خريطة السيطرة بين المعارضة والنظام .. والحسم في دمشق

 تسيطر قوات المعارضة على جميع المعابر الحدودية الرئيسية مع تركيا

تسيطر قوات المعارضة على جميع المعابر الحدودية الرئيسية مع تركيا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 18-09-2014 الساعة 17:42
دمشق - عدنان علي - الخليج أونلاين


لم يكن توجه الثورة السورية للعمل المسلح خياراً إرادياً، بل كان اضطرارياً دُفعت إليه نتيجة إصرار النظام على استخدام العنف والقوة في قمع الاحتجاجات السلمية التي خرجت في عموم المدن السورية بعد أحداث مدينة درعا جنوبي البلاد في (18/ 03/ 2011).

وباعتراف رئيس النظام فإن العمل العسكري الحقيقي بدأ بعد أكثر من ستة أشهر من اندلاع الاحتجاجات، والتي قتل خلالها آلاف المدنيين برصاص قوات الأمن واعتقلت عشرات الآلاف.

بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة، بدأت حركة الانشقاقات في الجيش السوري؛ احتجاجاً على زج الجيش في قمع المظاهرات السلمية.

وبدأ العمل المسلح بالانتشار البطيء والبسيط منذ شهر الثورة الرابع، سواء عبر انشقاق عناصر عسكرية عن جيش النظام كوَّنت مجموعات مقاتلة صغيرة، وانتقال جماعات المدنيين إلى العمل العسكري.

وبعد انشقاق المقدم حسين هرموش في محافظة إدلب، حيث أسس "حركة لواء الضباط الأحرار" (قبل أن يختفي في أغسطس/ آب 2011 في ظروف غامضة، حيث اتضح أن قوات النظام اعتقلته مع 13 آخرين). ثم ولد في 29 يوليو/ تموز تنظيمٌ ثانٍ هو الجيش السوري الحر بقيادة العقيد المنشق رياض الأسعد، ليندمج الكيانان لاحقاً باسم الجيش السوري الحر.

والمعركة الحقيقية الأولى التي خاضها الجيش الحر كانت في 27 سبتمبر/ أيلول في الرستن وتلبيسة، واستمرت قرابة أسبوع، وانتهت بانسحاب المقاتلين المنشقين من كلتا المدينتين.

خريطة السيطرة

تشير معطيات مختلفة إلى أن النظام يتشاطر تقريباً السيطرة على أنحاء البلاد مع بقية الفصائل التي تقاتله، أو أن النسبة تميل لقوات المعارضة بشكل طفيف. وفي حين خرجت محافظة الرقة، شرقي البلاد، عن سيطرة النظام بالكامل، فإنه لا يزال يسيطر بالكامل على محافظتي طرطوس في الساحل (أغلبية علوية)، والسويداء في الجنوب (أغلبية درزية)، أما بقية المحافظات الـ 11 فإن ثمة تقاسماً للسيطرة عليها بنسب مختلفة.

وبوجه عام، فإن قوات النظام لا تزال تسيطر على مركز المدينة في كل المحافظات (ما عدا الرقة)، في حين يسيطر مقاتلو المعارضة (بمن فيهم تنظيم الدولة) على معظم الأرياف، فضلاً عن العديد من المدن في المحافظات كافة.

مناطق أرجحية للمعارضة

وإذا نظرنا إلى الواقع الميداني اليوم، فسوف نلاحظ أن سيطرة النظام على مراكز المدن مهددة في عدد من المحافظات، إذ تحولت هذه السيطرة إلى جيب ضيق محاصر بمقاتلي المعارضة من كل الاتجاهات.

ينطبق هذا على مدينة درعا في الجنوب؛ حيث يسيطر مقاتلو المعارضة على مجمل درعا البلد باستثناء حي المنشية، في حين تسيطر قوات النظام على درعا المحطة. وفي ريف المحافظة يسيطر المعارضون على أكثر من ستين بالمئة من المدن والبلدات.

وفي محافظة القنيطرة، وبعد التقدم الذي أحرزته قوات المعارضة في الأسابيع الأخيرة، فإنها باتت تسيطر على نحو ثمانين بالمئة من مساحة المحافظة غير المحتلة من إسرائيل، ولم يتبق بيد النظام سوى بلدتي "البعث" وخان أرنبة في مركز المدينة، فضلاً عن بلدة جباتا الخشب التي تدور فيها اشتباكات بين الجانبين.

وكذلك في محافظة دير الزور الغنية بالنفط والغاز، حيث لا يسيطر النظام إلا على نحو عشرة بالمئة من مساحة المحافظة، ويتمثل وجوده فيها بالمطار العسكري واللواء 137، وبعض الأحياء في مدينة دير الزور؛ مثل الموظفين والجورة والحويقة وقرى في ريف المحافظة الغربي.

وفي محافظة إدلب، تسيطر قوات المعارضة على معظم الريف، في حين أن مدينة إدلب وطريق جبل أريحا-اللاذقية، يقعان تحت سيطرة قوات النظام، في حين تتواصل الاشتباكات بين الجانبين على عدة جبهات.

وفي محافظة حلب، أكبر المدن السورية بعد العاصمة دمشق، تسيطر قوات المعارضة على غالبية ريف حلب الشمالي، إضافة إلى نحو 70 بالمئة من أحياء المدينة، إلا أنها فقدت مؤخراً مناطق في ريف حلب الجنوبي أبرزها محور خناصر-السفيرة-اللواء 80.

كما تسيطر قوات المعارضة على جميع المعابر الحدودية الرئيسية مع تركيا، الواقعة في محافظتي حلب وإدلب، وهي معبرا جرابلس وباب السلامة في حلب، ومعبر باب الهوى في إدلب.

أرجحية للنظام

وبالمقابل، تحتفظ قوات النظام بأرجحية السيطرة في بعض المحافظات. ففي محافظة اللاذقية التي تعد معقل أنصار النظام، تسيطر قوات المعارضة على مساحات محدودة فيها، مثل جبل الأكراد ومناطق سلمى وكنسبا، والتركمان وربيعة، ولا تتجاوز مساحة تلك المناطق 5 بالمئة من مساحة منطقة الساحل ككل، إذا أخذنا بالاعتبار أن النظام يسيطر على كامل محافظة طرطوس الساحلية. وتضم منطقة الساحل غالبية سكان من الطائفة العلوية التي ينحدر منها رأس النظام بشار الأسد وأركان حكمه.

وفي محافظة حمص كانت قوات المعارضة تسيطر على نحو ثلث مساحة مدينة حمص، قبل انسحاب عناصرها منذ أكثر من شهرين باتجاه مدن وبلدات الرستن وتلبيسة والدار الكبيرة في ريف المحافظة الشمالي، في حين أن قوات النظام تسيطر على أبرز مناطق الريف الجنوبي، مثل القصير، التي نجحت في استعادتها مع قوات حزب الله اللبناني العام الماضي.

كما تسيطر قوات النظام أيضاً على عدة مدن وبلدات غرب المحافظة؛ مثل الحصن والجزارة وتلكلخ. وبالمقابل، تسيطر قوات المعارضة على معظم الريف الشرقي للمحافظة.

في محافظة حماة الواقعة وسط البلاد، تسيطر قوات النظام على مركز المدينة وكذلك الحال بالنسبة للريف الغربي للمحافظة الذي يحوي قرى موالية للنظام.

أما بالنسبة للريف الجنوبي الملاصق لحمص فهو بيد الثوار بشكل شبه كامل، كذلك الحال بالنسبة للريف الشمالي الذي يحاول النظام استعادة مناطق فيه من قوات المعارضة، مثل مدينتي مورك وصوران، وقد نجحت قوات المعارضة في استعادة بعض المناطق التي خسرتها في الأيام الأخيرة.

بالنسبة للعاصمة دمشق وريفها، فإن قوات المعارضة وقوات النظام تتقاسمان السيطرة عليها مناصفة تقريباً مع رجحان لكفة المعارضة.

وتسيطر قوات المعارضة على معظم مدن وبلدات ريف دمشق، بالمقابل ما تزال قوات النظام تسيطر على العاصمة دمشق، باستثناء عدد من الأحياء مثل جوبر والقابون وبرزة ومخيم اليرموك التي تسيطر عليهما قوات المعارضة.

في حين أن هنالك بعض المناطق متنازع السيطرة عليها بين الطرفين، مثل منطقة القلمون التي سيطرت قوات النظام على بعض المدن والبلدات فيها مؤخراً مثل النبك وقارة وديرعطية، بعد أن كانت تحت سيطرة المعارضة، ولا تزال تجري في تلك المناطق معارك كر وفر بعد أن أعلن النظام مراراً عن تطهيرها من قوات المعارضة بالتعاون مع مليشيا حزب الله.

الجبهات الساخنة

مناطق الاشتباك اليومي تكاد تشمل معظم الأراضي السورية، لكن الجبهات الساخنة والمتحركة نسبياً تمتد من القنيطرة جنوباً إلى حماة في الوسط، وحلب شمالاً، فضلاً عن المناطق الشرقية التي ينشط فيها تنظيم الدولة ضد قوات النظام والقوات الكردية.

وتعتبر جبهة القنيطرة الأكثر تحركاً؛ فقد استطاعت قوات المعارضة في فترة محدودة نسبياً السيطرة على أكثر من ثمانية بالمئة من محافظة القنيطرة، ويواصلون التحرك لاستكمال السيطرة على كامل المحافظة، وصولاً لتحقيق هدفهم المعلن في التواصل مع ريف دمشق الغربي وفك الحصار المفروض عليه منذ أكثر من عام ونصف العام، خاصة مدينة داريا.

وتحشد قوات النظام في المنطقة الواقعة بين محافظتي دمشق والقنيطرة أعداداً كبيرة من نخبة قواتها في الحرس الجمهوري والوحدات الخاصة والفرقة الرابعة وسرايا الصراع، فضلاً عن مقاتلين من حزب الله والمنظمات العراقية واللجان الشعبية؛ تحسباً لأي تقدم للمعارضين باتجاه دمشق من جهة القنيطرة.

كما تحضر - وفق بعض المصادر - لشن هجمات مضادة في محاولة لاستعادة السيطرة على المناطق التي فقدتها في القنيطرة.

الجبهة الأخرى التي تصاعدت أحداثها في الفترة الأخيرة هي جبهة دمشق وريفها، إذ باغتت قوات المعارضة النظام في الهجوم على بلدة الدخانية الموالية شرق دمشق وسيطرت عليها بالكامل، ما جعل أعداداً كبيرة من سكان الأحياء المجاورة للدخانية والموالية للنظام ينزحون عنها باتجاه مناطقهم الأصلية في السويداء والساحل، في حين توجه السكان المسيحيون إلى مناطق داخل دمشق.

والجبهة الثالثة الناشطة حالياً هي في حماة، وسط البلاد، حيث تدور معارك عنيفة بين قوات النظام بقيادة العقيد سهيل الحسن الذي بات يحظى بشعبية كبيرة في صفوف الموالين، ومقاتلي المعارضة. وتمكنت قوات النظام في الأيام الأخيرة من استعادة قرى وبلدات كانت بحوزة قوات المعارضة منذ عامين، إلا أن الأخيرة قالت إنها استردت بعضها في اليومين الماضيين.

وبطبيعة الحال، فإن جبهة، وبالأحرى جبهات حلب، لا تكاد تغيب يومياً عن نشرات الأخبار، لكن أغلب ما تشهده هو عبارة عن قصف جوي لطائرات النظام على مناطق سيطرة مقاتلي المعارضة في الجهة الشرقية من المدينة أو على ريف حلب الشمالي، سواء الواقع تحت سيطرة الجيش الحر أم تنظيم الدولة، ما يوقع يومياً عشرات القتلى والجرحى، في حين تشهد محاور القتال بين شطري المدينة مراوحة دون حدوث أي اختراق كبير منذ أشهر عديدة.

في شرق البلاد، وبعد أن أوقفت الحملة الدولية اندفاعة تنظيم الدولة للسيطرة على مواقع قوات النظام، حيث كان يتحضر لمهاجمة مطار دير الزور العسكري، بعد طرده لقوات النظام من كامل محافظة الرقة، توجه التنظيم، كما يبدو، لمحاولة انتزاع السيطرة على مناطق تسيطر عليها قوات كردية، سواء في محافظة الحسكة أم ريف حلب الشرقي، وانتزع أمس بالفعل السيطرة على أكثر من عشرين قرية، إثر هجوم مباغت نفذه التنظيم على الريف الغربي لمدينة عين العرب (كوباني)، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي، وسط حالات نزوح بين السكان.

والواقع، أن كلا الطرفين، المعارضة والنظام، يسيطران على نقاط ومواقع استراتيجية هامة في البلاد، حيث يسيطر النظام على معظم أحياء العاصمة دمشق، ومنطقة الساحل الواجهة البحرية الوحيدة للبلاد على البحر المتوسط.

أما المعارضة، فهي تسيطر على معظم آبار النفط والغاز شرقي البلاد، إضافة إلى سد الفرات الاستراتيجي على نهر الفرات في الرقة، وجميع المعابر الحدودية الشمالية مع تركيا والشرقية مع العراق، وبعض المعابر الجنوبية مع الأردن.

وتقاسم السيطرة على هذا النحو، يجعل الحسم العسكري صعب المنال ضمن المعطيات الراهنة، ما لم تحدث تغييرات جوهرية تقلب موازين القوى على الأرض، مثل أن يضم التحالف الدولي النظام السوري إلى قائمة الاستهداف في الحملة الحالية على تنظيم الدولة، أو يقدم للجيش الحر، وعلى نحو عاجل، أسلحة نوعية جديدة، ويرعى عملية توحيد فصائل المعارضة بدل تعميق تشتيتها، عبر تنويع مصادر الدعم وآليات الدعم المباشر التي لا تمر على رئاسة أركان الجيش الحر، ما يجعل ولاء بعض الكتائب لمصادر تمويلها، وليس لقيادة الجيش الحر.

ولعل التحركات العسكرية التي تحيط بدمشق هذه الأيام، والمتوقع أن تتصاعد خلال الأيام المقبلة، عبر الغوطتين الغربية والشرقية، تشكل وعداً كبيراً بتحريك الوضع في العاصمة لغير مصلحة النظام، باعتبار أن سقوط العاصمة يعني سقوط النظام.

وإضافة إلى جبهتي جوبر والدخانية في الغوطة الشرقية، فإن جهود مقاتلي المعارضة لفك الحصار عن الغوطة الغربية قطعت شوطاً ملموساً، سواء عبر طريق القنيطرة أم طريق درعا من جهة غباغب، حيث أفادت معلومات حصل عليها "الخليج أونلاين"، اليوم الخميس، أن الثوار سيطروا على منطقة دير العدس في طريقهم إلى غباغب بمحافظة درعا القريبة من دمشق، ومن ثم الوصول إلى منطقة الكسوة في ريف دمشق، وإذا نجحت هذه الخطط، التي تحتاج إلى دعم حقيقي بالأسلحة النوعية، يصبح مصير النظام في دمشق على المحك، مع الأخذ بالاعتبار أن هناك العديد من كتائب الثوار "الكامنة" جنوبي العاصمة، التي تنتظر لحظة الصفر للانخراط في المعركة، والتي قدمت نموذجاً لإمكاناتها من خلال الاختراق الذي حققته قبل يومين بحي الميدان في قلب العاصمة.

مكة المكرمة