تعقيدات لبنان بذكرى اغتيال الحريري والحاجة لاتفاق "طائف" جديد

أرسلت الرياض مؤخراً عدة إشارات على استعدادها التام للوساطة

أرسلت الرياض مؤخراً عدة إشارات على استعدادها التام للوساطة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 15-02-2017 الساعة 22:27
محمد صادق أمين - الخليج أونلاين


قبل 12 عاماً، وتحديداً في الواحدة ظهراً يوم 14 فبراير/شباط 2005، وقع تفجير كبير في منطقة "السان جورج" بالعاصمة اللبنانية بيروت، أودى بحياة رئيس الوزراء رفيق الحريري، السياسي السني القوي، في حادثة اغتيال متهم بها النظام السوري وحليفه حزب الله، وأدت إلى إرباك معادلات لبنان الداخلية والإقليمية.

وفي كل عام بذات التوقيت تضاء الشموع عند ضريح الرجل ومرافقيه الذين قضوا في التفجير، قرب مسجد محمد الأمين؛ حيث تحول إلى محج سياسي تتوافد إليه الشخصيات في المناسبات الوطنية.

- انفراج سياسي

وتمر الذكرى الثانية عشرة هذا العام، ولبنان خرج أو يكاد من أزمة سياسية عصفت بتركة الحريري، وتركته على محج الخلافات طوال أكثر من عقد مضى، في ظل توافق سياسي أتى بعد مرحلة خصومة سياسية حادة بين المكونات الأساسية للمشهد السياسي في لبنان طوال عقد كامل.

إذ أرسى سعد الحريري، نجل الراحل، قواعد توافق استثنائي بعد أن فصل بين كشف حقيقة اغتيال والده المتهم به حزب الله، وبين المسار السياسي، في تنازل أفضى إلى انتخاب ميشال عون (حليف حزب الله الأكبر) رئيساً للبلاد، نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأعادته إلى موقع رئاسة الوزراء.

سعد الحريري صاحب شعارَي "لبنان أولاً" و"العبور إلى الدولة"، يجد نفسه اليوم في وضع إقليمي متأزم لا يُحسد عليه؛ فالملف الأمني الذي ظل بحوزة نظام الأسد لسنوات طويلة، صار بقبضة حليفه الأقوى، حزب الله، الذي تجاوز لبنان ليوغل في الدم السوري، قاطعاً عُرا المنطقة لأجل هلال شيعي ترعاه إيران.

- الدور السعودي في لبنان

تعد السعودية لاعباً مهماً في المشهد اللبناني منذ إسهامها في إخماد الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً، من خلال اتفاق تاريخي جمع الأطراف المتنازعة في 30 سبتمبر/أيلول 1989 في مدينة الطائف، غربي المملكة، وتم إقراره بقانون بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته؛ ما أسدل الستار على حرب دامية أحرقت الأخضر واليابس.

وإذا كانت الحرب الأهلية حينها والاقتتال الداخلي استدعى التدخل السعودي لإيجاد توازن بين المتقاتلين، فإن المشهد اليوم لا يقل تعقيداً عن تلك المرحلة، غير أن حاملي السلاح بالأمس يتصارعون اليوم بأدوات السياسة، وهم فرقاء اليوم، ولكل منهم أجندته الداخلية والإقليمية.. فهل تفرض الساحة وجود اتفاق "طائف ثانٍ"، بوساطة سعودية، ينجح في لم شتات اللبنانيين من جديد؟

- مؤشرات ودلالات

ثمة مؤشرات يمكن الاسترشاد بها للاستدلال على مثل هذه الفرضية، وعلى رأسها الدعم السعودي لترشيح ميشال عون رئيساً للبنان، ورد الأخير على هذا الدعم بأن تكون الرياض أولى محطاته في جولة خليجية أجراها الشهر الماضي، وشملت الدوحة، عاصمة الحلول الوسط والتوافق بين المختلفين في المنطقة.

الثقة التي أبداها عون في القيادة السعودية الحالية، وحرصها على المصلحة اللبنانية، قد تكون عاملاً مهماً في تسهيل مهمتها في جمع اللبنانيين على طائف جديد.

إذ قال الرجل في مقابلة صحفية، إبان الزيارة، عن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز: "وجدت لديه غيرة على لبنان قد تكون أكبر من غيرة بعض اللبنانيين (…) ولم ألمس في توجهاته إلا الخير للبنان".

أيضاً يبدو أن عون يدرك تماماً أن مشكلة لبنان لن تكون إلا بحلول سياسية، في توجه قد يكون عاملاً هاماً في تسهيل جلوس اللبنانيين معاً، إذ أكد في تصريحات صحفية من الرياض أن "الحروب الداخلية لا تنتهي إلا بحل سياسي".

على الجانب الآخر، أرسلت الرياض مؤخراً عدة إشارات على استعدادها التام للوساطة بين اللبنانيين؛ إذ كان له دور كبير، وفق مراقبين، في اتفاق التسوية الأخير الذي أنهى عامين ونصفاً من الفراغ الرئاسي بسبب الصراعات السياسية.

فما إن أعلن سعد الحريري، يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تأييده تولي الجنرال عون منصب الرئاسة اللبنانية، حتى بادرت السعودية إلى دعم الرجل، من خلال زيارة لوزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، هي الأولى من نوعها لوزير سعودي منذ توتر علاقات بلاده مع لبنان.

وآنذاك، نقلت صحيفة "الأخبار" اللبنانية، عن مصادر دبلوماسية وسياسية، أن السعودية "أرسلت السبهان لدعم انتخاب رئيس تكتل التغيير والإصلاح الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية".

ونقلت تقارير صحفية لبنانية عن مقربين من الاتفاق بين الحريري وعون قولهم: إن "التسوية نصت على أن يتوجه ميشال عون بعد إنجاز الاتفاق إلى (بيت الوسط)، وهو ما ترجمه الأخير بزيارته للسعودية، ليحقق ذلك التوازن بين حليفه الداخلي حزب الله صنيعة إيران، وبين القطب السعودي الساعي لتحقيق الاستقرار للمنطقة.

زيارة عون الذي التقى بالملك سلمان وكبار المسؤولين السعوديين، رأى محللون فيها أنها لا تخلو من الدلالات والرسائل الداخلية والإقليمية.

وعنها، قال الكاتب والصحفي اللبناني عبد الرحمن صلاح، لـ"الخليج أونلاين": إن "بوصلة عون تتجه نحو سياسة الحياد، مع التركيز على تطييب العلاقات بالدرجة الأولى مع الجهات التي تمتلك القدرات على التأثير في اقتصاد لبنان، وتحديداً الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".

ورغم المؤشرات السالفة يبقى المشهد اللبناني معقداً تعقيد نظامه السياسي الذي أوصله إلى طرق مسدودة؛ فالمشهد اليوم يواجه عقبة سيطرة "حزب الله" على الملف الأمني، إلى جانب توسع خلاف الحريري مع حزب "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع، رغم تلاقي الطرفين عند ترشيح عون لرئاسة البلاد في تسويتين منفصلتين توحدتا حول انتخابه.

وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، أصبح في الوسط بعد أن كان من أشد المدافعين عن النأي بلبنان عن المحور الإيراني، عقب تلقيه تطمينات أمنية وسياسية من أمين عام حزب الله، بعد أن كان ضمن مشروع "الحرية والسيادة والاستقلال"، الذي قاده "المستقبل"، بزعامة الحريري، و"القوات اللبنانية" و"الاشتراكيون" ضد النظام السوري وحلفائه في لبنان.

وأصبح "حزب الكتائب" خارج السلطة، بعد فشل الرئيس الحريري في حجز مقعد وزاري وازن للكتائب في حكومته الثانية، كما طالت الخلافات البيت السني، وتحول إرث رفيق الحريري إلى مادة تنازع بين سعد الحريري وبين المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي ووزير العدل السابق، أشرف ريفي.

كل هذه التعقيدات تفرض على الساحة وجود اتفاق "طائف جديد"، يعيد للبنان لحمته السياسية، كما فعل اتفاق الطائف الأول قبل عقود، وانتزع من براثن الأسد لحمتهم الاجتماعية التي أطفأت نار الحرب الأهلية.

مكة المكرمة