سنة العراق من عهد الاحتلال إلى العبادي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 13-08-2014 الساعة 17:55
محمد صادق


احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية، وإسقاط حكم البعث بقيادة صدام حسين عام 2003، كان نقطة تحول في حاضر المكون السني في العراق ومستقبله، فرفْض العرب السنة ممثلين بتنظيم الإخوان المسلمين، وذراعهم السياسية الحزب الإسلامي العراقي تنظيم (بريطانيا)، الدخول في شراكة مع الأمريكيين وأطياف المعارضة العراقية (شيعة، كرد، أقليات) لاحتلال العراق وإسقاط النظام، ومن ثم مقاومة الاحتلال وإيلامه، كان نقطة تحول مهدت لما يعيشه السنة اليوم من تهميش، وإقصاء، واعتقالات تطال الرجال والنساء، تحت عنوان "الإرهاب"، وبسند قانوني يقدم ذرائع للاعتقال والتعذيب التعسفي تحت لافتة "المخبر السري".

أكثرية الشيعة

بداية تهميش السنة كانت مع إقرار أن العرب الشيعة هم الأكثرية في العراق، وهو ما عملت عليه الماكينة الإعلامية الشيعية طوال ثلاث سنوات سبقت احتلال العراق، انطلاقاً من إيران حاضنة كل فصائل المعارضة الشيعية، والعواصم الأوروبية التي كانت تحتضن المئات من قيادات هذه المعارضة. الأمريكيون عمدوا إلى تحويل هذه التقديرات إلى حقيقة مؤسسية، مع تشكيل سلطة الائتلاف المؤقتة التي ترأسها بول بريمر المعين من الرئيس الأمريكي جورج بوش في 6 مايو/أيار 2003.

وهي أول سلطة مدنية شكلت لإدارة العراق، استندت في حكمها إلى قرار مجلس الأمن رقم 1483 في 2003 حسب قوانين الحرب والاحتلال العسكري المتفَق عليها في الأمم المتحدة، وامتد حكمها من 21 أبريل/نيسان 2003 إلى 28 يونيو/حزيران 2004.

في 13 يوليو/تموز 2003 شكلت سلطة الائتلاف المؤقتة مجلس الحكم في العراق، وهو هيئة محدودة الصلاحيات؛ كتعيين وزراء، وتعيين ممثل للعراق في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى كتابة مسودة دستور، والذي سمي لاحقاً بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية.

المجلس كان محطة أولى لتكريس الطائفية السياسية، وإقرار أن الشيعة أكثرية، بالنظر إلى طريقة تكوينه، وانتماءات أعضائه الـ(25)؛ فالمجلس ضم 13 شيعياً إلى جانب خمسة من السنة، وخمسة من الأكراد، وتركماني واحد ومسيحي واحد.

الثأر الطائفي

كان يمكن أن يكون ما بعد احتلال العراق مرحلة جديدة في عمره؛ لو توفر له نلسون مانديلا ليقود بلداً له مكونات موزاييكية متشعبة، بمنهجية تصالحية تستند إلى رؤية مستقبلية قوامها التعايش، لكن غلبة النفَس الطائفي الذي يستند إلى وقائع تاريخية مختلف عليها، كانت وراء إذكاء روح الانتقام، فمع وصول طلائع الجيش الأمريكي، وحكم الأكثرية الشيعية الذي شكل الجيش، والمؤسسات الأمنية الجديدة، بعد مقاطعة السنة للعملية السياسية، ظهر شعار (يا لثارت الحسين) ليرسم مشهداً مرعباً يوحي بولادة التاريخ الجدلي في أحضان الحاضر، فتحول الشعار إلى عمل مؤسسي ممنهج، بدأ بقرار اجتثاث البعث، بدل التفاوض مع سلطة الاحتلال على إقرار جدول زمني لجلاء القوات الأجنبية وإعادة بناء النظام والأمن وسلطة القانون والمؤسسات الحكومية والمدنية اللازمة للدولة.

اجتثاث البعث ذهب أبعد مما يوحي به العنوان، فقد اتخِذ ذريعة لمحاربة المكون السني، على اعتبار أن قيادات الحزب التي كانت تحكم العراق سنية، مع أن ثقل الشيعة في مؤسساته من ناحية العدد والمناصب لم يكن يقل عن عدد السنة، فصار سيفاً مسلطاً على رقاب العرب السنة، وخصوصاً التيار المعارض، فمورست ضدهم كل أشكال التهميش والإقصاء السياسي، وبلغ الأمر حد تسليط سيف المؤسسات الأمنية التي ملأت السجون من خلال اعتقالات عشوائية، ثم مورست بحقهم أبشع أشكال التعذيب.

الحكومة العراقية تنكر أن تكون سجونها المعلنة مسرحاً لانتهاك حقوق الإنسان، وتقلل في كل مرة من عدد المسجونين، لتصل بهم إلى ما يقل عن 1000 معتقل، مشددة على أنها توفر لهم ظروف الاعتقال الكريمة تمهيداً لمحاكمات تجري وفق الضوابط القانونية.

لكن تقارير أعدتها جهات حقوقية نهاية عام 2013 كشفت عكس ذلك، فقد ذكر "مكتب حقوق الإنسان في حركة تحرير الجنوب"، عن تفاصيل ممارسات التعذيب في السجون، كما رصد بالأرقام أعداد المعتقلين، وأكد أن معظمهم سنة، مقدراً عددهم بـ(42000) سجين، منهم (2401) من الطائفة الشيعية فقط.

تجدر الإشارة إلى أن وزارة العدل العراقية تمنع لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي من زيارة السجون بشكل مفاجئ وتشترط إعلامها مسبقاً بموعد ومكان الزيارة.

حراك شعبي

اعتقال حماية وزير المالية العراقي، القيادي السني البارز رافع العيساوي، يوم الجمعة 21 ديسمبر/كانون الأول 2012، ومداهمة منزله، كان سبباً مباشراً للدعوة إلى التظاهر ضد الحكومة، من قبل زعماء القائمة العراقية، إذ خرج بضعة آلاف من المتظاهرين إلى شوارع الأنبار بعد صلاة الجمعة، وقام المتظاهرون بإغلاق الطريق السريع في الفلوجة، وطالب زعماء سنة بمحاسبة القوات التي قامت بمداهمة منزل العيساوي وإيقاف استهداف الرموز السنة وتوجيه تهم الإرهاب لهم.

كانت هذه الاعتقالات خطوة تمهيدية لإعادة السيناريو الذي تم بموجبه إسقاط نائب رئيس الجمهورية القيادي السني طارق الهاشمي، الذي فر من العراق، وحكم عليه بالإعدام غيابياً، إذ تفاجأ الجميع عندما أعلن ومن خلال وسائل الإعلام عن قيام قوة خاصة بمداهمة منزل العيساوي واعتقال مسؤول حمايته، ومجموعة كبيرة من أفراد الحماية، علماً أنه في الوقت الذي تمت به المداهمة كان يعقد اجتماع لقيادات سياسية سنية في بيت العيساوي، ولم تحترم هذه الشخصيات، وتم حجزهم جميعاً في غرفة واحدة، وتعرض بيت الوزير للتخريب من قبل القوة المهاجمة، بدون أن تراعى حرمة لوزير بوزارة سيادية، وقيادي سني بارز، فبدأ حراك احتجاجي شعبي في محافظة الأنبار مسقط رأس العيساوي، ومنها انتقلت الشرارة إلى محافظة صلاح الدين، ثم تبعتها محافظة نينوى، ثم انتقل الأمر إلى محافظة ديالى، ورافق ذلك تحرك مماثل في كركوك، وفي العاصمة بغداد بذلت الحكومة الكثير من أجل منع التظاهر فيها، إلا أن مجاميع تظاهرت فيها، وانضمت للحراك.

الحراك الشعبي أخذ طابعاً سلمياً، محاكياً ثورات الربيع العربي، إذ انطلقت مظاهرات واعتصامات في المدن المنتفضة، طالبت بإطلاق سراح المعتقلين، خصوصاً النساء، ثم ما لبثت أن رفعت سقف مطالبها، وبلغت حد المطالبة بالدعوة إلى إصلاحات جوهرية في العملية السياسية، وطالب المتظاهرون بإلغاء المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، ورفع الظلم عن العراقيين، والتهميش لأهل السنة.

وقد دعت أطراف محلية ودولية عديدة الحكومة العراقية إلى التعامل بجدية مع مطالب المتظاهرين السلميين، وفتح باب الحوار لتحقيق السلم الاجتماعي وفق أحكام القانون، ومنها الجامعة العربية التي دعت الحكومة إلى إطلاق حوار حقيقي وشامل للمصالحة الوطنية، وهو ما لم تعره الحكومة أي أهمية.

عنف حكومي يؤجج ثورة مسلحة

الحكومة العراقية دعت قادة الحراك السلمي إلى إنهاء العصيان المدني، وهددت بمعاقبة منفذيه، ودعا المالكي المعتصمين من أهالي الأنبار، الذين قطعوا الطريق البري بين العراق والأردن، إلى إنهاء اعتصامهم قبل أن تتدخل الدولة لإنهاء الاعتصام، ووصف المتظاهرين بأبشع الأوصاف، واتهمهم بالعمالة، والولاء للخارج، وقال في مقابلة مع التلفزيون الحكومي: "لقد صبرنا عليكم كثيراً، لكن لا تتوقعوا أن المسألة مفتوحة، ولا تتوقعوا التمرد على الدولة".

بناء على هذه التهديدات، قامت القوات الأمنية بفرض حصار وطوق أمني مشدد على ساحة التظاهر في قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك، وزعمت أن مسلحين مجهولين أطلقوا النار على دورية للجيش بالقرب من ساحة الاعتصام وفروا إلى داخل مخيمات المعتصمين، وهو ما كذبه المتظاهرون، وبعد مطالبة العشائر والمتظاهرين بتسليم مهاجمي الدورية المزعومين، قامت قوات الأمن، فجر يوم الثلاثاء 23 أبريل/نيسان 2013، بمهاجمة ساحة التظاهر والاشتباك مع المعتصمين، ما أدى إلى مقتل 50 متظاهراً، وتم اعتقال نحو 100 شخص.

الحدث أثار غضباً شديداً عند العشائر، فقام مسلحون مجهولون بهجمات متفرقة في مختلف المناطق من شمال غربي وغرب العراق على نقاط ودوريات الجيش والشرطة، فأطلقوا النار على رتل عسكري للجيش في الرمادي، وأحرقوا عجلتين من طراز هامفي، فيما قتل أربعة جنود ومسلحين في هجوم على دورية للجيش في إحدى قرى طوز خورماتو.

تمكن سياسيون، وعلماء دين سنة، من تهدئة الوضع، وإعادة الحراك إلى سلميته لتفويت الفرصة على الحكومة التي تحاول شيطنته، إلا أن الحكومة أعادت الكرّة في محافظة الأنبار، فقد هاجمت الأجهزة الأمنية ساحات الاعتصام، وحرقت خيام المعتصمين، وقتلت واعتقلت العشرات، لتكون هذه الحادثة نقطة التحول من الحراك السلمي إلى الحراك العسكري، إذ خرجت مظاهرات حاشدة في المناطق "السنية" تحت عنوان "جمعة حرق المطالب"، في إشارة إلى تحول المطالب من السلمية إلى الصراع العسكري، إذ أعلن خطيب جمعة الرمادي عن تشكيل جيش تحت اسم "جيش العزة والكرامة"، موضحين أن مهمته الدفاع عن "أهل السنة" في العراق، وأن هذا الجيش سيعتمد على العشائر في إعداده وتسليحه، فيما خرج خطيب الفلوجة مرتدياً الزي العسكري، في إشارة إلى القتال ضد الحكومة العراقية.

عام كامل من الحراك السلمي، شكل اقتحام الجيش لساحات الاعتصام في الرمادي والفلوجة والحويجة، نقطة تحول في مسار الحراك، الذي تحول إلى العمل المسلح، يقوده مجلس ثوار العشائر، الذي سيطر على قضاء الفلوجة، وبعض الأقضية والقرى المجاورة له، وفشلت الحكومة في استعادته على الرغم من الحشود الكبيرة التي وجهت إليه، ثم ما لبث الحراك أن امتد إلى شمالي ووسط العراق، حيث سقطت الموصل في العاشر من يونيو/حزيران الماضي بيد المسلحين، ثم أعقبتها بيجي وتكريت، ومعظم محافظة الأنبار، ليدخل العراق في دوامة من العنف، ويتحول تنظيم "الدولة الإسلامية" بعد إعلانه ما أسماه بـ"الخلافة" إلى شبح مرعب، دفع العالم إلى التحرك، وعادت الطائرات الأمريكية والبريطانية للتحليق في أجواء العراق من جديد لمواجهة التنظيم الذي تحرك باتجاه إقليم كردستان، وقتل وهجر الأقليات من المسيحيين والإيزيديين.

تشكيل الحكومة الجديدة

بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في أبريل/نيسان 2014 انتهت ولاية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الثانية، وكان المالكي اختير لمنصب رئيس الوزراء عام 2006 خلفاً لإبراهيم الجعفري الذي حصلت في عهده الحرب الطائفية التي قتل فيها المئات من أهل السنة، وأحرقت عشرات المساجد، إثر تفجير مرقد يقدسه الشيعة في سامراء، وقد أجمعت القوى السياسية على رفض تجديد ولاية ثانية للجعفري، ليأتي المالكي خلفاً له، مكرساً دكتاتورية الفرد، بحسب حلفائه الشيعة والكرد، ويرسي منهج الطائفية السياسية والإقصاء والتهميش، بحسب معارضيه السنة، وقد رفضت القوى السياسية تجديد ولاية ثانية للمالكي عام 2010، إلا أن ضغوطاً أمريكية وإيرانية مورست على القوى السياسية أدت إلى اختياره رئيساً للوزراء لولاية ثانية، على الرغم من تقدم تحالف قوى سياسية يقودها رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي على قائمة المالكي آنذاك.

ولم يتوقف طموح المالكي عند هذا الحد، بل أصر على أن يجدد لنفسه ولاية ثالثة، على الرغم من كل الاعتراضات التي أثيرت وتثار حول أدائه خلال ثمان سنوات، وتأكيد مراقبين أن استمراره في الحكم بالنهج نفسه سيؤدي إلى تمزيق وحدة العراق، إذ يسعى الأكراد للانفصال، ويطالب السنة بإقليم يحميهم من تغول الحكومة المركزية بمنهجيتها الطائفية.

القوى السياسية العراقية على اختلاف أطيافها وحدت صفوفها في مواجهة مساعي المالكي، واتفقت على إقصائه، وفي صبيحة يوم الاثنين (11/ 08)، كلف رئيس الجمهورية العراقية فؤاد معصوم القيادي في التحالف الوطني الشيعي حيدر العبادي بتشكيل الحكومة الجديدة، ليسدل الستار على حقبة المالكي، وهو ما حظي بدعم محلي، وعربي، ودولي، وأنعش الآمال بتحولات في مسار السياسة العراقية.

القوى السياسية السنية أعربت عن دعم ترشيح العبادي، فقد أعلن أكثر من طرف عن الأمل في أن تقود الحكومة الجديدة التغيير في مؤسسات الدولة، وطالبت بـأن يتضمن برنامجها الحكومي البدء سريعاً في تنفيذ المطالب والحقوق الشعبية المشروعة التي رفعها المتظاهرون، والبدء بمصالحة وطنية حقيقية لا تقصي أحداً، داعين إلى إعادة النظر في الأمور التي أثرت سلباً في اللحمة الوطنية، لا سيما قوانين اجتثاث البعث، والمخبر السري، مع ضرورة تعديل قانون مكافحة الإرهاب، وإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء بالسرعة الممكنة، وتعويضهم عن مدة اعتقالهم، وبناء مؤسسات الدولة، لا سيما الأمنية منها، على أساس الكفاءة والمهنية والاختصاص.

فهل ستكون مرحلة العبادي مختلفة عن مرحلة المالكي؟

مكة المكرمة