مصافحة أمير قطر للسيسي.. أبعادها ودلالاتها

أي تقدم في العلاقات مرهون بتفهم مصري للسياسة الخارجية القطرية

أي تقدم في العلاقات مرهون بتفهم مصري للسياسة الخارجية القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 26-09-2014 الساعة 23:38
الدوحة - إياد نصر- الخليج أونلاين


أثارت تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، صافحه في أثناء تناول الغداء بمقر الأمم المتحدة، الأربعاء الماضي، تساؤلات حول مغزى ودلالات تلك المصافحة التي لم تؤكدها قطر أو تنفِها.

وتعد هذه المصافحة بمثابة أول لقاء يجمع السيسي وأمير قطر، إذ توترت العلاقات بين بلديهما في أعقاب الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013، الذي كان يتمتع بعلاقات جيدة مع الدوحة.

ولكن هل تعد تلك المصافحة "بروتوكولية" لا يجب تحميلها أكثر مما ينبغي، أم أن وراءها رسالة، وقد تشير إلى بدء صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين؟

الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الرجوع إلى السياق الذي حدثت فيه المصافحة، فبحسب ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية المصرية عن السيسي، فإن أمير قطر جاء لمصافحته على الغداء الذي أقامه سكرتير عام الأمم المتحدة لرؤساء الوفود المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبهذا السياق فهي ليست مصافحة بروتوكولية، في الوقت الذي قرأها السيسي ذاته بأنها بادرة إيجابية من قطر، لذلك قال في تصريحه للصحفيين: إن "الأمور تسير في طريقها للحل".

وقبل الخوض في ذلك، نرصد أسباب التوتر في العلاقات بين البلدين؟

في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني الماضي، غادر السفير القطري لدى مصر، سيف بن مقدم البوعينين القاهرة في وقت توترت فيه علاقات بلاده مع مصر على خلفية انتقادات وجهتها الدوحة لعزل الرئيس المصري محمد مرسي، واستضافة الأخيرة قيادات من جماعة الإخوان التي ينتمي إليها مرسي، والتي أعلنتها الحكومة المصرية جماعة إرهابية في ديسمبر/ كانون الأول 2013، إضافة إلى اتهام القاهرة لفضائية الجزيرة الإخبارية، بـ "التحريض على مصر".

في المقابل، استدعت مصر سفيرها في قطر للتشاور، أوائل يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد انتقاد قطر لممارسات السلطات الحالية في مصر تجاه جماعة الإخوان المسلمين، ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد السفير المصري إلى الدوحة.

وكانت علاقات قوية ربطت مصر وقطر خلال فترة رئاسة مرسي التي استمرت قرابة العام، لكن العلاقات توترت بعد عزله.

وشنت الحكومة المصرية حملة ملاحقة لجماعة الإخوان المسلمين بعد عزل مرسي دفعت كثيرين من قيادات وأعضاء الجماعة ومعارضي الحكومة للجوء إلى قطر.

الإخوان المسلمون وقناة الجزيرة

إذاً أسباب التوتر في العلاقات بين البلدين تتمثل في إقامة عدد من قادة جماعة الإخوان في قطر، إضافة إلى ما تعتبره السلطات المصرية تحريضاً من قناة الجزيرة ضدها.. وإذا كان هناك طريق للحل فلا بد من معالجة أسباب التوتر.

الموقف القطري من جماعة الإخوان أوضحه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأمريكية الخميس، ومفاده أن قطر لا تعتبر جماعة الإخوان جماعة "إرهابية"، وهي مرحب بها للإقامة في قطر، شريطة عدم قيامهم بأي عمل سياسي.

وحول سؤال عن وجود عدد من قيادات تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في قطر، أجاب أمير قطر بأن "ما حدث في مصر قبل عام، جعل العديد من قياديي الإخوان المسلمين يأتون إلى قطر لأنهم كانوا مهددين وخائفين، وهم في أمان وموضع ترحيب في قطر طالما أنهم لا يمارسون أي نشاط سياسي، وما زال البعض موجوداً والبعض الآخر منهم غادر البلاد لأنهم يؤمنون بأنه آن الأوان لممارسة العمل السياسي، وهم مدركون أن قواعد بقائهم في قطر تمنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي ضد أي بلد عربي آخر".

أيضاً أشار أمير قطر إلى أن بلاده قدمت المساعدة إلى الحكومة العسكرية المصرية قبل الإخوان المسلمين وبعد تنحي الرئيس حسني مبارك مباشرة، وأن ما يدعيه البعض بدعم الإخوان المسلمين غير صحيح، فالدعم الذي قدمته قطر كان للحكومات المصرية المتعاقبة وما زال مستمراً لذلك فالأمر لا علاقة له بالإخوان المسلمين.

قناة الجزيرة

أما فيما يتعلق بقناة الجزيرة ، فقد نفى وزير الخارجية القطري خالد العطية نية بلاده ممارسة أي ضغوط على فضائية الجزيرة.

وقال العطية في حوار مطول نشرته صحيفة "فاينينشال تايمز" البريطانية في عددها الصادر في 15 سبتمبر/ أيلول الجاري: إن بلاده "لن تمارس أي ضغوط على قناة الجزيرة القطرية". وجاء ذلك رداً على سؤال بشأن مطالبات دول جوار بما وصفته الصحيفة "تكميماً" لقناة الجزيرة المتعاطفة مع آراء الإسلاميين.

ومنذ الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي في يوليو/ تموز من العام الماضي، تتهم مصر قناة الجزيرة بدعم جماعة الإخوان المنتمي إليها مرسي، والتدخل في الشؤون المصرية الداخلية، وهو ما تنفيه الدوحة التي تستضيف عدداً من قيادات جماعة الإخوان والشخصيات السياسية الداعمة لهم، التي غادرت مصر عقب الإطاحة بمرسي.

بوادر إيجابية

واستبق المصافحة الأخيرة 3 تهانٍ من أمير قطر للسيسي في مناسبات مختلفة، في ظل توتر مستمر في العلاقات بين البلدين.

وسبق أن بعث الشيخ تميم ببرقية تهنئة إلى السيسي للتهنئة بذكرى ثورة 23 يوليو. كما سبق أن تلقى السيسي اتصالاً هاتفياً من الشيخ تميم في 29 يونيو/ حزيران الماضي للتهنئة بحلول شهر رمضان المبارك.

كما بعث أمير قطر في 8 يونيو/ حزيران الماضي ببرقية إلى السيسي أعرب فيها عن تهانيه بمناسبة أدائه اليمين الدستورية رئيساً لجمهورية مصر.

كيف نفهم الأمر؟

رسائل التهاني ومصافحة أمير قطر للسيسي، كيف يمكن أن يتم فهمها إذاً في ظل تصريحات أمير قطر بشأن الإخوان وتصريحات وزير خارجيته بشأن قناة الجزيرة.. الأمر يقتضي فهم سر السياسة الخارجية القطرية.

هذا السر كشفه وزير خارجية قطر في تصريح له في 10 مارس/ آذار الماضي، حين قال: إن "استقلال السياسة الخارجية لدولة قطر هو ببساطة غير قابل للتفاوض"، كما أكد التزام بلاده "بدعم حق الشعوب في تقرير المصير ودعمها التطلعات نحو إحقاق العدالة والحرية".

وأوضح أن دولة قطر تنتهج سياسة خارجية مستقلة خالية من أي تأثير خارجي وهي لا تتبع "عقلية المحاوِر" السائدة في منطقة الشرق الأوسط، التي يختار الأطراف بموجبها الانضمام لمعسكر أو لآخر بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتابع: "مبادئنا وقيمنا لم تتغير على مر الزمن، ويجري تناقلها من جيل إلى آخر، فقطر تتخذ قراراتها وتتبع مساراً خاصاً بها".

وقال العطية: إن "قطر اختارت ألا تبقى على هامش التاريخ، لقد قررت الاضطلاع بدور كبير في الشؤون العالمية والتواصل مع الدول الأخرى والتوسط في النزاعات والعمل على إنهاء النزاعات العنيفة ورعاية اللاجئين".

والخلاصة أن أي تقدم في العلاقات بين البلدين مرهون بتفهم مصري للسياسة الخارجية القطرية، واستعداداته للتعاطي معها، والتعامل بشكل إيجابي مع ما حملته البوادر الإيجابية.. وما حملته مصافحة أمير قطر للسيسي وتهانيه له، والتي تأتي بمثابة رسالة من قطر أن هناك اعترافاً رسمياً من الدوحة بالسيسي كرئيس لمصر، ولكن هناك مبادئ للسياسة الخارجية القطرية غير قابلة للتفاوض.

كما يعد تصريح أمير قطر بشأن عدم السماح للإخوان بممارسة السياسة انطلاقاً من بلاده، بادرة إيجابية تجاه مصر، مع تأكيده وترحيبه باستضافة من يريد من الإخوان البقاء ببلاده دون ممارسة السياسة وهذه هي مبادئ السياسة الخارجية القطرية.. والأمر نفسه ينسحب على قناة الجزيرة، التي تؤكد قطر استقلاليتها.

مكة المكرمة