في مصر.. لا كرامة لصحفي ولا حصانة لنقابة

قال المرصد إن السلطة المصرية أرادت توجيه رسالة قوية للصحفيين

قال المرصد إن السلطة المصرية أرادت توجيه رسالة قوية للصحفيين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 30-05-2016 الساعة 14:33
القاهرة - ياسر أبو العلا - الخليج أونلاين


استيقظ الصحفيون المصريون، صباح الاثنين، على مشهد غريب، يجلس فيه نقيبهم، يحيى قلاش، وإلى جواره السكرتير العام للنقابة، جمال عبد الرحيم، ووكيلها، خالد البلشي، على مقاعد في أحد المكاتب بمجمع النيابات بزينهم، وسط القاهرة، عقب 12 ساعة من الاحتجاز في مقر النيابة؛ انتظاراً لترحيلهم إلى قسم شرطة قصر النيل في "ميكروباص" تابع لوزارة الداخلية، ليبيتوا ليلتهم في القسم، حتى يتم عرضهم على النيابة مجدداً للنظر في وضعهم، عقب رفضهم دفع الكفالة لإخلاء سبيلهم، والتي قدرت بـ10 آلاف جنيه لكل منهم.

تطورات الأحداث كانت مفاجئة لآلاف الصحفيين، الذين تابعوا توجه قلاش، وعبد الرحيم، والبلشي إلى النيابة لسماع أقوالهم في اتهامهم بإيواء هاربين، ونشر أخبار مغلوطة، وكان الجميع يتصور أن التحقيقات ستنتهي سريعاً، ويصرف الصحفيون الثلاثة، كما يحدث في الحالات المشابهة، إلا أن احتجازهم بهذا الشكل لم يكن له إلا تفسير واحد؛ وهو أن النظام ينتقم من الصحفيين في صورة هؤلاء الثلاثة، الذين يمثلون آلاف الصحفيين الذين احتشدوا أمام مقر نقابتهم منذ يوم 2 مايو/أيار، عقب ساعات من اقتحام مقر النقابة، الذي يعتبر سابقة في تاريخ النقابة منذ 75 عاماً؛ للقبض على الصحفيين عمرو بدر، ومحمود السقا، اللذين لجأا للنقابة لحمايتهما من الاعتقال؛ على خلفية مشاركتهما في مظاهرات رافضة للتنازل المصري عن جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية.

ويشير مراقبون إلى أن صورة "النيغاتيف" التي نشرت لوزير الداخلية، اللواء مجدي عبد الغفار، والإصرار على إقالته، والمطالبة باعتذار عبد الفتاح السيسي، لم تمر مرور الكرام لدى النظام، الذي أعلن الحرب على الصحفيين ونقابتهم منذ ذلك الحين، حيث استدعي المئات من البلطجية "المواطنين الشرفاء"؛ لمحاصرة مقر النقابة، والهتاف ضد الصحفيين ونقيبهم، وتوجيه الشتائم لهم، وسط حماية صريحة من القيادات الأمنية التي أشرفت على محاصرة النقابة، وعقد مؤتمر أطلق عليه "تصحيح المسار" لشق صف الصحفيين، والتلويح بفرض الحراسة على النقابة، والتهديد بإلغاء البدل، وليس انتهاء بمشهد نقيب الصحفيين رهن الاحتجاز، الذي يحدث -ربما- للمرة الأولى في تاريخ النقابة أيضاً.

احتجاز الصحفيين الثلاثة أشعل الغضب مجدداً في صفوف الصحفيين، وخاصة الشباب، بعد أن كاد الشلل يصيب حركتهم؛ بسبب التجاهل الذي قوبلت به قرارات الجمعية العمومية للصحفيين، خضوعاً للضغوط التي مورست عليهم من الأجهزة الأمنية، إلى درجة أن بعض الصحف اعتذرت عن عدم الاستجابة لقرارات النقابة (كما فعلت جريدة المصري اليوم)، فضلاً عن تراجع عدد من المؤسسات الصحفية عن قراراتها السابقة بنشر صور "النيغاتيف"، أو المطالبة بإقالة الوزير واعتذار السيسي، الأمر الذي شعر معه الصحفيون أن قضيتهم ماتت، واعتبرت غضبة وانطفأت، كما حدث في نقابة الأطباء قبل ذلك.

وبرر نقيب الصحفيين، يحيى قلاش، أنه وزميليه لم يسددوا الكفالة؛ لأن إحدى التهمتين الموجهتين إليهم في التحقيقات تتعلق بالنشر، وهو ما لا يستوجب دفع كفالة، إضافة إلى أنه طلب في بداية التحقيقات معه انتداب قاضي تحقيق بمعرفة النيابة؛ لمباشرة التحقيقات في كل الوقائع المتعلقة بأزمة اقتحام الشرطة لمبنى النقابة، وفي البلاغات المقدمة من النقابة قبل واقعة الاقتحام وبعدها.

وخلال التحقيقات دافع سيد أبو زيد، المستشار القانوني لنقابة الصحفيين، عن مشروعية وجود عمرو بدر ومحمود السقا في المبنى، وأن دور النقابة هو الدفاع عن أعضائها، مؤكداً في ذات الوقت أن مقر النقابة لم يكن مكاناً لإيواء أي عناصر خارجة عن القانون، وأنه من حق الصحفي اللجوء إلى نقابته حينما يتعرّض لأي مشكلة أو أزمة.

- سابقة جديدة

الصحفي المخضرم كارم يحيى، الكاتب بجريدة الأهرام، يشير إلى أن "نقيب وسكرتير عام ووكيل نقابة الصحفيين المصريين رهن التحقيق والاحتجاز معاً، للمرة الأولى في تاريخ البلد، وربما في سابقة عالمية، وليست عربية أو إفريقية أو عالم ثالثية"، معرباً عن دهشته من أن ذلك يتم "بدلاً من التحقيق مع المجرمين الذين اقتحموا النقابة يوم 1 مايو/أيار 2016، واختطفوا الزميلين عمرو ومحمود، وبدلاً من التحقيق مع الذين باعوا تيران وصنافير".

ويشير إلى أن الصحفيين الثلاثة -خلال وجودهم في النيابة- ربما شاهدوا أفلاماً من قبيل "فاشيتنا حماها الله"، و"اضحك وابك مع الفاشية الرثة"، و"مغامرات دكتاتور متخلف"، و"إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين".

أما المرصد العربي لحرية الإعلام فأعرب عن استيائه من هذا الإجراء الذي يحدث للمرة الأولى في تاريخ النقابة؛ بينما لم تحقق النيابة مع الضباط الذين اقتحموا مقر النقابة بالمخالفة للقانون يوم 1 مايو/أيار ولأول مرة في تاريخها.

واعتبر أن "احتجاز نقيب الصحفيين، ووكيل وسكرتير عام النقابة لفترة طويلة، جاوزت 14 ساعة، بحجة التحقيق معهم، ثم احتجازهم بأحد أقسام الشرطة لاحقاً، هو نوع من التكدير، والانتقام منهم؛ عقاباً لهم على دورهم في حشد الصحفيين في جمعية عمومية طارئة للاحتجاج على اقتحام الشرطة لمقر نقابة الصحفيين".

ورأى المرصد أن "السلطة الحاكمة أرادت أن توجه رسالة قوية للصحفيين المصريين من خلال هذا التصرف؛ مفادها أنه لا كرامة لصحفي، ولا حصانة لنقابة، ولا تراجع عن ملاحقة الصحفيين وحبسهم ومطاردتهم، وأن على الجماعة الصحفية أن تقبل بإملاءات السلطة وتعليماتها، وتسير في ركابها، وتسحب قراراتها وتوصياتها التي أصدرتها في جمعيتها العمومية الطارئة يوم 1 مايو/أيار، وعلى رأسها المطالبة باعتذار الرئاسة، وإقالة وزير الداخلية، والإفراج عن الصحفيين السجناء".

واعتبرت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات أن ما حدث مع النقيب وعضوي مجلس النقابة "انتهاك صارخ وجديد لحرية الصحافة لم يحدث مسبقاً في تاريخ النقابة"، ووصفت القرار بأنه" انتقامي بالمقام الأول، وغير قانوني، إذ لا يجوز حبس الصحفيين احتياطاً في جرائم النشر، ومن ثم عدم قانونية كل ما ترتب على ذلك من إجراءات احتجاز، أو دفع كفالة، وأن ذلك يعد مخالفة صريحة للدستور"، معربة عن "قلقها البالغ على مستقبل الصحافة في مصر".

أما الكاتب الصحفي مجدي فتحي، فأشار إلى أن "ما يحدث من النيابة في مصر مهزلة قانونية، تتمثل في استخدام النظام لها كعصاة للتنكيل بخصومه؛ لأن ذلك يطعن في مصداقيتها، ويلقي بسحابات سوداء عليها"، و"النيابة تحولت إلى جهاز تابع للداخلية، بعد أن التحق بها آلاف الضباط في السنوات الأخيرة، فضلاً عن التعيينات التي تتم بالواسطة والمحسوبية -وليس الكفاءة- لأبناء القضاة، وكبار الضباط والمسؤولين، وأصحاب الأموال في البلد، رغم كل ذلك نسمع من يتحدث بكل تبجح عن دولة القانون (..) قانون سكسونيا".

- ليست الأزمة الأولى

ولا تعد تلك الأزمة هي الوسيلة الأولى التي يعاقب بها النظام الصحفيين، حيث تشن الدولة حملة ممنهجة ضد حرية الصحافة في مصر، تصاعدت وتيرتها مؤخراً باقتحام مقر النقابة، وحبس عدد من الصحفيين، لينضموا إلى قائمة طويلة جاوزت 90 صحفياً، ومنع نشر مقالات لبعض الكتاب والمثقفين، ووقف برامج، ودفع ملاك قنوات للتخلص منها، والاستعداد لإصدار قانون جديد للإعلام يكرس هيمنة الدولة على وسائل الإعلام في اختراق واضح للدستور.

مكة المكرمة