مع اختتام مؤتمر ميونيخ.. إيران تساوم على أمن العالم واستقراره

إيران قلقة من التحركات العسكرية السعودية التركية

إيران قلقة من التحركات العسكرية السعودية التركية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 15-02-2016 الساعة 09:25
برلين - وسام أبو الهيجاء - الخليج أونلاين


انتهت أعمال أهم المؤتمرات العالمية للأمن، الأحد، بميونيخ، بعد أن خيمت على أجوائه على مدار أيام انعقاده الثلاثة الماضية حالة من الاحتقان وانقسام الرؤى حول كيفية معالجة التحديات التي يواجهها السلم والأمن العالميان، في ظل تأزم القضايا والملفات في مناطق متعددة من العالم.

وتمحورت النقاشات حول القضية السورية وأزمة اللاجئين وسبل مواجهة تنظيم "الدولة"، بالإضافة إلى قضايا دولية وإقليمية مختلفة.

وتحتضن عاصمة ولاية بافاريا الألمانية ميونيخ أعمال المؤتمر منذ تأسيسه عام 1963، وهو أكبر المحافل الدولية المتخصصة بشؤون الأمن والدفاع، إذ يجتمع المسؤولون والوزراء والمتخصصون بشؤون الأمن والسياسات الدفاعية والمهتمون بالصناعات العسكرية من مختلف الدول في مثل هذا الوقت من كل عام، لمناقشة أبرز القضايا والنزاعات على الساحة الدولية، وتبادل الآراء والمقترحات لحل تلك القضايا في إطار المجموعة الدولية.

الصراعات والمواجهات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط كانت المحطة الأبرز في أعمال مؤتمر ميونيخ هذا العام، حيث بات بالإمكان الحديث عن إجماع ٍدولي يرى في بقاء الأسد على سدة الحكم والاستمرار في دعم نظامه؛ تهديداً واضحاً للسلم والأمن العالميين، رغم الانقسامات الحادة بين الدول الكبرى حول كيفية مواجهة تلك التهديدات، وإعطاء الأولوية لمواجهة تنظيم "الدولة" عسكرياً والاكتفاء بالجهد الدبلوماسي المنزوع من الضغط الدولي حتى الآن؛ لحسم مصير الأسد وإنهاء الصراع الدائر في سوريا.

- الحضور الإيراني

بدا الأداء الإيراني في مؤتمر ميونيخ استعراضياً ومتناسقاً مع الطرح الروسي، في ظل حالة الغضب وخيبة الأمل التي سادت أروقة المؤتمر بسبب استمرار القصف الروسي في سوريا، رغم الإعلان الذي خرج به وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي عن إيقاف ما أسمياه "العمليات العدائية" خلال أسبوع، قبل يوم ٍواحد من انطلاق أعمال المؤتمر، وبعد سيل الاتهامات والتصريحات ذات الطابع العدائي التي أطلقها رئيس الوزراء الروسي، ديميتري ميدفيدف، حول "انزلاق أوروبا في حرب ٍباردة" مع روسيا.

تتقاسم إيران المسؤولية مع روسيا في إطالة أمد الصراع في سوريا من خلال دعمها العسكري لنظام الأسد، وينظر إليها في الغرب على أنها طرف رئيسي في الأزمة السورية، إلى جانب روسيا ونظام بشار الأسد، ومن هذا المنطلق؛ جاءت الرغبة الدولية في انضمام إيران إلى جانب السعودية وروسيا والولايات المتحدة للحوار الدائر حول إمكانية إنجاح وقف إطلاق النار والعودة إلى مفاوضات جنيف، كبداية لوضع مبادئ وأسس للعملية السياسية التي من شأنها أن تفضي إلى نهاية الصراع وإزاحة الأسد عن الحكم.

إلا أن مواصلة الطائرات الروسية قصفها للمعارضة السورية والانخراط الإيراني في المعارك بتنسيق كامل مع الروس، رغم الاتفاق المعلن في ميونيخ، وتّر من أجواء المؤتمر وجعلت من جلساته ساحة ًمفتوحة للتراشق بين الولايات المتحدة والسعودية من جهة، والروس والإيرانيين من جهة أخرى.

- إيران والغرب

بدأ وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، كلمته المقتضبة في مؤتمر ميونيخ، باعترافٍ ضمني بوجود أزمة ثقة بين أوروبا وإيران رغم التوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي.

وبهذا فإن ظريف يذكر الأوروبيين بأنهم فعلوا ذلك على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"؛ لإدراك الغرب أن لا مجال لنزع ذلك الحق من إيران، وهو ما يمكن أن يفعلوه مرة أخرى مع الغرب ومع "الأشقاء" السعوديين في المنطقة، بالقبول بحق إيران في الحفاظ على مصالحها في المنطقة، مذكراً جيرانه العرب بأن الخليج "الفارسي" بحسب وصفه منطقة ضيقة، وما سيصيب مفاعلاتها النووية على شواطئها سيرتد على الجميع.

يتجاوز الوزير الإيراني متناسياً أو متذاكياً الفارق بين تسوية ملفها النووي مع القوى الكبرى وفقاً لما أشار إليه، وبين التسوية التي تسعى إليها طهران لقبولها كقوة ٍإقليمية ذات حدود "مطاطية"، تتمدد عبر العواصم العربية تباعاً؛ وفقاً لمتطلبات أمنها القومي ورغباتها التوسعية على المبدأ ذاته، فبطاقة الدخول إلى النظام الدولي تختلف عن تلك التي مكنتها من الدخول إلى قائمة الدول النووية أياً كان حجم برنامجها، بفضل الظروف الدولية التي مكنت إيران من الإمساك بأوراق الضغط ومساومة الولايات المتحدة وحلفائها إبان غزو العراق وأفغانستان.

لم يجد الإيرانيون قاسماً مشتركاً مع الغرب سوى مواصلة خلق أعداء مشتركين مع الولايات المتحدة وحلفائها كحركة طالبان في أفغانستان والقاعدة، والحركات الإسلامية المسلحة ذات التوجهات المتشددة في العراق وسوريا واليمن، حيث قدم وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، دعوة مفتوحة إلى الغرب، للتعاون في مواجهة تنظيم "الدولة" في سوريا.

وعلى الجانب الاقتصادي تلوح إيران تارة للشركات الألمانية والأمريكية لتطوير بنيتها التحتية المتهالكة وبنيتها الصناعية بعقود ٍتبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها والإفراج عن أموالها المجمدة، وبعقود غازٍ ونفط مخفضة تارة أخرى؛ رغم تخمة المعروض بالأسواق وتدهور أسعار النفط العالمية، وهو ما سيثقل كاهل الاقتصاد العالمي المتجه نحو الانكماش بقوة بفعل السياسة الاقتصادية الإيرانية المبنية على زعزعة الاقتصادات المحيطة بها في المنطقة، وتعويض أي تخفيض محتمل قد تقدم عليه السعودية في إطار محاولتها إنقاذ أسعار النفط العالمية.

هنا يظهر التهديد الإيراني للأمن والسلم العالميين، فمحاولة طهران فرض واقع ٍجيوسياسي جديد في المنطقة عبر سوريا، بزج قواتها وبالمليشيات الشيعية التابعة لها في الصراع الدائر على بعد كيلومترات ٍقليلة من الحدود التركية، العضو في حلف شمال الأطلسي، يهدد باستمرار الصراع في سوريا إلى أمد ٍبعيد، لتستمر معه أزمة تدفق اللاجئين نحو القارة الأوروبية واستنزاف اقتصادتها، وتتزايد معها أيضاً فرص حدوث مواجهة ٍعسكرية مع تركيا، تستدعي تدخل حلف الناتو في الصراع الدائر في سوريا، وهو ما سعت إليه روسيا على مدار السنوات الماضية.

كما يظهر التهديد الإيراني للسلم والأمن في العالم، من خلال الحرب الطائفية التي تقودها في العراق منذ العام 2006، وإشرافها على المليشيات الشيعية الخارجة عن سيطرة الدولة العراقية التي تخوض تلك الحرب، ومواصلة عمليات القتل والتهجير في المناطق والمحافظات العراقية؛ للإخلال بديموغرافية المحافظات السنية، وهو ما من شأنه استمرار ظهور جيوب وحاضنات خصبة للجماعات الإرهابية، كتنظيم "الدولة" ومن سار على نهجها في العراق؛ بسبب الظلم والاستهداف بالقتل وأحكام الإعدام التي يتعرض لها سنة العراق.

بات الإيرانيون يدركون أن ثمة متغيرات متسارعة تجري على الأرض، فالحزم السعودي في اليمن نزع منها ورقة التحكم بنحو 10% من حجم التجارة العالمية التي تمر عبر مضيق باب المندب، والمواجهة التي تقودها الولايات المتحدة في العراق ضد تنظيم "الدولة"؛ أفرزت الحاجة إلى تقوية المؤسسة العسكرية العراقية لأخذ زمام المبادرة في فرض الأمن والاستقرار في كل المدن العراقية، ونزع سلاح المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، حيث أظهرت تصريحات رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، خلال مؤتمر الأمن في ميونيخ؛ والتي أقر فيها بوجود مليشيات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة ضمن الحشد الشعبي، مضي واشنطن قدماً في هذا الاتجاه.

أما في سوريا، فالتحركات العسكرية والتهديدات الصادرة عن القادة العسكريين الإيرانيين خلال الساعات الماضية، تثبت مدى قلق إيران من التحركات العسكرية السعودية التركية التي بدأت إرهاصاتها بالظهور مع وصول أسراب الطائرات السعودية والقطرية والإماراتية إلى قاعدة إنجيرليك التركية، ومع بدء تنفيذ تركيا وعيدها بإزاحة الوحدات الكردية عن حلب وريفها بالقوة.

وإزاحة تنظيم "الدولة" عن المشهد السوري ولجم الوحدات الكردية؛ يعني بالنسبة لنظام الأسد وإيران إحكام السيطرة على الحدود السورية مع تركيا وإقامة مناطق آمنة للاجئين السوريين في المناطق التي سيتم انتزاعها من سيطرة التنظيم؛ أي نزع ورقة الابتزاز التي يستخدمها نظام الأسد وحلفاؤه من الإيرانيين والروس ضد الأتراك وضد الأوروبيين.

مكة المكرمة