تحتلها إسرائيل يمكن التفاوض حين تكون هناك حكومة لبنانية قادرة على التفاوض. وفي سورية فإن هضبة الجولان يمكن وضعها تحت إدارة الأمم المتحدة حتى يتم تشكيل حكومة جديدة، ومع دعم الولايات المتحدة وجامعة الدول العربية فإنه لا شيء مستحيل.

آمل حقاً أن يتمكن الإسرائيلون من التفاعل مع الخطوات التي اتخذتها الجامعة العربية، ومنها الوفد الذي شكلته في أبريل/نيسان من العام الماضي، وذلك لتفعيل مبادرة السلام العربية وجعلها مبسطة، مع الأخذ بإمكانية إجراء التعديلات، والأخذ أيضاً بما تم التوصل إليه بين الإسرائيليين والفلسطينين في مفاوضاتهم. مثلي مثل آخرين في المنطقة، ما أزال أشعر بالحزن، لماذا لم يكن هناك أي ردة فعل إسرائيلية حيال مبادرة السلام العربية، على الرغم من أن الموافقة العربية على هذه المبادرة ما تزال موجودة منذ 12 عاماً، وأيضاً موافقة قمة منظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي؟

لقد ذهب وفد عربي إلى إسرائيل، مرات عديدة، لتسليم المبادرة مباشرة إلى الشعب الإسرائيلي، رغم أن هناك أصواتاً عربية قالت إن هذه المبادرة لم تعد صالحة ويجب التخلي عنها، ولكننا متمسكون بها وهي ما تزال مطروحة على الطاولة. دعونا نحلم ونتخيل للحظة واحدة، كيف يمكن أن تبدو هذه الأرض بعد الاتفاق بين هؤلاء الناس؟

اسمحوا لي أن أحلم أيضاً، أتخيل أنه يمكن الصعود إلى طائرة من الرياض مباشرة إلى القدس، وأركب حافلة أو سيارة أُجرة، لأنتقل إلى قبة الصخرة أو المسجد الأقصى وأداء صلاة الجمعة، ثم أقوم بزيارة حائط المبكى وكنيسة القيامة، لأقوم في اليوم التالي بزيارة قبر إبراهيم الخليل، وقبور الأنبياء الآخرين عليهم السلام جميعاً. وبعد ذلك يمكن أن أقوم بزيارة إلى بيت لحم ومكان المهد، وأزور مركز متحف المحرقة (ياد فاشيم) الذي كنت قد زرته في واشنطن عندما كنت سفيراً هناك. سأكون مسروراً لا لدعوة الفلسطينيين فقط وإنما لدعوة الإسرائيليين أيضاً إلى زيارة الرياض، حيث يمكن زيارة بيت الأجداد في الدرعية التي عانت على يد إبراهيم باشا نفس مصير القدس على يد نبوخذ نصر والرومان. ولكم أيضاً أن تتخيلوا كيف يمكن للتجارة والطب والعلوم والفن والثقافة أن تتطور بين الشعبين.

البديل، واستمرار الصراع هو ما أخشاه، فالحقائق على أرض الواقع؛ ولا سيما المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تدفعنا إلى القول إنه سيأتي اليوم الذي يكون فيه موضوع حل الدولتين غير ممكن، ومن ثم استمرار الصراع وسفك الدماء، فهل هذا ما تريده حقاً إسرائيل؟ مواصلة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية من قبل المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، يؤدي إلى عدم بقاء أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة. في وقت نتحدث فيه عن حل الدولتين، فإن حكومة إسرائيل تنتهج هذه السياسة التي تخلق بالنتيجة حل الدولة الواحدة، وهو لا يمكن أن يكون حلاً؛ لأنه من الصعب أن نرى ذلك، وهو حل كارثي مع انعدام الحقوق السياسية والاقتصادية والبشرية.

آمل من مؤتمر إسرائيل للسلام الانضمام إلى محاولة تخيل ما يمكن أن تكون عليه المنطقة في ظل السلام، من خلال مبادرة السلام العربية التي هي حجر الأساس.

إنني أتطلع إلى اليوم الذي يكون فيه من الممكن الحضور إلى هذا المؤتمر، وأيضاً إلى اليوم الذي يتمكن الإسرائيليون المشاركون فيه من السفر إلى الرياض والمشاركة في مؤتمرات تساهم في حل العديد من المشاكل الملحة، التي تشكل تحدياً لنا في المنطقة.

مكة المكرمة