شبه جزيرة سيناء.. مستقبل غامض وتصعيد عسكري مقلق

المدنيون يتهمون الجيش بقتلهم خارج القانون

المدنيون يتهمون الجيش بقتلهم خارج القانون

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 23-03-2017 الساعة 20:49
القاهرة - الخليج أونلاين (خاص)


منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، تعيش شبه جزيرة سيناء على وقع قتال مستمر بين الجماعات المسلحة وقوات الجيش والشرطة المصرية، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً كبيراً في الهجمات التي يشنها المسلحون ضد القوات الحكومية، ما أسفر عن سقوط نحو 13 قتيلاً على الأقل، بينهم ضبَّاط في الجيش والشرطة.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، سقط مئات من المجندين والضبَّاط بين قتيل وجريح، في حين يفرض الجيش، الذي يعلن قتل عشرات المسلحين بشكل دائم، سرية كبيرة على ما يجري في المنطقة التي أعلنها منطقة حرب عام 2015. لكن الأكيد أن الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري شهدت تطورات كبيرة على المستوى الميداني.

وفي تطور جديد، قُتل عشرة من أفراد الجيش، بينهم ثلاثة ضباط، خلال مداهمة "بؤر إرهابية" في شمال سيناء، حسب ما أعلنه المتحدث العسكري المصري، الخميس 23 مارس/ آذار 2017. وقد تبنى تنظيم ولاية سيناء، التابع لتنظيم الدولة، العملية في وقت لاحق الخميس.

هؤلاء القتلى سقطوا بعد 12 يوماً من مقتل ضابطي شرطة وعدد من المجندين في انفجار آلية عسكرية على الطريق الساحلي بمدينة العريش (شمالي سيناء)، وذلك بعد يوم واحد من مقتل مسؤول أمني بارز، من جراء تفجير مدرعة بعبوة ناسفة زرعها مجهولون، بالمدينة نفسها.

- تصعيد وتكتم

ولا يمكن التحقق من الأرقام التي يعلنها الجيش من مصادر مستقلة؛ بسبب القيود الأمنية المشددة التي يفرضها في شمال سيناء، والتي تحول دون التغطية الصحفية المباشرة للهجمات والاشتباكات.

وينشط في شمال سيناء عدد من التنظيمات، أبرزها أنصار بيت المقدس، الذي أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 مبايعة تنظيم الدولة، وغيَّر اسمه لاحقاً إلى "ولاية سيناء".

هذه العمليات من قبل المسلحين تتزامن مع تصعيد كبير من قبل الجيش والشرطة للعمليات التي تقول الحكومة إنها تستهدف المسلحين، في حين تتهم منظمات حقوقية القوات الحكومية بالتورط في قتل مدنيين خلال هذه العمليات، وهو ما يكرره بعض سكان المدينة الذين سبق أن اتهموا الجيش بتصفية أبنائهم.

في السابع عشر من الشهر الجاري، ألمحت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية إلى احتمال تورط قوات الأمن المصرية في إعدام ما بين 4 و10 رجال خارج إطار القانون.

وقالت المنظمة، في تقرير: إن قوات الأمن "قد تكون احتجزت هؤلاء الأشخاص تعسفاً وأخفتهم قسراً ثم لفّقت المداهمة لتغطية الإعدامات".

وتُظهر هذه الإعدامات من دون محاكمة أن القوى الأمنية تتمتع بحصانة تامة في شبه جزيرة سيناء في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، بحسب جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، الذي طالب النيابة العامة بـ"القيام بتحقيقات شاملة وشفافة لإظهار حقيقة ما يمكن أن يكون انتهاكاً جسيماً".

ومنذ سبتمبر/أيلول 2013 تشن قوات مشتركة من الجيش والشرطة المصرية أوسع حملة عسكرية منذ حرب 1973؛ لتعقب ما تصفها بالعناصر "الإرهابية" و"التكفيرية" في سيناء، والتي تتهمها السلطات بالوقوف وراء استهداف عناصر الجيش والشرطة.

اقرأ أيضاً

قطر تدين بشدة هجوم سيناء وتؤكد رفضها العنف والإرهاب

- نزوح

في أواخر فبراير/ شباط، بدأت الأسر المسيحية عملية نزوح من محافظة شمال سيناء، إثر سلسلة هجمات استهدفتهم هناك، وقالت الكنيسة المصرية في بيان إن عدد الأسر المسيحية النازحة من سيناء وصل إلى ثمانين أسرة، في حين أعلن محافظ الإسماعيلية أن إجمالي عدد النازحين بلغ 332 مواطناً.

موجة النزوح طالت أسراً مسلمة أيضاً، لكن وسائل الإعلام الموالية للنظام في مصر لم تسلط الضوء على هؤلاء، تجنباً لإغضاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يصر على إلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين، برأي نشطاء.

ويتهم نشطاء سيناويون على مواقع التواصل قوات الجيش باستهداف المنازل وقتل المدنيين بشكل مستمر، وهو ما تنفيه الحكومة بشكل دائم.

الصفحة الرسمية لموقع "سيناء 24"، قالت، الخميس 23 مارس/ آذار 2017، إن قصفاً جوياً استهدف منزلاً في منطقة الشلالفة جنوبي رفح، مؤكدة عدم وجود إصابات بسبب خلو المنزل من السكان.

كما نقل الموقع نفسه عن مهندس في شركة الكهرباء، أن سائقاً قُتل وأصيب 8 آخرون من العاملين بالشركة، بينهم مدير هندسة كهرباء الشيخ زويد، والمقاول المسؤول عن إصلاح "خط الجهد العالي 66"؛ بعد استهداف الجيش لهم بقذائف المدفعية جنوب العريش.

ولا يقتصر الأمر على الجيش والشرطة فقط، فالجماعات المسلحة هي الأخرى تمارس قتلاً واعتقالات بحق المدنيين الذين يصمونهم بـ"العمالة" للجيش، وتعج مواقع التواصل بصور هؤلاء القتلى.

وفي 8 مارس/ آذار، نقلت صحيفة "الحياة" السعودية، عن سكان وشهود عيان، أن مسلحين مجهولين قتلوا سائق حافلة تقُل مُعلمين في "بئر لحفن" بوسط سيناء. يأتي هذا بالرغم من أن المُعلمين ينتقلون إلى مدارس وسط وشمال سيناء في حافلات رسمية.

وسبق أن أوقف مسلحون مجهولون حافلة تقُل معلمين من مدينة العريش إلى مدينة رفح، ونبّهوا الرجال لضرورة إطلاق اللحى، والسيدات لارتداء النقاب، وإلا تمت معاقبتهم.

في غضون ذلك، بدأ تنظيم "ولاية سيناء" نصب كمائن ونقاط تفتيش بمدينة العريش المصرية، لتوقيف المارة وتفتيشهم، للمرة الأولى، وسط غياب تام من قوات الجيش، الذي يؤكد أنه يحرز نجاحاً في سحق التنظيم بسيناء.

- دور إسرائيلي

"إسرائيل" أيضاً ليست بعيدة عما يجري في سيناء؛ فقد قصفت طائراتها الحربية أكثر من مرة عدة مواقع في سيناء، كان آخرها قصف مسجد ومنزلين بمنطقة الشلالفة جنوبي رفح، في الـ 16 من الشهر الجاري.

ويصعب القول إن المخاوف الأمنية لـ"إسرائيل" ومصر من شبه جزيرة سيناء دون أساس، لكن حكومة بنيامين نتنياهو ونظام السيسي، يتخذان من "الحرب على الإرهاب" استراتيجية رئيسية لكل منهما نحو الشرعية السياسية. ومن ثم فإن استمرار الصراع ضمن وتيرة منخفضة على حدود غزة وسيناء يُعدّ ذخراً في العلاقات بين الرجلين لا يُقدر بثمن، بحسب ما يشير مراقبون، كما أنه يمكنهما توظيفه في المناورات السياسية ضد المعارضين السياسيين لكل منهما، وفق دراسة أعدها "مركز الجزيرة للدراسات" بالدوحة.

وقد عملت حكومة السيسي، بموافقة "إسرائيل" والولايات المتحدة، على إنشاء منطقة عازلة بين غزة وسيناء، وهو ما تطلَّب تدميراً كاملاً لمنطقة رفح المصرية، وإجلاء سكانها، كما أن الخطة الأصلية لإنشاء منطقة عازلة على امتداد نصف كيلومتر تم توسيعها إلى كيلومتر، إضافة إلى تدمير آلاف من المنازل في شمال سيناء.

ويبدو أن الحل العسكري ليس كافياً لانتشال سيناء من مستنقع عدم الأمن الذي زاد سقوطها فيه منذ انقلاب يوليو/ تموز 2013، فالتردي المستمر للأوضاع الأمنية، والضربات الموجعة التي يتلقاها الجيش على يد المسلحين، فضلاً عن الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها المدنيون، كلها تنذر بأن مستقبل هذه المنطقة من أرض مصر لن يكون أفضل؛ حيث من المتوقع أن تقف المعركة عند الهجوم والهجوم المضاد مدة ليست قصيرة.

مكة المكرمة