"صندوق أورشليم".. 50 عاماً من تهويد القدس و"أسرلة" الإنسان

نفذ الصندوق أكثر من 4000 مشروع ويعمل الآن على أكثر من 150 آخرين

نفذ الصندوق أكثر من 4000 مشروع ويعمل الآن على أكثر من 150 آخرين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 21-09-2016 الساعة 16:27
مي خلف


يحتفل هذه الأيام كبار رؤوس الأموال اليهودية جنباً إلى جنب مع قادة سياسيين إسرائيليين بمرور 50 عاماً على إنشاء أول وأهم صندوق موّل المشاريع التهويدية في القدس المحتلة، وهو "صندوق أورشليم"، الذي نفذ حتى اليوم أكثر من 4000 مشروع تهويدي، أصبحت مع الوقت جزءاً ثابتاً من مشهد المدينة.

لم يتوقف "صندوق أورشليم" عن تجنيد الأموال منذ تأسيسه عام 1966 على يد رئيس بلدية الاحتلال الأسبق في القدس، تيدي كولك، الذي يعد من أكثر الأسماء الصهيونية البارزة في تاريخ احتلال المدينة. فقد هاجر إلى فلسطين المحتلة قبل النكبة من النمسا –التي ولد فيها- عام 1935، وأدى خلال النكبة دوراً بارزاً لمساعدة عصابات "الهاغانا" الصهيونية في الولايات المتحدة، حيث كوّن شبكة علاقات مع مانحين كانوا على استعداد لبذل الأموال لدعم الاحتلال.

وبعد قيام دولة الاحتلال، قاد كولك حملة ضخمة لجمع التبرعات وتجنيد الأموال، كانت الأولى من نوعها. ومن ثم، شغل مناصب رفيعة عدة؛ منها رئيس مكتب رئيس حكومة الاحتلال الأول ديفيد بن غوريون، حتى أصبح رئيس بلدية الاحتلال في القدس عام 1965 لما يقارب الـ3 عقود.

ووفقاً لما اطّلع عليه "الخليج أونلاين" في صحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية العبرية، فقد جنّد الصندوق أكثر من 1.5 مليارات دولار منذ تأسيسه وحتى عام 2013، قام من خلالها بتنفيذ أكثر من 4000 مشروع تهويدي؛ منها الإنشائي البارز مثل حديقة "تيدي" والمتاحف اليهودية ومراكز الأبحاث، ومنها المجتمعي التطبيعي الذي يهدف إلى أسرلة الفلسطينيين القاطنين في شرقي المدينة المحتلة.

وحسب الصحيفة –وعلى عكس صناديق التمويل الأخرى- يعد هذا الصندوق مستقلاً إدارياً من ناحية، لكنه يعمل بتنسيق كامل مع بلدية الاحتلال؛ أي يتبنى رؤية وخطط البلدية الاستراتيجية وينفذها. كما أنه يخصص 50% من أموال التبرعات لمشاريع البنى التحتية، والـ50% الأخرى للبرامج. هذه التبرعات، حسب "ذا ماركر"، تأتي بنسبة 98% من يهود في الخارج، فمن بين 42 مليون شيقل جُنّدت عام 2013، تبرع الإسرائيليون بأقل من مليون.

وحسب موقعها الخاص، تدير المنظمة أعمالها من 12 مكتباً موزعة حول العالم، مثل البرازيل وكندا والنمسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وسويسرا وإسبانيا والدول متحدثة الفرنسية، إلا أن أكبر المكاتب وأغلب الداعمين والمانحين هم من الولايات المتحدة الأمريكية.

وتخصص المنظمة جزءاً بارزاً من نشاطها وأموالها لتنفيذ ودعم مشاريع تطبيعية تعمل بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر أحياناً على دمج الفلسطينيين المقدسيين بالمجتمع الإسرائيلي وبمؤسسات الاحتلال بهدف أسرلتهم وتشويه هويّتهم الوطنية وانتمائهم. فمن أبرز ما تدعمه المنظمة مشاريع "الحوار" و"التعايش" و"التعلم المشترك"، وذلك بطرق مختلفة.

في هذا السياق، يذكر أن المشاريع المصنفة في هذا الإطار لا تقوم جميعها على "الحوار السياسي"؛ بل غالبيتها تهدف إلى دفع المقدسيين نحو التطبيع بطرق غير مباشرة. فعلى سبيل المثال، تموّل المنظمة وتدير مشاريع لقاءات ثقافية وفنية ورياضية، تجمع فيها بين إسرائيليين وفلسطينيين من الفئات العمرية كافة -لا للحديث عن السياسة والصراع- بل للعب كرة القدم أو لأخذ دروس في الفن والرسم.

إلى جانب ذلك، يقدّم الصندوق دعماً كبيراً لبناء وتفعيل وتوسعة نشاط المدرسة "ثنائية اللغة" المعروفة باسم "يد-بيد"، وهي مدرسة تقوم بأساسها على فكرة "التعايش". إذ تستقطب الطلاب المقدسيين وآخرين إسرائيليين للدراسة في الصف نفسه منذ المراحل ما قبل المدرسية وحتى الصف الثاني عشر. وتضع منهاجاً تعليمياً مدروساً باللغتين العربية والعبرية يشجع على الاعتراف المتبادل بالنكبة من جهة وبدولة الاحتلال كأمر واقع من جهة أخرى.

وتتعرض القدس المحتلة منذ عقود لنشاطات تهويد تتنوع في أشكالها وسرعتها، فمنها الظاهر للعيان مثل الاستيطان والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى والتضييقات القانونية على المجتمع المقدسي لمنعه من التطور أو لتطويره باتجاه يخدم المؤسسة الإسرائيلية ويحقق رؤاها. ومن المشاريع، كما ذكر أعلاه، ما يعمل على تغيير الوعي وتشكيل هوية مقدسية جديدة أكثر تقبلاً للوجود الإسرائيلي حوله وأكثر ارتباطاً وحاجة لمؤسساته.

ومع المليارات التي يزداد تجنيدها سنوياً عن طريق صناديق الدعم الكثيرة، يصبح تهويد سطح المدينة وباطنها أمراً واقعاً، وتصبح أسرلة الإنسان المقدسي مهمة أسهل، إذ يقف أمامها المقدسي وحيداً، لا تدعمه صناديق دولية لحفظ صموده، ولا يملك في مواجهة الخطط الإسرائيلية إلا وعيه وما نشأ عليه.

مكة المكرمة