عام على اختراق "قنا".. هكذا قرصنت دول الحصار عقول شعوبها

بالإمكان إنشاء عدد لا نهائي من المقاتلين "الأوفياء" على تويتر

بالإمكان إنشاء عدد لا نهائي من المقاتلين "الأوفياء" على تويتر

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 20-05-2018 الساعة 13:30
لندن - الخليج أونلاين (خاص)


شكّل يوم الـ 24 من مايو 2017، تاريخاً صادماً سيبقى عالقاً في أذهان دول منطقة الخليج والعالم، وهو اليوم الذي بدأت فيه أزمة دبلوماسية مبنية على اختراق موقع وكالة للأنباء وبث أخبار مفبركة، ثم القيام بحملة للسيطرة على عقول شعوبها، التي طالما اعتبرت وحدة دول الخليج ميزة لا غنى عنها.

فجر ذلك اليوم تعرّضت وكالة الأنباء القطريّة الرسميّة (قنا) للقرصنة، حيث بُثّت تصريحات مفبركة لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورغم نفي السلطات القطرية في اللحظة ذاتها للتصريحات المفبركة وتأكيدها أنه تم اختراق الوكالة، فإن وسائل إعلام سعوديّة وإماراتية ومصرية واصلت بثّ الأخبار المفبركة، مع جلب محلّلين ومعلّقين لتأكيدها ورسم السيناريوهات التي مهّدت للأزمة الخليجية وحصار قطر بعدها بأيام.

واستخدمت دول الحصار (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) عمليّة الاختراق والفبركات لتبرير تحريضها وهجومها على دولة قطر، وصولاً إلى قطع العلاقات، في 5 يونيو من ذاك العام، كما فرضت عليها حصاراً بحرياً وجوياً، استمر حتى اليوم.

تلك القصة التي لن تُمحى من تاريخ منطقة الخليج كان لا بد من التساؤل بعدها عن كيفية تنفيذ اختراق وكالة الأنباء القطرية، وكيف قرصنت دول حصار قطر عقول شعوبها؟

- "ما خفي أعظم"

وكشف البرنامج الاستقصائي "ما خفي أعظم"، الذي تعرضه قناة "الجزيرة" الإخبارية، مساء الأحد، أن الإمارات خططت لاختراق وكالة الأنباء القطرية (قنا)، وأن السعودية تولت مهمة التنفيذ.

وكشف التحقيق أن الإمارات حصلت على ثغرة وكالة "قنا" عبر شركة وهمية في أذربيجان أواخر عام 2016.

وبين أن "الشركة الوهمية الأذرية طلبت من 3 شركات تركية إعلامها عن الثغرات التقنية الموجودة في وكالة الأنباء القطرية، من أجل إعداد خطة القرصنة".

وأظهر تحقيق الجزيرة أن خلية قرصنة وكالة "قنا" عملت من وزارة سيادية في العاصمة السعودية الرياض.

وقال يوسف المالكي، مدير وكالة الأنباء القطرية: "قمت بالاتصال بزملائي مدراء الوكالات في السعودية والإمارات لإعلامهم باختراق قنا، ولم أتلق منهم أي رد".

وتابع المالكي: "وكالة أنباء البحرين لم تنشر في البداية التصريحات المفبركة والمنسوبة لسمو الأمير، لكن مدير الوكالة دفع الثمن بإبعاده عن منصبه".

في حين قال مدير الشؤون الفنية في وكالة الأنباء القطرية خالد المطوع: إنني "سألت زملائي المسؤولين بدول الحصار عن أسباب نشر الأخبار المفبركة مع أنهم يعلمون بأن الوكالة القطرية تمت قرصنتها، لكن لم أجد منهم أي جواب".

وبين علي بن فطيس المري النائب العام القطري أن "كل دول الحصار تعرف أن تحقيقاتنا صحيحة، وأن جريمتهم كاملة الأركان وتدينهم".

-لم تتوقف

ولم تتوقف دول الحصار عند قرصنة وكالة قنا واستمرّت باختراقاتها؛ ففي 8 يونيو تعرّض موقع تلفزيون قطر لمحاولة قرصنة فاشلة، وأعلن الرئيس التنفيذي للمؤسسة القطرية للإعلام، عبد الرحمن بن حمد، حينها أنه "بسبب محاولات القرصنة التي يتعرض لها موقع تلفزيون قطر، ولدواع أمنية، تم إيقاف الموقع مؤقتاً".

وفي اليوم نفسه، أعلنت شبكة قناة "الجزيرة" أن مواقعها وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي تتعرض لهجوم معلوماتي ولمحاولة اختراق.

وفي 20 يوليو 2017، أعلنت وزارة الداخلية القطرية أن التحقيق بشأن جريمة قرصنة موقع "قنا" كشف أن عنوانين للإنترنت في دولة الإمارات استخدما لتنفيذ عملية الاختراق. وأضافت الوزارة أن الأدلة الفنية للجريمة أحيلت إلى النائب العام الذي بدأ إجراءات التقاضي لمعاقبة المخترقين.

ونقلت "قنا" عن النائب العام القطري، علي بن فطيس المري، قوله: إنه "في إطار التعاون بين دولة قطر والجمهورية التركية في مجال مكافحة الهجمات والجرائم الإلكترونية، فقد قامت السلطات التركية بإيقاف خمسة أشخاص متورطين في جريمة اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية وبث تصريحات مغلوطة" منسوبة لأمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

اقرأ أيضاً :

الرياض.. احتفاء الناشطات بـ"الانفتاح" ينقلب إلى تخوين واعتقال

وأوضح أن السلطات القطرية بدأت، بعد جريمة الاختراق، "تحقيقاً في الداخل وخارج قطر حول هذه الجريمة، وقامت بالتواصل مع دول صديقة للمساعدة في هذا الموضوع، وذلك لكون الجرائم الإلكترونية جرائم عابرة للحدود بطبيعتها".

-الإرهاب الإلكتروني

أعمال القرصنة والتخريب التي أصبحت شغل دول الحصار الشاغل، تخطّت اختراق المواقع والفبركة والتحريض إلى "الإرهاب الإلكتروني".

فقرصنة وكالة الأنباء القطرية تمت، بحسب ما نشرت صحيفة الغارديان البريطانية، استناداً إلى التحقيقات التي أجراها مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي، وشاركت فيها الاستخبارات البريطانية، حول اختراق الوكالة، والتي أشارت إلى تورط قراصنة روس في القضية.

ويبدو أن الأزمة الخليجية التي أحدثها "مرتزقة هاكرز" دشنت عهداً جديداً من "الحروب السيبرانية"، التي تهدد الأمن العالمي والمؤسسات الحكومية.

وتعبير "الحرب السيبرانية" يُستخدم للإشارة إلى وسائل وأساليب القتال التي تتألف من عمليات في الفضاء الإلكتروني، ترقى إلى مستوى النزاع المسلح أو تُجرى في سياقه، ضمن المعنى المقصود في القانون الدولي الإنساني.

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قد أكدت، يوم 24 يناير 2018، وقوف الإمارات وراء عملية اختراق الوكالة القطرية، وقالت إن الأمر تم بعلم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

ولاحقاً، أكد مسؤولون أمريكيون صحة التقارير التي أشارت إلى مسؤولية الإمارات عن عملية القرصنة. ونقلت قناة "إن بي سي" الأمريكية، عن مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية، أن متعاقدين خاصين استخدمتهم الإمارات هم من اخترقوا الوكالة القطرية.

-الذباب الإلكتروني

وإلى جانب "الإرهاب الإلكتروني" لا بد من الإشارة إلى ما بات يعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، وهو مصطلح جديد بات يتردد صداه داخل عالم مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل زيادة رقعة الدور الذي أصبحت تمارسه اللجان الإلكترونية في الصراعات والأزمات السياسية بين الدول، خاصة مع تطورات الأزمة الخليجية.

كيفية عمل "الذباب الإلكتروني" وطريقة توجيهه نحو قطر خلال الحصار تجريان من خلال "حرب التغريدات" التي يكون جنودها مجهولين، وأسلحتها الحواسيب، وساحتها منصات التواصل الاجتماعي.

ووصف تقرير لقناة "الجزيرة"، نشر مطلع يوليو 2017، العاملين في هذه الحرب بأنهم "مقاتلون شرسون"، وأنهم يطلق عليهم "اللجان الإلكترونية"، لافتاً إلى أن عناصرها ليسوا مدربين بل مبرمجون على منصات التواصل الاجتماعي.

وأوضح أنه بالإمكان إنشاء عدد لا نهائي من المقاتلين "الأوفياء" بأسماء وهمية وحسابات ليست لأحد، "وظيفتهم الأولى والأخيرة إعادة نشر آرائك في ذلك العالم الافتراضي، لتصبح وكأنها رأي عام للمستخدمين الذين يبدون وكأنهم مجمعون على رأي واحد، أو يغردون بصوت واحد".

وبين أن هذا مثال واضح لما جرى بعد إعلان دول الحصار قطع علاقاتها مع قطر، حيث تصدر وسم (هاشتاغ) قطع العلاقة في ساعات معدودة قائمة الأكثر تداولاً على "تويتر"، وكل تغريداته تؤيد القرار.

ويبدأ التغريد بحسابات معروفة أو موثقة، ثم يحمل "الذباب الإلكتروني" هذه الكلمات وينشرها على منصات التواصل.

التقرير أكد أن "السعي لإسكات صوتك أو تشويه صورتك لا يتوقف عند محاولة اختراق حساباتك أو السيطرة عليها، بل قد يشنون حملة تبليغ عنك في العالم الافتراضي لإجبار الشركات على قتلك".

ويمكن ملاحظة عمل "الذباب الإلكتروني" على سبيل المثال من خلال الحملة التي شنّت على المعتقلين السبعة في السعودية في مايو 2018، واصفة إياهم بـ"المخرّبين والخونة"، للتأثير على الرأي العام، علماً أنه لم يسبق لهم أن مارسوا أي نشاط سياسي أو ديني متطرّف، بل جلّهم من الناشطين الاجتماعيين السلميين المعنيّين بقضايا المرأة وحقوقها.

كما أطلق المغرّدون السعوديون وسماً تحت عنوان #عملاء_السفارات، حصد 5 آلاف تغريدة في ساعاته الأولى، وتصدّر الترند العالمي، هاجم من خلاله مغرّدون المعتقلين، ووصفوهم بالعملاء للسفارات الأجنبية، مع كيل المديح للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، هذا فضلاً عن طلب من بعض الحسابات التي تقود الذباب بالتغريد على وسم يشكر جهاز أمن الدولة على دوره في اعتقالهم.

وكانت السعودية اعتقلت 7 نشطاء يطالبون بإنهاء ولاية الرجل وتمكين المرأة عملياً من قيادة السيارات، لكن وسائل الإعلام و"الذباب الإلكتروني" اتهماهم بالخيانة.

مكة المكرمة