عودة الحريري وضرب "الدولة" ينبئان بتغيرات إقليمية

السعودية تبرعت بمليار دولار لدعم الجيش اللبناني

السعودية تبرعت بمليار دولار لدعم الجيش اللبناني

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 12-08-2014 الساعة 15:39
إبراهيم العلبي


شهدت المنطقة المثقلة بالأزمات، في الآونة الأخيرة، عدداً من التطورات السياسية الملفتة، التي تعكس على الأرجح طبيعة المشهد السيسي إقليمياً ودولياً، وتساهم في رسم مسار الأحداث على المدى القصير.

أحداث ملفتة

لعل أبرز التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة تمثل في عودة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري، وفي جعبته مليار دولار سعودية منحة للجيش اللبناني، بعد ما جرى في عرسال من مهاجمة عناصر من جبهة النصرة للجيش اللبناني وأسر عدد من أفراده لينتهي الأمر بتسوية. وكذلك حسم الولايات المتحدة قرارها بضرب مواقع لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق، بعد تردد طويل منذ الهجوم الكاسح للتنظيم الذي أدى إلى سيطرته على مناطق عديدة في العراق.

ويكتسب كل من الحدثين الملفتين؛ عودة الحريري والضربات الأمريكية لتنظيم الدولة، أهمية خاصة بالنظر إلى السياق السياسي لكل منهما، بالإضافة إلى اشتراكهما في ترجيح احتمالات وجود تسوية إقليمية ودولية تتعلق بالمنطقة، وإن لم تتضح طبيعتها بعد، وإن لم يكن بالإمكان أيضاً الجزم باحتمال وقوعها بالفعل.

عودة الحريري

في لبنان الذي يعاني فراغا سياسياً ودستورياً منذ دخول منصب الرئاسة مرحلة الشغور؛ بسبب عجز مجلس النواب عن انتخاب رئيس للبلاد، تتفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية وتتزايد تأثيرات الحدث السوري على المكونات اللبنانية، لا سيما مع دخول حزب الله على خط النزاع السوري إلى جانب نظام الأسد، والدخول في معارك واشتباكات مع الثوار السوريين.

ولكن هجوم جبهة النصرة في 2 أغسطس/آب الجاري على عناصر الجيش اللبناني في مدينة عرسال الواقعة على الحدود مع سوريا، والتي تؤوي آلاف اللاجئين وتشكل ممراً إنسانياً للثوار واللاجئين في آن معاً، طغى على عموم المشهد السياسي المعقد، وتوحدت التوجهات خلف الجيش الذي كان معطلاً أصلاً في الأزمات الأمنية والعسكرية في أماكن أخرى في البلاد، باستثناء بعض الحالات التي شهدت توافقاً بين الأطراف السياسية، وهو ما يمنح الجيش، عادة، غطاء سياسياً يتحرك على أساسه.

هذا الغطاء لم يكن مكتملاً مع غياب تيار المستقبل، أحد أهم الأطراف السياسية السنية، عن التأثير في الساحة السنية والإسلامية؛ نظراً لغياب زعيمه المستمر منذ ثلاثة أعوام متواصلة، ما حال دون التعامل مع أحداث عرسال بنفس الطريقة التي تم التعامل بها مع مخيم نهر البارد منتصف العام 2007.

ومن هذا المنطلق تأتي عودة الحريري إلى لبنان في سياق التعامل مع أحداث عرسال التي أثارت مخاوف المكون الشيعي في لبنان، وعلى رأسه حزب الله الموالي لإيران، إذ يمكن التفاهم بالنسبة لهذا الطرف مع الحريري ومن يمثله على معركة موحدة ضد التنظيمات العابرة للحدود، ولكنه تفاهم لا يمكن أن يستمر دون تقديم تنازلات من الجانبين.

مثل تلك التنازلات المحتملة تمر عادةً عبر عواصم إقليمية، كالرياض وطهران، وسابقاً دمشق، الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن عودة الحريري حاملاً معه مساعدة سعودية للجيش اللبناني بقيمة مليار دولار، تأتي في سياق تفاهمات جديدة، وربما مقدمة لتسوية ضخمة على مستوى المنطقة قد تشمل الملف السوري، وهو ما يذكرنا بمعادلة "س.س" أي السعودية وسوريا، التي كانت تحكم المشهد اللبناني، ابتداء من وصول رئيس لبناني توافقي، ومروراً بتشكيل حكومة ضمت جميع الأطراف اللبنانية برئاسة سعد الحريري، وانتهاء بتحييد ملف المحكمة الدولية المتعلقة بجريمة اغتيال الحريري الأب عن الخلافات السياسية، لكن معادلة "س.س" انهارت بعد اندلاع الثورة السورية بشهور.

ضرب تنظيم "الدولة"

وبالتزامن مع أحداث عرسال وعودة الحريري إلى لبنان، شهد العراق قيام طائرات الجيش الأمريكي بضرب مواقع لتنظيم "الدولة الإسلامية" للمرة الأولى منذ الانسحاب العسكري عام 2011، وذلك بعد شهرين من سيطرة التنظيم، بالاشتراك مع مسلحي العشائر، على محافظة الأنبار كاملة وعلى معظم أنحاء محافظتي نينوى وصلاح الدين وتقدم المسلحين باتجاه العاصمة بغداد، ما أثار هلعاً وسط القوى التي تشكل الحكومة العراقية، كما أثار استنفار طهران من تقدم الكيان الجديد نحو حدودها وإمكانية سيطرته على بغداد، ما يهدد المكتسبات الإيرانية في هذا البلد التي استمرت منذ الغزو الأمريكي والإطاحة بنظام صدام حسين.

وفي تلك الأثناء، كانت إيران تخوض أهم جولات مفاوضاتها مع الغرب فيما يتعلق بالملف النووي، إذ كانت قد توصلت قبل ستة أشهر إلى اتفاق مرحلي يقضي برفع جزئي للعقوبات الدولية المفروضة عليها، مقابل التخلي عن تخصيب اليورانيوم أكثر من نسبة 5 بالمئة، وفي الأيام التي تطورت الأحداث الميدانية فيها بالعراق كانت طهران ومجموعة "خمسة زائد واحد" تخوضان مفاوضات بهدف الوصول إلى الاتفاق النهائي والشامل للملف النووي، والذي كان من المفترض أن يضح حداً للنزاع الغربي الإيراني حول الملف النووي، حيث يرى محللون أن اتفاقاً بهذا الحجم لا يمكن أن يمر دون تسوية سائر الملفات الساخنة في المنطقة، والتي تتضارب فيها المصالح الإيرانية مع تلك الغربية.

وبعيد الهجوم الكاسح الذي شنه تنظيم "الدولة الإسلامية" على عدة محافظات، وهروب قوات الجيش العراقي أمامه في عدة مواقع، عبرت إيران، على لسان رئيسها حسن روحاني، عن استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة في محاربة "الإرهاب" لا سيما في العراق، وهي رغبة لم ترفضها واشنطن تماماً، لكنها لم تتحمس لها أيضاً، وبقيت التصريحات الأمريكية في هذا الصدد بين مد وجزر إلى أن أعلن الرئيس باراك أوباما أنه أجاز للجيش الأمريكي ضرب مواقع للتنظيم إذا اقتضت الحاجة؛ لحماية الأكراد والأقليات من إبادة محتملة، على حد تعبيره.

وعلى الرغم من كون هذا التطور البارز على صعيد الانخراط الأمريكي في المنطقة لا يزال محدوداً ومحفوفاً بقدر كبير من التحفظ والحذر، إلا أن التردد السابق الذي كان يحفز طهران على تقديم المزيد من التنازلات في الملف النووي يشي بأن الأخيرة قد تكون قدمت تنازلاً ما بالفعل أو اقتربت من ذلك، وهو ما عجل بالضربات الجوية الأمريكية ضد تنظيم الدولة، على ما يبدو.

وفي ظل تأجيل الموعد النهائي لإنجاز الاتفاق الشامل بين طهران والغرب حول الملف النووي لا يبدو أن تسوية كبرى على الأبواب، لكن مؤشري عودة الحريري إلى لبنان، واستهداف الطائرات الأمريكية لمواقع تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق ربما لا يخفيان الكثير وراءهما على المستوى الاستراتيجي، إلا أنهما يمهدان، على الأقل، لأجواء مواتية لتسويات من الوزن الثقيل.

مكة المكرمة