غزيّة تروي تفاصيل 20 دقيقة قضتها تحت ركام منزلها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 14-08-2014 الساعة 11:11
غزة- الخليج أونلاين


"20 دقيقة" كانت كفيلة بتغيير تفاصيل حياة المواطنة الغزيّة لمياء العصّار (27 عاماً)، التي كانت تجلس في صالة منزلها، بمخيم "النصيرات"، وسط مدينة غزة، تحاول إطعام طفلها "محمد" ابن الـ"عامين"، فيما ينام بقية أطفالها "الثلاثة" إلى جانبها، بسبب خوفهم من أصوات الانفجارات التي تحدثها صواريخ الطائرات الإسرائيلية الحربية، في المناطق المجاورة لمنزلهم.

تلك الـ 20 دقيقة، التي زامنت سقوط صاروخ من إحدى الطائرات الحربية، داخل منزل "العصّار"، قلبت حياة العائلة فعلياً، فحالت ما بين حياتهم فوق الأرض داخل المنزل، وتحتها بين ركام المنزل "ذاته".

وما زالت "لمياء" تذكر تفاصيل الدقائق "العشرين" التي قضتها بين ركام منزلها، إذ سقطت في أول "دقيقة" بعد انفجار الصاروخ، على طفلها "محمد"، فيما يعتلي ظهرها ركام المنزل، من حجارةٍ أسمنتية، ورخامية، وحديد، وأكوام رملية مختلطة بقطع من الزجاج وشظايا الصاروخ.

المشهد كان كالآتي: "رائحة البارود تملأ المكان، ركام ساخن، نيران متفرقة تخرج من بين الركام، أجساد ترقد بين تلك النيران تحت "الردم"، أصوات خافتة لأطفال يصرخون من الداخل".

منذ الدقائق الأولى تحت ركام المنزل، شعرت "لمياء" أنها غير قادرة على التحرك، جسدها منهك من ثقل الحجارة فوقه، ويداها مكبّلتان من وجع شظايا الصاروخ الإسرائيلي، وقلبها أنهكه في العام السابق، ألم إزالة "رحمها"، فشعرت "لمياء" أنها في آخر لحظات من حياتها.

لكن صراخاً متقطّعاً لطفلها محمد بدأه بـ "واوا (جرح) يا ماما"، ومن ثم بكاء حذر، كما تسللت أصوات أخرى لأذنيها، كانت لأطفالها الذين كانوا ينامون إلى جانبها. لكن انفجار الصاروخ أبعدهم بمسافات عنها، أعطى "لمياء" قوة كي تبدأ بالتحرك لحماية أطفالها، الذين لا تملك غيرهم، ولن تكون قادرة على إنجاب آخرين "أبداً".

بدأت "لمياء" بتحريك يديها بحثاً عن قطعة من الرخام قادرة على حفر كومة الرمال التي تغطيها وطفلها، بيدين منهكتين أمسكت "لمياء" الحجارة وبدأت بالحفر لإزالة تلك الرمال، ولسانها يناجي "الله" كي يحمي لها أطفالها من "الموت".

وفي حين كانت "لمياء" تواصل عملية إزالة أكوام الرمل المختلطة بالشظايا الصغيرة لذلك الصاروخ وألواح الزجاج، التي تجمعت حول طفلها، سمعت صوت أقدام أشخاص تمشي فوق الركام التي يعتلي جسدها، رمت قطعة الحجارة جانباً، وبحثت عن مخرج ليدها من بين "ردم" المنزل.

من بين أكوام الحجارة أخرجت "لمياء" يدها التي كانت تنزف دماً وبدأت تلوح للخارج، لتعطي إشارة أن هنا، تحت هذا الركام، أحياء قد يموتون في أي لحظة.

وتابعت: "بعد أن أخرجت يدي وبدأت التلويح، جاء أخو زوجي ومعه آخرون، وبدؤوا برفع الحجارة التي سقطت علينا، وأخرجونا أنا ومحمداً، ورغم الجروح التي أصبت بها، بدأت أبحث معهم عن بقية أطفالي".

في البداية وجدت لمياء والباحثون عن الناجين من القصف الإسرائيلي، الطفلة الصغيرة "ندى" ابنة الـ (8) أشهر، فأخرجوها وقالوا إنها قد ماتت، لكن مع تقديم الإسعافات الأولية لها، عاد قلبها للنبض من جديد.

أما سرير "ندى" الحديدي، الذي كانت تنام عليه قبيل قصف منزلها، فبات كـ "قفص" لعصفور صغير، بحيث التفّ حولها، فانقلبت قاعدته الأرضية التي تتشابك فيها قضبان من الحديد نحو الأعلى، فيما سقطت "ندى" أسفل تلك القضبان التي أحاطتها من جميع الجهات، إثر انفجار الصاروخ.

وأكملت: "ذلك السرير الذي لطالما تخوّفت من أن يسبب لها الأذى، كما كنت كثيرة التذمّر من كبر حجمه، وثقل وزنه، لم أعتقد أنه مُحاط بـعناية إلهية، وأنه سيكون سبباً في نجاة ندى من موت محقق".

وبعد أن خرجت من صدمة طفلتها الصغرى "ندى"، التي أصيبت بكسر في حوضها وقدمها، وقطع في أصبعها "السبابة"، بدأت تنادي على طفلتها "لمى" التي أخبرتها قبيل القصف بدقيقة واحدة أنها ذاهبة لـ"النوم" كي تُريح -والدتها- للأبد من "مشاغباتها".

لكن الأخبار لم تكن سارّة بالنسبة لـ"لمياء"، إذ وصلها خبر مقتل طفلتها "لمى" ابنة الـ (7) أعوامٍ، الأمر الذي أدخلها في صدمة نفسية، بعد أن تأكدت من سلامة طفلتها ندى. تقول لمياء: "أكثر ما أوجعني أن طفلتي (لمى)، قالت لي وهي غاضبة: يا ماما أنا رايحة أنام وأريحك مني على طول.. ذهبت ولم تعد". وتضيف: "لا أملك إلا أطفالي في هذه الدنيا فأنا خضعت لعملية إزالة الرحم، العام المنصرم". وأوضحت "لمياء" أن أطفالها الثلاثة، الذين بقوا على قيد الحياة، مصابون بصدمات نفسية.

وتابعت: "محمد ابن العامين، يقول كلمتين فقط (يهود) و(لمى)، وأما أخته (جنى) ابنة الـ (4) سنوات، فدائماً تحثّني وتقول: (يا ماما، لا تزعليني، أنا اندفنت تحت الأرض، وصرخت كثيراً لكن لم يجبني أحد)".

وأما الطفلة "ندى" ابنة الـ (8) أشهر، فتصرخ باكية عندما يحين الظلام، كما أنها ترفض أن تنام دون ضوء، كما قالت لمياء.

وبدعوى وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على البلدات والمدن الإسرائيلية، تشن إسرائيل حرباً على قطاع غزة منذ الـ 7 من يوليو/ تموز الماضي، تسببت في سقوط 1955 شهيداً فلسطينياً، من بينهم 469 طفلاً و343 امرأة و88 مسناً، بالإضافة إلى صحفي إيطالي، كما أصيب ما يزيد على عشرة آلاف آخرين، فضلاً عن تدمير وتضرر 38086 منزلاً سكنياً، ومقرات حكومية، ومواقع عسكرية في غزة، بحسب أرقام رسمية فلسطينية.

وأسفرت الحرب الراهنة أيضاً عن مقتل 64 عسكرياً و3 مدنيين إسرائيليين، وإصابة نحو 1008، بينهم 651 عسكرياً و357 مدنياً، حسب بيانات رسمية إسرائيلية، فيما تقول كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس" إنها قتلت 161 عسكرياً، وأسرت آخر.

مكة المكرمة