قانون الجمعيات بمصر.. تقييد للمجتمع المدني أم تصحيح لمساره؟

تقول السلطة إنه ينظم عملية التمويل ويضع ضوابط عليها ولن يمنعها

تقول السلطة إنه ينظم عملية التمويل ويضع ضوابط عليها ولن يمنعها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 30-05-2017 الساعة 16:54
القاهرة - الخليج أونلاين (خاص)


وسط حالة الجدل السياسي، وفي ظل الأحداث المتسارعة التي عاشتها مصر خلال الأيام القليلة الماضية، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاثنين 29 مايو/أيار 2017، قانون تنظيم عمل المنظمات غير الحكومية (الجمعيات الأهلية)، رغم الاعتراضات الكبيرة والانتقادات التي قوبل بها داخلياً وخارجياً.

يقصر القانون الجديد (الذي نشرته الجريدة الرسمية الاثنين) نشاط المنظمات غير الحكومية (الأهلية) على الأنشطة التنموية والاجتماعية، ويفرض عقوبات بالسجن لما يصل إلى خمس سنوات على مخالفيه.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أقر البرلمان المصري مشروع القانون، لكنه لم يرسله على الفور إلى السيسي الذي يمنحه الدستور 30 يوماً لتوقيعه ليصبح قانوناً نافذاً أو الاعتراض عليه.

وقوبل مشروع القانون، الذي أصبح نافذاً بتوقيع السيسي، بانتقادات شديدة من قبل منظمات حقوق الإنسان المصرية؛ في حين يقول نشطاء مصريون إنهم يواجهون أسوأ حملة قمع في تاريخهم.

- توقيت لافت

وصدر القانون في وقت يواجه فيه السيسي انتقادات بتقويض الحريات المكتسبة بعد ثورة 25 يناير 2011، التي أنهت حكم حسني مبارك لـ30 عاماً.

وتقول منظمات خيرية غير سياسية إن القانون يقيد عملها في وقت يواجه فيه المصريون صعوبة في تلبية احتياجاتهم في ظل تخفيضات الدعم وزيادة بالضرائب.

وبدأ الجدل في مصر حول ما عُرف بـ"التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني" عام 2011، عندما قام المجلس العسكري الذي تسلم الحكم من مبارك، بالتشكيك في مصادر تمويل هذه المنظمات، وشرع في اتخاذ قرارات عديدة بشأن منع حقوقيين من السفر.

ومنذ سنوات، عملت الحكومة المصرية على إعداد قانون جديد لتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية، في حين كانت الجماعات الحقوقية تخشى أن يفرض قيوداً أشد منها في عهد مبارك غير أن مشروع القانون الذي أعده أعضاء البرلمان فرض قيوداً مشددة، واعترض وزراء عليه.

القانون المثير للجدل أُقر عقب لقاء السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، مطلع أبريل/ نيسان الماضي، وهو اللقاء الذي طمأنت فيه الولايات المتحدة الرئيس المصري في سياسته حول الحريات والحياة السياسية والمجتمع المدني بمصر، كما يقول حقوقيون.

"الخليج أونلاين" علم أن الرئاسة المصرية طلبت من البرلمان إرجاء إرسال القانون للسيسي للبتّ فيه، بسبب الإدانات التي واجهتها مسودة القانون من منظمات دولية كبيرة، وهذا ما يفسر إصداره بعد أكثر من ستة أشهر من موافقة البرلمان عليه.

لكن صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، قالت، الثلاثاء 30 مايو/أيار 2017، إن القانون "سيفرض مزيداً من القيود، ويسرع بحملة على الناشطين بمجال حقوق الإنسان قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة والمقررة نهاية العام الحالي".

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا القانون "يأتي في ظل ضوء أخضر أمريكي للرئيس المصري، منحه إياه الرئيس دونالد ترامب عندما وصفه بأنه رجل رائع، خلال لقائه به في واشنطن قبل أكثر من شهر".

الناشط الحقوقي المصري أحمد مفرح، يرى أيضاً أن توقيت إصدار القانون ونشره في الجريدة الرسمية "كان مفاجئاً"؛ ولا سيما أن حقوقيين أكدوا تلقّيهم تأكيدات من مصادر في وزارة التضامن الاجتماعي المصرية أن ثمّة قلقاً من الاعتراضات الأوروبية على القانون.

وكانت عدة جهات معنية بحرية التنظيم والحق في التجمع السلمي بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أصدرت بيانات منددة به، وقالت إنه خالف أبسط المعايير الدولية.

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، قال مفرح، المقيم حالياً في جنيف، إن القانون باختصار شديد يعني "مزيداً من القمع على الحريات العامة، وحق التجمع السلمي، فضلاً عن تأميم العمل الأهلي في البلاد".

اقرأ أيضاً:

نيويورك تايمز: ضوء أخضر أمريكي للسيسي لمواصلة قمع الحريات

- شهادة وفاة

وفي ظل هذا القانون، يمكن القول إنه لا مكان للعمل الأهلي في مصر، إلا لتلك الجمعيات التي تعمل أو ستعمل تحت عباءة الأمن، كما يقول مفرح.

ويرى الناشط الحقوقي أن اللقاء الذي جمع السيسي بترامب في البيت الأبيض، قبل أكثر من شهر، "كان له دوره في إصدار القانون؛ لأنه لو لم يحصل الرئيس المصري على تطمينات من جهات دولية، في مقدمتها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، لما استطاع أن يستمر في قمع منظمات حقوق الإنسان وإقرار هذا القانون الذي يستهدفها في المقام الأول".

ويعتقد مفرح أن الأجهزة الأمنية ربما تستعد لشنّ الموجة الثالثة من مواجهتها مع المنظمات الحقوقية وجماعات المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر؛ فبعد أن تم منع بعضهم من السفر، وفتح تحقيقات لهم، وإخلاء سبيل بعضهم بكفالات، ستدخل المواجهة الآن مرحلة الإحالة إلى المحاكمة بشكل مباشر والحبس طويل المدة، حسب قوله.

وشهد العام الماضي منع عدد من الحقوقيين من السفر وتجميد أموالهم، ومن بين هؤلاء المحامي والحقوقي نجاد البرعي، والحقوقي محمد زارع، والحقوقية عايدة سيف الدولة، في حين أُغلقت مراكز عرفت بتاريخها الطويل في العمل الأهلي، وفي مقدمتها مركز "النديم" لتأهيل ضحايا التعذيب.

وتعليقاً على إصدار القانون، قال المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، جمال عيد: "هذا القانون البوليسي يمثّل شهادة وفاة للمجتمع المدني المستقل، سواء الخيري أو التنموي أو الحقوقي، ويحوّل بعض الجمعيات أو المؤسسات القادرة على الاستمرار إلى فروع إدارية ما بين وزارة التضامن وأجهزة الأمن".

وفي تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية (دويتشة فيلّة) أضاف عيد: "من سيتضرر ليس الجمعيات الأهلية، بل ملايين المواطنين الفقراء الذين تناستهم الدولة عبر الخدمات أو المرافق الأساسية، أو من يتعرضون لانتهاك حرياتهم أو حقوقهم داخل السجون أو خارجها، وكأن الدولة بعد تأكيد فشلها في إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية لانتشار الجوع والفساد، وإهدارها لكل الحريات، تغلق الطريق أمام جهات أخرى تعوض غياب الدولة".

- ضبط للأوضاع

في المقابل يرى بعض مؤيدي النظام أن القانون "مهم"؛ لأنه يسمح للدولة بمراقبة الجمعيات الأهلية والناشطين الحقوقيين والتعرّف على مصادر أموالهم.

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة هبة هجرس، عضو لجنة التضامن بمجلس النواب: إن "القانون جاء لينظم عملية التمويل، ويضع ضوابط عليها، لكنه لن يمنعها". وأضافت هجرس- في تصريحات صحفية-: "هناك تمويل لقضايا سياسية من خلال المجتمع المدني. من يريد العمل بالسياسة عليه العمل من خلال القنوات الحزبية والمنابر السياسية، وليس الدخول من أبواب خلفية عبر الجمعيات الأهلية".

من جهتها، وصفت داليا زيادة، مديرة المركز المصري لدراسات الديمقراطية الحرة، القانون بأنه "خطوة أولى نحو إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني". واستبعدت زيادة (المعروفة بتأييدها الكبير للسيسي) أن يؤثر القانون على عمل الجميعات الأهلية.

وفي تصريح صحفي، أكدت زيادة أن "هذا الأمر مستبعد للغاية. المجتمع المدني قوي وقادر على تجاوز كل الصعوبات، والدليل على ذلك قدرته على العمل خلال السنوات الست الماضية".

مكة المكرمة