كيف يغطي إعلام النظام السوري ضربات "التحالف"؟

الإعلام الرسمي السوري بين مؤيد للضربات ومعارض لمنفذها

الإعلام الرسمي السوري بين مؤيد للضربات ومعارض لمنفذها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 06-10-2014 الساعة 08:41
إسطنبول - عدنان علي - الخليج أونلاين


خبر ورد على الفضائية السورية الجمعة الفائت يلخص حالة التخبط التي يعيشها الإعلام الرسمي السوري، في ظل الغارات الجوية التي يشنها طيران التحالف الدولي على ما يقول إنها مواقع لتنظيم "الدولة الإسلامية"، المعروفة إعلامياً باسم "داعش" في سوريا، وهو ما يعكس إلى حد ما تخبطاً مماثلاً يعيشه النظام نفسه بشأن الموقف الواجب اتخاذه حيال هذه الغارات.

جاء في الخبر وفي عبارتين متتاليتين لا يفصل بينهما بضعة ثوان ما معناه: "أمريكا تصنع داعش"، و"طائراتها تقتل 130 منهم في غارات لطائراتها".

ولعل مقاربة إعلام النظام، والخطاب السياسي للنظام، تقوم حالياً إلى حد ما على هذه الثنائية، أي الحرص على إظهار الرضا عن استهداف تنظيم "الدولة" بوصفه تنظيماً إرهابياً يحاربه النظام أصلاً من جهة، وفي الوقت نفسه محاولة التمسك بمقاربته السابقة بأن داعش ومجمل المعارضة السورية المسلحة (وحتى غير المسلحة) هي صناعة أمريكية عربية تركية، في إطار المؤامرة الكبرى (الكونية) التي تستهدف النظام، بوصفه قلعة المقاومة والممانعة في المنطقة.

والواقع كما يراه المراقبون، أن "العيش في المتناقضات" وعدم الانتظام في منطق واحد، هي سمة مميزة للإعلام الرسمي التابع للنظام، وربما لمجمل الإعلام الحكومي العربي، حتى قبل الأحداث الراهنة في سوريا، ولا يجد هذا الإعلام غضاضة في دفن رأسه بالرمال، وتجاهل أحداث جسام تجري على مقربة من المبنى الذي يصدر أو يبث منه هذا الإعلام، في حين يركز اهتمامه على قضايا ثانوية تجري في الطرف الآخر من الكرة الأرضية.

التلفزيون الرسمي السوري الذي كان يعرض برنامجاً عن أنواع الطيور لحظة سقوط بغداد عام 2003، لم يغادر هذا "المنطق" واختار بث برنامج عن أزمات الاقتصاد التركي لحظة بدء غارات التحالف على المدن السورية فجر الثالث والعشرين من الشهر الفائت.

في الساعات الأولى لبدء الغارات تعامل إعلام النظام معها بشكل "محايد" وكأنها تحدث في مكان آخر مثل أفغانستان أو الصومال. وجاء عنوان الخبر الرسمي لوكالة الأنباء الرسمية "سانا" والذي تم توزيعه على كل وسائل إعلام النظام فالتزمت به دون أن تزيد عليه شيئاً، كالتالي: "أمريكا وشركاؤها يستهدفون مقار لتنظيمي داعش وجبهة النصرة الإرهابيين في الرقة ودير الزور وإدلب".

والخبر المكون من 200 كلمة اكتفى بذكر أسماء المناطق التي طاولها القصف الأمريكي، من دون أية لمسة يشعر معها القارئ أن الحدث يقع داخل الأراضي السورية.

لم يقطع التلفزيون الرسمي برامجه، أو يعمل على تغطية خاصة لهذا الحدث الذي انشغلت به أصقاع الأرض، والتفاعل الوحيد الذي جاء بعد ساعات كان عبر الشريط أسفل الشاشة الذي يظهر بين الحين والآخر، لينقل عن مراسل الفضائية خبراً عاجلاً عن قصف قوات التحالف مواقع "تنظيم داعش الإرهابي" في هذه المنطقة أو تلك.

وبعد استيعاب "الصدمة" في اليوم الأول، لم "يطور" الإعلام الرسمي من تغطيته بشأن نقل تفاصيل الضربات على سوريا، لكنه حاول ايجاد مقاربة لحفظ التوازن بين مزاعم "السيادة الوطنية" وضرورة "محاربة الإرهاب"، وهو ما كان في صلب عمل القيادة الحكيمة طيلة السنوات الماضية، وفق ما اجتهدت القنوات الخاصة المقربة من النظام، معتبرة أن قصف قوات التحالف لتنظيم "الدولة" هو استكمال للقصف والتدمير الذي قامت به قوات النظام في مختلف المناطق السورية على مدى ثلاثة أعوام، لكن تلك القنوات تناست ما كانت تردده قبل أيام بأن ما تخطط له واشنطن، هو اعتداء سافر على السيادة الوطنية.

لكن المفارقة المدهشة جاءت في العنوان الرئيسي لصحيفة "الوطن" التي يملكها رجل الأعمال الشهير رامي مخلوف قريب رئيس النظام والذي جاء كما يلي: "واشنطن وحلفاؤها في خندق واحد مع الجيش السوري لمحاربة الإرهاب". وجاءت باقي عناوين الصحيفة أقرب إلى الترحيب والمباركة لهذه الضربات.

وأبرزت الصحيفة تصريحاً للأسد يؤكد وقوف سوريا إلى جانب الحملة، التي كانت قبل أسبوع واحد فقط عدواناً، وانتهاكاً للسيادة الوطنية.

ورغم محاولات الصحيفة، وكانت أول من يعلق على ضربات التحالف من طرف النظام، سبك رواية ما تخاطب بها الجمهور الموالي، إلا أن ثمة ثغرات كثيرة ظلت تعتري هذه الرواية.

ولم تحاول الصحيفة الإجابة على أسئلة تطرح نفسها، مثل كيف يمكن لدولة أن ترحب بهجوم عسكري على أراضيها، من قبل من تسميهم بالأعداء والمتآمرين، بل وتتكلم في الوقت نفسه عن السيادة الوطنية باعتبارها كنزاً لا يمكن للنظام التفريط به.

ووفق منهج ينتمي إلى مدرسة المحلل الموالي الشهير طالب إبراهيم وحديثه المثير عن وقوع البارجة الألمانية التي كانت تعطي التعليمات للمتظاهرين السوريين في شرك المخابرات السورية، تؤكد الصحيفة وجود تنسيق بين النظام والأمريكيين عبر النظام العراقي، وأن المخابرات السورية هي من تزود طائرات التحالف بالمعلومات عن مواقع "داعش" ليتم قصفها.

وتختم الصحيفة بالقول إن أعلى درجات التنسيق موجودة بين النظام السوري والجيش الأمريكي، وبأن "القيادة العسكرية الأمريكية باتت في خندق واحد مع قيادة الجيش السوري في الحرب على الإرهاب داخل سوريا وعلى حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية، حتى لو رفضت واشنطن ودمشق مثل هذا التشبيه لأنه يتعارض مع توجهات رأيها العام، إلا أنه واقعي وحقيقي".

واللافت للنظر أن هذا التهليل المرتبك، لم يكن هو السائد لدى إعلام الممانعة في لبنان، حيث عمدت قناتا "المنار"، و"الميادين" إلى الاحتفاء بخطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله، الرافض للعدوان، وهو الخطاب الذي تجاهله تقريباً الإعلام السوري.

يبقى أن نشير إلى أن الموقف السوري الرسمي لم يقل ارتباكاً وتناقضاً عن موقف الإعلام، وفي حين حاول هذا الموقف بداية التمسك بوجود تنسيق مع واشنطن في بدء الضربات، محاولاً بكل وسيلة الاعتراف بالنظام كشريك فاعل في هذه الحرب، فتر حماسه في وقت لاحق إثر الرفض الأمريكي والغربي والعربي المتكرر لهذه الشراكة، محاولاً في الوقت نفسه فرض نفسه كشريك بحكم الأمر الواقع عبر تكثيف غاراته على تنظيم داعش، وأحياناً على المناطق ذاتها التي يستهدفها طيران التحالف، ما أثار من جهة أخرى شكوكاً حول وجود تنسيق بالفعل مع قوات التحالف، وإلا كيف يحلق طيران النظام في الوقت نفسه مع طيران التحالف في المناطق ذاتها ويفترض أنهما ليسا صديقين، وفي ظل تحذيرات أمريكية علنية للنظام من إرسال طائراته لتلك المناطق.

والواقع أن مثل هذه الاحتمالات لا يمكن الجزم بها حتى الآن في ظل ضعف المصداقية لدى كلا الجانبين النظام السوري والتحالف الدولي، لكن ما يمكن الجزم به هو أن إعلام النظام ما يزال وفياً لخطه القديم جداً لجهة الاستهتار بعقل وثقافة المتلقي، إذ لا يبالي في تزويده برسائل شديدة التناقض دون أن يرف له جفن.

مكة المكرمة