صراع إرادات بالقاهرة قبيل انتهاء تهدئة غزة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 13-08-2014 الساعة 09:36
جهاد عدلة


في وقت تتحرك فيه عقارب الساعة كزحف السلحفاة، في القاهرة، على وقع المفاوضات غير المباشرة بين الوفد الفلسطيني ونظيره الإسرائيلي، بحثاً عن حجرة سياسية تحرك المياه الميدانية الراكدة، يسابق الوقت، في غزة التي نعمت بهدوء لساعات، سرعة البرق قبيل حلول الساعة الثانية عشرة من منتصف ليلة الأربعاء الخميس (08/14) موعد انتهاء الهدنة بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال.

هدوء ميداني لافت، والتزام صارم بوقف إطلاق النار، أكده جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه في بيان رسمي، يقابله مفاوضات شاقة للغاية ومليئة بالعقبات، أقرّ بها خالد البطش القيادي في "الجهاد الإسلامي" الذي وصف موقف الجانب الإسرائيلي بـ "المتعنت" ما أدى، بحسب البطش، إلى عدم إنضاج الحل حتى الآن "وليس هناك بلورة لاتفاقية واضحة".

في سياق المعطيات الجديدة على الأرض، التي أدخلت المقاومة من خلالها مدناً جديدة كانت آمنة في دولة الاحتلال الإسرائيلي على خط النار، لم يعد من الطبيعي أن يكون التفاوض على حض إسرائيل على التوقف عن ضرب المدنيين، أو السماح بتمرير مساعدات مالية كرواتب الموظفين، مثلاً، وإنما بات التفاوض، الآن، على أمور جديدة لم تألفها أذن إسرائيل الدبلوماسية من قبل، كرّسها الفريق الذي اختار حمل السلاح واستخدام البندقية من الفلسطينيين، وهو الفريق الذي يصنع الحدث في القاهرة اليوم.

فالتفاوض الجاري في العاصمة المصرية، هو على إنشاء ميناء ومطار في قطاع غزة، ووقف لإطلاق النار، وانسحاب لقوات الاحتلال من محيط القطاع، وفك الحصار، بما يعنيه من فتح المعابر، وحقوق الصيد البحري بعمق 12 ميلاً بحرياً، وإطلاق الأسرى المعاد اعتقالهم بعد تحريرهم في "صفقة شاليط" وإطلاق سراح نواب المجلس التشريعي، وإلغاء المناطق العازلة التي فرضتها إسرائيل حول حدود غزة، وإعادة إعمار القطاع، والإفراج عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل اتفاق أوسلو، ومطالب أخرى جعلت المفاوض الإسرائيلي كمن يحاول انتزاع قطعة حجرية من جبل من صوّان، لا سيّما وأنه يجد نفسه بين فكي كماشة الضغط الناري الذي تمارسه المقاومة الفلسطينية من جانب، وحالة التبرم والتململ في داخل الكيان الذي ضاق صدره حتى كاد يختنق من نيران الصواريخ الفلسطينية من جانب آخر.

مصادر عدة تحدثت عن إمكانية حصول اختراق في جدار التفاوض السميك، وأن التركيز التفاوضي منصبّ حول "آليات التنفيذ"، بعد تأجيل البت في موضوعي المطار والميناء إلى المفاوضات النهائية بين المقاومة وإسرائيل المتوقع البدء بها بعيد إعلان وقف النار في غزة.

غير أن هذه الأنباء تتصادم مع ما رشح من مصادر أخرى من معلومات تقول إن مطلبي الميناء والمطار يبدوان "مستحيلين" بالنسبة للإسرائيليين الذين قال أحد مسؤوليهم، بحسب مصادر إعلامية نقلت عنه ولم تكشف عن اسمه، إنه: "لا يمكن أن نوافق على وضع ميناء ومطار تحت سيطرة إمارة متطرفة" في إشارة لسيادة حركة حماس على قطاع غزة. و"عزف" المسؤول الإسرائيلي، نفسه، على وتر السلطة الفلسطينية حينما ربط تنفيذ مطلبي الميناء والمطار بنزع سلاح المقاومة من خلال وجود سلاح موحد في قطاع غزة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، لكن العزف الإسرائيلي لا يجد أذناً "سمّيعة" في ساحة فصائل المقاومة التي ردت على المسؤول الإسرائيلي قبل أن يرتد إليه طرفه، قائلة: إن هذا الأمر من "الثوابت التي لا تقبل النقاش" كما قال زياد النخالة مساعد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي وهو عضو في الوفد المفاوض.

وتتصادم أيضاً مع ما قاله عزام الأحمد، رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض، اليوم، من أن "الوضع في غاية الدقة والموقف الإسرائيلي بشكل عام غير مطمئن وعقلية أن إسرائيل تريد فرض ما تريد لا تزال مسيطرة على تفكيرهم، وهم يتصرفون وكأنه لا يوجد اتفاقات سابقة ويريدون البدء من الصفر".

وفي وقت وافق فيه الاحتلال الإسرائيلي، بحسب مصادر متعددة، على فتح معابر وتدفق المساعدات عبرها إلى القطاع، وشريط حدودي بمساحة 300 متر، وتسهيل دخول الأفراد عبر معبر إيريز، فإنه، وفي سياق مناورته لإضعاف حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ربط معظم القضايا المهمة بحالة التفاوض مع السلطة الفلسطينية، إذن نقلت المصادر نفسها، موافقة الاحتلال على تدفق الأموال عبر السلطة أو صندوق يتبع للأمم المتحدة، ومساحة صيد بحري بعمق 6 أميال توسع تدريجياً وفق مفاوضات مع السلطة، وربط إعادة إعمار غزة بتقدم في مجال الأمن ووجود السلطة الفلسطينية على أرض غزة، إلى جانب ربط الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وفق اتفاق مع السلطة الفلسطينية بإمكانية العودة لطاولة المفاوضات، وكذلك ربط الإفراج عن أسرى صفقة شاليط بقضية الإفراج عن جثتي جنديين إسرائيليين فقدا في غزة.

إصرار الجانب الإسرائيلي على ممارسة أكبر قدر من المناورة، وتقليل أكبر قدر ممكن من مكاسب حركة حماس، ومن ورائها فصائل المقاومة الأخرى، رغم الألم السياسي والميداني -الداخلي والخارجي- الذي يواجهه حكام إسرائيل، يجلّي حالة "التعنّت" التي وصف بها خالد البطش الجانب الإسرائيلي، ويزيد المفاوضات صعوبة، ويساعد على فهم الموقف المصري الداعي إلى تمديد الهدنة الحالية.

ونقلت وكالة "الأناضول" التركية عن مصدر إسرائيلي مقرب من الوفد الإسرائيلي، اليوم، أن "إسرائيل ليس لديها مانع في تمديد الهدنة"، لكن هذا الهوى الإسرائيلي يتعارض مع ما يرشح من مواقف عن المقاومة التي ترفض، من حيث المبدأ، فكرة تمديد الهدنة، وتتهم الكيان بالمماطلة والتسويف، وتربط، في المحصلة، أي هدنة بتحقيق إنجاز حقيقي في العملية التفاوضية.

في ضوء صراع الإرادات، وحرب الأدمغة التفاوضية في القاهرة، تقف غزة، ومن ورائها المنطقة، بما فيها الكيان الإسرائيلي، على رؤوس أصابعها وهي تترقب ستاراً سياسياً يُسدل على مسرح ميداني مشتعل منذ 37 يوماً أوقع، حتى الآن، نحو 2000 شهيد فلسطيني، و10 آلاف جريح، و38 ألف منزل مدمر ومتضرر.

مكة المكرمة