طعن "يوسف زيدان" بالتاريخ يلقيه بين مغازلي إيران و"إسرائيل"

يوسف زيدان.. يبحث في غُرف التاريخ أم ينقب تحت جدرانه؟

يوسف زيدان.. يبحث في غُرف التاريخ أم ينقب تحت جدرانه؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 16-05-2017 الساعة 17:51
يوسف حسني - الخليج أونلاين


يوماً بعد يوم يثبت الكاتب المصري يوسف زيدان، أن تصريحاته المثيرة للجدل بشأن القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي لم تكن رأياً تأريخياً، أو نتاج بحث علمي في شخصٍ بعينه، أو مرحلة بعينها؛ بقدر ما هي محاولة متعمّدة للضرب في جدران التاريخ الإسلامي وشخصياته كلها، وخاصة ما يتعلّق منه بالمواجهات مع الشيعة واليهود والصليبيين، وهو ما فتح عليه أبواب تهم بتودّده لـ "إسرائيل وإيران".

فبعد هجومه على القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، ووصفه له بأنه "واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ"، عاد زيدان ليؤكّد تمسّكه بما قال، بل إنه تجاوز صلاح الدين إلى وصف قادة آخرين؛ كالظاهر بيبرس، وعبد الرحمن الداخل، وقطز، بالصفات نفسها، فاتحاً بذلك أبواب الأسئلة واسعة عمّا يريده، أو ما ومن الذي يدفعه لهذا الحديث؟ وفي هذا التوقيت تحديداً.

وعبر صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك"، كتب زيدان، السبت 13 مايو/أيار 2017، "يا أهل مصر ويا كُل العرب. استفيقوا من أوهامكم التي رسخت في لا شعوركم الجمعي، وقعدت بكم في قاع العالم المعاصر، حتي صيّرت صورتكم مزريةً في العالمين".

اقرأ أيضاً

مسلماني.. أب مبعَد و3 أبناء بسجون "إسرائيل" ومليون دولار لاغتياله

- هجوم متواصل

وتابع زيدان: "واعلموا أن الذين جعلوا لكم فيما سبق مكانةً بين الأمم المتحضّرة هم علماؤكم وشعراؤكم، والفنانون والصوفيّة، الذين أسهموا في صناعة الحضارة الإنسانية؛ من أمثال البيروني، والرازي، وابن سينا، وابن رشد، وابن النفيس".

هؤلاء هم أبطالكم الحقيقيون، يقول زيدان، مضيفاً: "وليس أولئك المزيّفين من حُكّامكم السفاحين الحقراء الذين استباحوا الدماء من أجل السلطة؛ أمثال عبد الرحمن الداخل، وأبو العباس السفاح، والحجّاج بن يوسف، وقطز، وبيبرس، وصلاح الدين المملوك الكوردي، الذي ترك قومه يعانون من ظلم العباسيين، وخان الحاكمين اللذَين أقسم لهما بالولاء؛ السلطان السُّني نور الدين، والخليفة الشيعي العاضد الفاطمي".

لا الشتائم ولا الحجج والأدلة التاريخية، التي أتى بها النشطاء والمتخصّصون من كل حدب وصوب، أفلحت إذن في ثني زيدان عمّا بدأه، فمضى يتطاول على قادة آخرين يمثّلون فترات هامة في تاريخ المسلمين، ليعيد إلى الذاكرة اعترافه السابق بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي "كلّفه شخصياً بإجراء عملية تنقيب في التاريخ الإسلامي لتعريف المسلمين بتاريخهم الصحيح"، كما يشير إلى الكاتب المصري وائل قنديل.

وكان أحد الصحفيين المصريين نشر، أواخر ديسمبر/كانون الثاني 2015، تسريباً صوتياً لزيدان قال فيه إن السيسي كلّفه بإقناع الناس بحقيقة أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن ليس هو الموجود في فلسطين، وأن النبي أسري به إلى مسجد آخر على طريق الطائف بالمملكة العربية السعودية.

تسريب زيدان جاء بعد الزوبعة التي أثارها بحديثه عن أن المسجد الأقصى "لا يملك أي قدسية دينية"، وأن نظرة المسلمين التاريخية له "نظرة مغلوطة"، ومن ثم فإن دفاعهم عنه دفاع ليس في محله.

قنديل كتب مقالاً، الأسبوع الفائت، اعتبر فيه أن ما يمارسه زيدان ليس إلا "محاولة مدفوعة لتحريف التاريخ عن مواضعه، سعياً لتمهيد الطريق أمام مزيد من التطبيع مع الكيان الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى؛ أملاً في أن يفتح له ذلك الطريق لنيل جائزة نوبل".

ورغم تبريره ما يقول بأنه "مؤرّخ" قضى عمره بين المخطوطات، فإن زيدان لا يسعى لتقديم تأريخ جديد لفترات أو لشخصيات معيّنة في التاريخ الإسلامي بقدر ما هو مهتمّ بهدم ما هو موجود على رأس أصحابه، كما أنه يَصم قادة إسلاميين بأقذع الصفات، وينفي عنهم كل شرف، بدلاً من أن يبيّن ما يراه سيئاً في تاريخهم ويدلّل عليه.

كما أن الكاتب المصري -المتّهم بسرقة روايته التي جلبت له الشهرة (عزازيل)- يبدو مهتماً بالتنقيب في جدران التاريخ وليس في غُرفه، ما يعزّز لدى منتقديه شعوراً بأنه مكلّف -على نحو ما- بهزّ هذه الجدران، وربما بإسقاطها على رأس من عاشوا قروناً طويلة في ظلّها.

ولعل هذا أغرب ما في الأمر؛ أن دفاعات زيدان عن موقفه لا تقف عند حد النَّيل من صفات وانتصارات قادة الأمة عبر تاريخها، بقدر ما تحمل نوعاً من تلميع وتجميل طوائف بعينها؛ مثل الشيعة، كما أنها تقلّل من بريق انتصارات إسلامية لا يزال الغرب يتحسسّ جراحه كلما ذكرها.

يقلّل زيدان من انتصارات صلاح الدين الراسخة في الوجدان الإسلامي، بل ويلغيها من الأساس، واصفاً إياها بأنها مجرّد "صُلح" عقده القائد الإسلامي مع خصومه، ثم يمضي فيقدّم صلاح الدين في ثوب المتملّق الذي هادن الصليبيين وصاهرهم ومنحهم مدناً كاملة، في حين أنه "انقلب" على الفاطميين (الشيعة) وارتكب بحقهم جرائم حرب، حسب تعبيره.

ثم يكمل زيدان فيَصِم الظاهر بيبرس وقطز وعبد الرحمن الداخل، بما لهم من صفحات في التاريخ، بـ "الحقارة"، معتبراً أن الصوفيين (المدعومين من إيران عبر تاريخهم) هم من صنعوا تاريخ المسلمين ومجدهم، وليس هؤلاء القادة.

وفي سياق ما بدأه، يقول زيدان عبر صفحته على فيسبوك، الاثنين 15 مايو/أيار 2017: "طبعاً هذه (الهوجة) الجارية حالياً بخصوص صلاح الدين، الملك الموهومة مكانته، لن تحول دون إتمام المسار (العقلاني) الهادف إلى نزع الخرافات عن العقول، وإعادة بناء المفاهيم العامة والتصوّرات الأساسية على نحوٍ سليم. لذلك سيكون لقاؤنا الأسبوع القادم، في مقالي بصحيفة المصري اليوم، مع مقالة بعنوان: الإلماح والإشارة إلى بعض حقائق الحقارة".

ويضيف زيدان: "عسانا نؤسّس معاً وعياً حقيقياً عميقاً بالماضي، يكون تمهيداً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، بعيداً عن تخاريف أصحاب المصالح، وظنون الجهلة، وثوران الجهوليين".

لكن أي وعي جديد ذلك الذي يتحدّث عنه زيدان ويسعى لتأسيسه؟ وأي هدف ذلك الذي يرنو إليه من خلال هذه السلسلة من الهجمات؟

- أهداف عديدة

الدكتور حسام عقل، أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس، ونائب رئيس حزب البديل الحضاري، يقول لـ "الخليج أونلاين": "إن زيدان يضرب عدة عصافير بحجر واحد"، معتبراً أن "أبرز أهدافه مغازلة إسرائيل بضرب الرمز الأكبر للنضال من أجل تحرير بيت المقدس".

وتابع عقل حديثه: "وإلى جانب مغازلة إسرائيل يغازل زيدان أيضاً إيران؛ بإدانة الرمزية السنيّة لصلاح الدين الأيوبي في مقابل الإشادة بالرمزية الشيعية التي تمثّلها الدولة الفاطمية، فضلاً عن تشكيل سحابة ضبابية ضخمة تضمن استنزاف الرأي العام باتجاه طرح مسألة صلاح الدين الأيوبي كبديل للحديث عن تفاقم الفشل الداخلي على كل المستويات والأصعدة، والتي كان آخرها هروب حبيب العادلي، وزير داخلية حسني مبارك المحكوم عليه بالسجن في قضايا فساد".

أما أستاذ الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور محمد الصغير، فيرى أن ما يسوقه زيدان يأتي كـ "حلقة من حلقات الحرب على الإسلام كدين وليس كحركات أو جماعات".

وفي حديثه لـ "الخليج أونلاين"، يضيف الصغير: "ما يجري حالياً يوضّح ملامح مشروع علمنة الدولة، فقد سبق ذلك إغلاق المساجد والكتاتيب، ومعاهد إعداد الدعاة، والآن يتم هدم الثوابت الراسخة في نفوس المسلمين، ولا ننسى موقف رئيس جامعة القاهرة، جابر نصار، الذي منع الصلاة في صحن الجامعة".

وكان نصار قال الأسبوع الماضي، إنه "شعر بالخجل" عندما رأت إحدى المسؤولات الأوروبيات الطلاب وهم يصلّون خلال زيارتها للجامعة.

يكمل زيدان ما بدأه إذن عبر سلسلة مقالات في صحيفة مصرية، دون أن يتّهمه أحد بالتطاول على التاريخ أو على المسلمين أو النيل منهما، في وقت لا يزال شيخ أزهري، هو سالم عبد الجليل، يلاقي ما يلاقي من تنكيل وسبّ واتهمات ووقف عن الخطابة؛ لمجرد أنه اقترب من المسيحيين مستشهداً بآية من القرآن الكريم، وهو ما يعكس حالة التناقض في التعامل مع الأمور في مصر.

مكة المكرمة