سوريون من أكسراي إلى أوروبا.. رحلة عذاب بحثاً عن المستقبل

تتواصل عمليات الهجرة بسبب الأوضاع الأمنية التي تعيشها سوريا

تتواصل عمليات الهجرة بسبب الأوضاع الأمنية التي تعيشها سوريا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 28-09-2014 الساعة 09:21
إسطنبول- عدنان علي – الخليج أونلاين


تعتبر ساحة أكسراي، في مدينة إسطنبول التركية، أحد أبرز الأماكن التي يلتقي فيها المهربون مع الباحثين عن طريقة للوصول إلى أوروبا، وأبرز زبائن هؤلاء المهربين اليوم هم القادمون من سوريا، من السوريين والفلسطينيين الذين يحضرون إلى المدينة إما من سوريا مباشرة أو عبر لبنان، أو حتى من الأردن وبلدان الخليج.

يلتقي المهرب مع "الزبون" بناء على موعد مسبق بالهاتف، حيث يكون طالب السفر أجرى بحثاً مبدئياً عن "مهرّب موثوق" بمساعدة من معارفه وأصدقائه، جلسة التفاهم تكون غالباً في أحد المقاهي المنتشرة في المنطقة، وإن كان بعض المهربين لا يفضلون دخول المقاهي؛ لاعتقادهم أنها مراقبة أو غير آمنة، التفاهم بين الطرفين يتم على عدة نقاط، أهمها: طريقة السفر، وموعد السفر، والمقابل المادي الذي يطلبه المهرب.

التهريب بحراً

تتنوع طرق التهريب بحراً وجواً وبراً؛ بحسب "اختصاص المهرب"، وبحسب طلب الزبون وإمكاناته، وبحسب الطرق السالكة لحظة الاتفاق.

يتدفق يومياً عشرات السوريين، ونسبة أقل من الفلسطينيين المقيمين في سوريا إلى تركيا، بحثاً عن طريق إلى أوروبا، بعد أن تدبروا مبلغاً من المال عادة ما يكون هو كل ما يملكون، وغالباً ما يكون جزء منه تمت استدانته من أقرباء أو أصدقاء، بحثاً عن حياة فيها أمل، أو خوفاً من مصير مجهول ينتظرهم في سوريا، أو محاولة لتأمين أنفسهم وأولادهم من مخاطر محدقة يرونها كل يوم بأعينهم.

أشهر الطرق هذه الأيام هي التهريب عن طريق البحر؛ إذ تنطلق بعض المراكب، التي يسميها المهربون: "سفينة" أو يختاً سياحياً، من إحدى المدن التركية الساحلية باتجاه إيطاليا، مقابل مبلغ يتراوح بين 6000 و7000 دولار للشخص الكبير، ونصفه للصغير دون عشر سنوات.

تبدأ عملية تجميع العشرات من المهاجرين طالبي اللجوء لعدة أيام في مكانٍ ناءٍ بعيد عن الأعين في الدولة التي سينطلق منها القارب، وغالباً ما يكون مكاناً ريفياً أو جبلياً بعيداً عن نقطة الانطلاق على الشاطئ، وبعد أن يكتمل العدد المطلوب يوضع الجميع في حافلة كبيرة تسلك طرقاً وعرة لا يعرفها إلا المهربون، ثم تصل بهم الحافلة إلى الشاطئ بالقرب من القارب الذي سيشق بهم أمواج البحر، أو يتم تجميعهم في مكان ما وسط المدينة لتحملهم شاحنة مغلقة لا تفتح أبوابها إلا وسط غابة ليلاً ينحدرون منها خفية باتجاه الساحل، حيث ينتظرون وصول المركب الذي ينطلق بهم، بحدود الثالثة أو الرابعة فجراً.

هذا الطريق ليس سهلاً أو متاحاً في كل الأوقات، بالنظر إلى الرقابة التي تفرضها السلطات التركية على سواحلها؛ إذ يصعب تحميل نحو 200 راكب دون أن يلاحظهم أحد، فضلاً عن المخاطر التي تحملها هذه الرحلة بالنظر إلى المدة الطويلة نسبياً التي يتطلبها وصول المركب إلى إيطاليا، وتتراوح بين ستة أيام وثمانية وربما أكثر، وعادة ما تنتهي الرحلة بتدخل سفن حربية إيطالية أو سفن تجارية عابرة، لإنقاذ مركب المهاجرين الذي يكون في حالة يرثى لها بعد إبحاره لعدة أيام، إذ يتعطل عادة محركه، أو ينفد الوقود والطعام والمياه.

وفي عديد من الحالات تتعرض هذه المراكب للغرق قبل وصول سفن الإنقاذ، خاصة تلك التي تأتي من ليبيا أو مصر بالطريقة نفسها؛ أي حشر أكثر من مئتي شخص على مركب لا يتعدى طوله 25 متراً، مع وضع كثير من الأشخاص في غرفة المحرك وإغلاق المنافذ عليهم، ما يعرضهم للاختناق في كثير من الحالات، أو يحاولون الصعود عنوة أمام ممانعة المهربين على متن المركب الذين كثيراً ما يستخدمون العنف لإجبارهم على البقاء في الغرفة.

يقول أحد المهربين، ويدعى "أبو يزن"، دون أن يعرف أنه يتحدث لـ"الخليج أونلاين"، إن التدافع الذي يتم على متن المركب نتيجة المشادات بين ركابه والمهربين، أو بين الركاب أنفسهم نتيجة ضيق المكان، هو المسؤول الرئيسي عن غرق المراكب؛ إذ يندفع عدد كبير من الركاب باتجاه واحد، ما يؤدي إلى ميلان المركب وغرقه.

ويضيف أبو يزن أن السبب الآخر لغرق المراكب هو "الأمواج المتلاطمة والرياح التي تهب خلال الرحلة، وصغر حجم المركب، واكتظاظه الشديد، إضافة إلى حالات تعطل محرك المركب، وعدم وجود محرك إضافي، أو توهان المركب وقطعه مسافات إضافية ما يؤدي إلى نفاد الوقود"، مشيراً إلى أنه "في كلتا الحالتين يتوقف المركب في عرض البحر بانتظار مرور أية باخرة عابرة لإنقاذ ركابه، أو إرشاد سفن الإنقاذ إليهم".

ويلفت المهرب إلى أن الأسوأ من هذا عندما تتعطل أجهزة الهاتف لدى الركاب بسبب نفاد شحن البطارية، إذ ينقطعون تماماً عن أي تواصل مع العالم الخارجي، بحسب قوله، منبهاً إلى أن "الطريق البحري الآخر من تركيا باتجاه اليونان، وهي رحلة تستغرق من نصف ساعة إلى 14 ساعة حسب نوع المركب ونقطة الانطلاق"، موضحاً أن هذا الطريق يظل أكثر أماناً من طريق إيطاليا بالنظر إلى قصر المسافة وقلة مدة الإبحار.

واستطرد قائلاً: "لكن كلفته ما بين 1500 دولار لمن يسافر عبر قارب مطاطي صغير يدعى ( البلم)، و3800 يورو لمن يختار الإبحار عبر يخت سياحي مع مجموعة صغيرة لا تزيد على ثمانية أشخاص بوقت لا يتجاوز ساعة واحدة، وصولاً إلى إحدى الجزر اليونانية القريبة".

ويصف الوصول إلى اليونان براً بأنها "رحلة شاقة، وغالباً ما تنتهي بالفشل، ويقدم عليها عادة أشخاص مغامرون لا يملكون مالاً كافياً للسفر عبر البحر، خاصة بعد أن شددت اليونان إجراءات الرقابة على حدودها البرية".

إلى ذلك، يروي أبو عصام، وهو رجل خمسيني من مدينة إدلب، جرب الكثير من الطرق في محاولاته الوصول إلى اليونان، أنه ومجموعة من الشبان أضاعوا الطريق، برغم وجود نظام تحديد المواقع (GPS) معهم عندما حاولوا الوصول براً ومشوا لساعات في غابات وأراض طينية، دون أن تلوح لهم أية قرية يونانية، فاختاروا الرجوع خشية أن يهلكوا على الطريق دون أن يدري بهم أحد.

وفضلاً عن الطريق البحري، ينتقل بعض الأشخاص ممن لديهم سيولة مالية أكبر، أو ممن يخافون ركوب البحر، عبر الجو، بحسب أبو عصام، الذي أضاف: "هي عملية معقدة، تعتمد على جوازات سفر مزورة عربية أو أوروبية، لكن كثيراً ما تتكلل بالإخفاق، بسبب تشديد الإجراءات في المطارات التركية في الآونة الأخيرة"، لافتاً إلى أن تكلفة العملية هذه "تتراوح بين 8000 و13 ألف يورو".

رحلة أخرى لخارج اليونان

الوصول إلى اليونان يعني قطع نصف الطريق إلى أوروبا، لكن في هذا البلد كثير من الأشخاص علقوا هناك أسابيع وأشهراً، وبعضهم عادوا أدراجهم بعد أن نفدت أموالهم، أو تعرضوا للاحتيال، أو اختاروا البقاء هناك بانتظار فرج ما.

ويواصل أبو عصام حديثه: "حالما يرمي المركب ركابه في إحدى الجزر اليونانية القريبة من تركيا، ويعود أدراجه مسرعاً قبل أن يكتشف أمره خفر السواحل اليوناني، ينطلق الركاب، وهم عادة بين 30 و80 شخصاً، هائمين على وجوههم بعد أن يقسموا أنفسهم عدة مجموعات، إن كانوا لا يريدون تسليم أنفسهم للشرطة اليونانية بحثاً عن وسيلة للوصول إلى العاصمة أثينا، فينجح بعضهم بالوصول، وتلقي الشرطة القبض على آخرين، وهم يحاولون استخدام وسائط النقل العامة مثل الحافلات أو السفن".

ويشير إلى أن آخرين يختصرون الأمر ويسلمون أنفسهم لأقرب مركز شرطة يصادفونه، فيتم أخذهم إلى معسكر أو مخيم خاص باللاجئين وأحياناً يكون تابعاً للجيش اليوناني، "وهذا من سوء الحظ في هذه الحالة؛ لأن ذلك يعني بقاءهم لفترة أطول في المعسكر، لكن في الأحوال العادية يحتجزون ليومين أو ثلاثة ريثما تنتهي إجراءات الفحص والتحقيق، ثم يتسلمون ورقة طرد من الأراضي اليونانية تلزمهم بالمغادرة خلال ستة أشهر، فينطلقون من فورهم باتجاه العاصمة أثينا، وهناك تبدأ رحلة البحث عن مهرّب لمغادرة اليونان باتجاه أحد البلدان الأوروبية".

الطريقة الأكثر شيوعاً هي استخدام هوية يونانية، مضروبة (مزورة)، يمكن للشخص أن يشتريها بنحو 200 يورو، إضافة إلى شراء تذكرة الطائرة بنحو 400 يورو مثلاً، فيجرب الشخص حظه إذا كان شكله يساعده؛ أي "يشبه الأوروبيين"، على حد قول أبي عصام، الذي أضاف: "وإلا فانه يلجأ للمهرّب، ويدفع له مبلغاً من المال متفقاً عليه يتراوح بين 3000 و8000 يورو، لكي يتعهد بتسفيره، على المضمون؛ أي التجريب، في هذه الحالة، يكون على حساب المهرب، مهما بلغت حالات الإخفاق، ضمن المبلغ المتفق عليه".

ومن الأمور التي تساعد هنا، إضافة إلى شكل الشخص ومظهره، أن يتقن اللغة الإنكليزية أو يتدبر أمره فيها، إضافة إلى قدرته على ضبط النفس والتصرف بثقة دون ارتباك داخل المطار، وفق ما يرويه أبو عصام، وإلا فسوف ينكشف أمره، وتصادر وثيقته المزورة، ليعود إلى محاولة جديدة بعد أيام، مشيراً إلى أنه في اليونان، كما في تركيا، الطرق الأخرى متاحة أيضاً؛ أي الانتقال عبر باخرة بحرية، أو في شاحنات براً باتجاه إحدى الدول الأوروبية، وهي طريقة متعبة أكثر وحظوظها أقل.

انعدام الطرق المشروعة

تقول مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي سيسليا مالمستروم: إن المهاجرين يستقلون سفناً متهالكة في رحلات خطيرة للغاية بسبب انعدام الوسائل المشروعة تقريباً للوصول إلى أوروبا، وطالبت بزيادة عمليات إعادة التوطين باعتبارها إحدى الطرق المشروعة للوصول إلى أوروبا بطريقة آمنة.

وأكدت مالمستروم ضرورة أن تقدم أوروبا بديلاً قانونياً للمهاجرين الذين يخاطرون بأرواحهم للوصول إليها عبر البحر، مشيرة إلى أن جيران سوريا يستضيفون أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ شردتهم الحرب في هذا البلد، في حين لم تستقبل أوروبا إلا أكثر بقليل من 100 ألف لاجئ سوري، معظمهم في السويد وألمانيا.

ويقول التقرير السنوي للمكتب الأوروبي لدعم اللجوء: إن عدد الأشخاص الذين تقدموا بطلبات للجوء في الاتحاد الأوروبي، ارتفع 30 في المئة إلى 435760 في العام 2013، وهو أعلى رقم منذ أن بدأ الاتحاد تجميع البيانات في 2008 .

ويفصل التقرير أرقام لجوء السوريين كما يلي:

منذ بداية النزاع لجأ نحو 123.600 سوري إلى أوروبا، من بينهم 112.170 شخصاً إلى الاتحاد الأوروبي، والنرويج وسويسرا؛ أي ما يعادل ثلاثة بالمئة من إجمالي اللاجئين السوريين خارج بلادهم، والذين يقدر عددهم اليوم بنحو 4 ملايين لاجئ.

وقد قدم 6.400 سوري طلبات لجوء في أنحاء أوروبا كافة في العام 2011، و23.400 آخرون في العام 2012، و51.500 في العام 2013، و30.700 من يناير/ كانون الثاني إلى مايو/أيار من العام 2014، وفي الاتحاد الأوروبي، يتركّز طالبو اللجوء السوريون بشكل أساسي في دول قليلة؛ إذ تلقت السويد وألمانيا 56 في المئة من جميع طلبات اللجوء الجديدة للسوريين، وتلقّت البلدان الخمسة الأكثر استقبالاً للاجئين (السويد، وألمانيا، وبلغاريا، وسويسرا، وهولندا) 70 في المئة تقريباً.

وتؤكد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 500 مهاجر لاقوا حتفهم حتى الآن هذا العام في البحر المتوسط.

وقد شهدت السنتان الأخيرتان حوادث غرق مراكب عدة لمهاجرين سوريين على الشواطئ المصرية والإيطالية والتركية والبلغارية، بعضها أعلن عنها وبعضها الآخر لم تعرف تفاصيلها أو هويات المهاجرين.

وتسلط تقارير حقوقية أوروبية الضوء على بعض الثغرات والممارسات المثيرة للقلق مثل صد اللاجئين عند الحدود البرية والبحرية، لدول مثل بلغاريا وقبرص واليونان وإسبانيا، وألبانيا ومونتينيغرو وروسيا الاتحادية وصربيا وأوكرانيا، بالإضافة إلى الوصول البطيء إلى إجراءات اللجوء الفعالة، وشروط الاستقبال غير المناسبة، وتكدّس إجراءات اللجوء، والعوائق أمام لمّ شمل العائلة، والنقص في آليات تعرف طالبي اللجوء الأكثر ضعفاً ومساعدتهم.

مكة المكرمة