لماذا أبقت إسرائيل ملف "الإثيوبي" المفقود في غزة طي الكتمان؟

منسق شؤون المفقودين يهدد عائلة المفقود بتركه في غزة إذا ثارت الأقلية الإثيوبية

منسق شؤون المفقودين يهدد عائلة المفقود بتركه في غزة إذا ثارت الأقلية الإثيوبية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 10-07-2015 الساعة 12:10
مي خلف


لم يكن غريباً عن حكومة الاحتلال أن تقع في مأزق استثنائي من هذا النوع، إذ إن كون المفقود الإسرائيلي في غزة من أصل إثيوبي كان كفيلاً بكشف حقيقة عنصرية حكومة الاحتلال تجاه الأقليات العرقية المهمّشة.

وللمرة الأولى، كشفت أجهزة الأمن الإسرائيلية، الخميس، عن وجود أسيرين صهيونيين لدى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، بالإضافة إلى جثتي جنديين قتلا في الحرب العدوانية الأخيرة على القطاع صيف 2014.

وخلال الحرب، أعلنت كتائب القسام في 20 من يوليو/ تموز 2014، أسرها الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون، خلال تصديها لتوغل بري للجيش الإسرائيلي شرق مدينة غزة. وبعد يومين، اعترف الجيش الإسرائيلي بفقدانه، لكنه رجح مقتله في المعارك مع مقاتلي "حماس".

وتتهم إسرائيل حركة "حماس" باحتجاز جثة ضابط آخر يدعى هدار غولدن قُتل في اشتباك مسلح شرقي مدينة رفح، يوم 1 أغسطس/ آب 2014، وهو ما لم تؤكده الحركة أو تنفه.

وبحسب المعلومات التي نشرها الإعلام العبري؛ فإن الإسرائيلي الأول من أصول إثيوبية، يدعى أبراه منغيستو، وتدعي أنه عبر السياج الحدودي بين الاحتلال وقطاع غزة بإرادته ليقع، وفق التقديرات الإسرائيلية، أسيراً لدى المقاومة الفلسطينية.

وظهر بشكل واضح أن الأسرى البيض أوروبيي الأصل؛ جلعاد شاليط أو أورون شاؤول، لا يقارنان إطلاقاً بـ"أبراه منغيستو" الشاب الإثيوبي المفقود، الذي يبدو أنه- بنظر الحكومة- لا يستحق نفس الاهتمام.

وقد ظهر ذلك في عدة عوامل، أولها التكتم الكامل على قضية اختفائه لأكثر من 10 شهور، على عكس الإعلان الفوري عن فقدان الجنديين أورون شاؤول وهدار غولدن في غزة أثناء العدوان الأخير على قطاع غزة الصيف الماضي.

فبحسب ما ذكرت الصحف العبرية، الخميس، ومن بينها "هآرتس"، فقد وثقت كاميرات المراقبة الخاصة بجيش الاحتلال على شاطئ "زيكيم" أن منغيستو تسلق الجدار الأمني ودخل إلى غزة يوم 8 سبتمبر/أيلول 2014.

وعلى الرغم من ذلك، لم يتجاوب المسؤولون الأمنيون مع نداءات العائلة إلا بعد أسبوعين من الحادثة، حيث زارهم مسؤول أمني أجبرهم على الصمت، وحظر عليهم اللقاء مع وسائل الإعلام أو الإجابة عن أسئلتهم بأي وسيلة كانت؛ لأسباب وصفت بـ"الأمنية"، لكن الحظر طال، والقضية أهملت بالرغم من مطالبات العائلة وبالرغم من رسائل حركة حماس المتقطعة حول وجود أسير جديد في حوزتها.

لكن، وسط التكتم الشديد حاولت العائلة والمتضامنون معها إثارة قضية اختفاء "منغيستو" قبل فترة قصيرة من رفع الحظر عن قضيته، وذلك أثناء المظاهرات الاحتجاجية التي قادها يهود "الفلاشا" (من أصل إثيوبي) في تل أبيب الشهر الماضي، لكن الحظر على وسائل الإعلام منعهم من إنجاح خطوتهم.

تهديدات رسمية

وحتى بعد السماح بنشر قضية "منغيستو"، الخميس، فقد استمر التعامل السيئ من قبل ممثلي الحكومة مع عائلته والمتضامنين معه. فبحسب ما كشفت صحيفة "هآرتس"، في تسجيل صوتي نشرته، الجمعة، فقد هدّد الممثل الرسمي لمكتب حكومة بنيامين نتنياهو المفوّض بملف شؤون المفقودين والأسرى، ليئور لوتن، عائلة المفقود وحذّرهم من إثارة قضية العنصرية ضد الإثيوبيين مرة أخرى أو توجيه أصابع الاتهام لحكومة الاحتلال.

وفي حديثه معهم، الذي اطلع على تسجيله "الخليج أونلاين"، أمر لوتن العائلة بعدم التركيز على القضية، وتوجيه أصابع الاتهام لحركة حماس بدلاً من نتنياهو، قائلاً إن مفاضلتهم بين هذين الأمرين ستحدد مصير ابنهم. وأوضح قائلاً: "إذا تسببت قصة أبراه بحالة إرباك واحتجاج بين أبناء الأقلية الإثيوبية، فسوف يبقى أبراه في غزة، وإذا أكثرت العائلة من الكلام عن مشاعر الغضب وخيبة الأمل من الحكومة فسوف يبقى أبراه سنة أخرى في غزة".

ولم تكن هذه هي الألفاظ الوحيدة التي بدرت من مسؤول رسمي بحكومة نتنياهو، ففي وقت سابق قلل منسق أعمال الحكومة، يوئاف مردخاي، من قضية منغيستو؛ إذ شدد على كونه "عبر الجدار عمداً وبمحض إرادته"، مما يدل على نية الحكومة التعامل بشكل مختلف مع قضية أبراه، ولن تقوم بما قامت به لأجل شاليط أو ما ستقوم به لأجل شاؤول وغولدن.

الاحتلال بين "الفوضى الداخلية" و"صفقة تبادل"

ويرى مراقبون أن التوقيت الذي كشف فيه عن قضية منغيستو وقصة اختفائه لا تصب في مصلحة الاحتلال، إذ إنها وضعته في موقف معقد ومركب ينبئ بالمزيد من التفكك الاجتماعي والتصدعات العرقية والفكرية داخل المجتمع الإسرائيلي. فإذا لم تتفاعل حكومة الاحتلال رسمياً مع قضية منغيستو كما فعلت مع شاليط وغولدن وشاؤول، فسيكون ذلك كفيلاً بإشعال الشارع الإسرائيلي مرة أخرى وتحريض الأقلية الإثيوبية البالغ تعدادها أكثر من 135 ألف نسمة، والتسبب بفوضى داخلية عارمة.

لكن من ناحية أخرى تتخوف حكومة الاحتلال من أن تسليط الضوء على منغيستو سيدفع حركة حماس -في حال كان في قبضتها فعلاً- لرفع سقف طلباتها واستغلال رغبة الاحتلال بتهدئة الأقلية الإثيوبية لصالح تحرير المزيد من الأسرى الفلسطينيين، وعقد صفقات تبادل أكبر، أو حتى استغلال القضية للوصول إلى اتفاق هدنة طويلة المدى يصب في مصلحة غزة.

مكة المكرمة