منظمات المجتمع المدني بمصر.. إما الصمت أو السحق

الأمن يستهدف منظمات المجتمع المدني بصورة غير مسبوقة

الأمن يستهدف منظمات المجتمع المدني بصورة غير مسبوقة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 28-03-2017 الساعة 15:57
القاهرة – أسماء طه - الخليج أونلاين


تعيش منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في مصر خلال الفترة الراهنة أسوأ مراحلها، شأنها في ذلك شأن الملف الحقوقي نفسه؛ فالاعتقال التعسفي، وإغلاق المقرات وملاحقة العاملين ومصادرة الأموال، كلها، غيضٌ من فيض تتجرعه هذه المنظمات التي تواجه حملة حكومية تجاوزت حد الاتهام بالتمويل إلى الاتهام بالخيانة، كما يقول بعضهم.

وبعدما تمكنت السطات في مصر من الإجهاز على غالبية معارضيها السياسيين على مدار ثلاث سنوات، أعقبت انقلاب يوليو/تموز 2013، شنت الأجهزة الأمنية حملة ضارية على المنظمات الحقوقية صحبتها حملة إعلامية لا تقل ضراوة بحقهم.

وقد أسفرت هذه الحملة، حتى الآن، عن إغلاق عدد من مقرات بعض المنظمات ومنْع بعض العاملين بالمجال من السفر، وتجميد أموال آخرين، فضلاً عن خضوع هؤلاء جميعاً للمحاكمة.

نائب رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، محمد زارع، يرى أن المجتمع المدني في مصر "يواجه حملة غير مسبوقة من قِبل الدولة"؛ مضيفاً: "نشاط حقوق الإنسان أصبح مشبوهاً في مصر؛ فالدولة تطعن في وطنية العاملين فيه".

وفي ندوة عُقدت الاثنين 6 مارس/آذار 2017 بمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بجنيف، أكد زارع أن مصر "بها تعذيب بالفعل"، موضحاً أن لدى القاهرة فرصاً أكبر لتكون أفضل من سوريا التي تعيش حرباً أهلية، "كما أن اعتقاد أن المصريين سيُحكمون بالحديد والنار طوال الوقت، أمر مخيف".

وفي إطار تضييقها على المنظمات التي تكافح التعذيب وتوثق الانتهاكات التي باتت محط انتقادات عالمية منذ انقلاب يوليو/تموز 2013، اعتقلت السلطات عشرات المحامين، وأغلقت عدداً من المنظمات، كان آخرها مركز "النديم" للتأهيل النفسي ومكافحة التعذيب، الذي أُغلق في فبراير/شباط 2017، بعد قرابة ربع قرن من النشاط المجتمعي المستمر والملموس.

كما منعت الحكومة عدداً من ناشطي المجتمع المدني من السفر وتحفظت على أموالهم، وهم حالياً يحاكَمون بتهم عديدة؛ من بينها تلقي تمويلات خارجية.

اقرأ أيضاً:

راقصة تثير غضب أزهريين بتقديمها برنامجاً دينياً في مصر

- انهيار حقوق الإنسان:

منظمة هيومان رايتس مونيتور، أكدت على لسان مسؤولة الملف المصري بها، سلمى أشرف، أن "العمل الحقوقي بمصر يعاني، وأن كل العاملين بمجال حقوق الإنسان أو النشاط السياسي بشكل عام مهددون بالاعتقال أو الاختفاء القسري والقتل".

وفي حديثها لـ"الخليج أونلاين"، أوضحت المسؤولة الحقوقية أن مصر "تشهد انهياراً تاماً لحقوق الإنسان؛ حيث أصبح الإفلات من العقاب محلياً ودولياً هو الصبغة الحالية، وبات القتل والتصفية والإخفاء القسري هو النهج الحالي للسلطة وأصبحت حياة المصريين لا ثمن لها".

حتى إن الصحفيين والمدونين "باتوا مهدَّدين بإنهاء حياتهم إذا انتقدوا النظام أو عارضوه"، بحسب أشرف؛ التي أضافت: "أغلب المنظمات المعروفة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وفترة حكم المجلس العسكري ثم فترة الرئيس المعزول محمد مرسي، قد انخفض صوتها كثيراً أو تلاشى تماماً".

- منظمات من الخارج:

في الوقت نفسه، تضيف مسؤولة الملف المصري في "هيومان راتيس مونيتور": "نجد عدة منظمات قد أُنشئت بالخارج عقب الانقلاب العسكري، بعدما صُدمت من صمت المنظمات الداخلية تجاه المذابح التي ارتُكبت وما زالت ترتكب إلى يومنا هذا دون وجود من يدافع عن ضحايا تلك الانتهاكات".

ومن الملاحظ أن هذه المنظمات اختارت مقرات لها خارج مصر؛ بسبب قسوة السلطات والخوف من اعتقال العاملين بها، ومن ثم تصعيب عملية التوثيق، ورغم ذلك ما زال المدافعون عن حقوق الإنسان متمسكين بالدفاع عن مبادئهم في حماية ضحايا انتهاكات الدولة، بحسب أشرف.

مسؤولة "هيومان رايتس مونيتور"، لفتت أيضاً إلى أن عدداً كبيراً من العاملين بمنظمات حقوق الإنسان تعرضوا للاعتقال، وتم اقتحام المنظمات واعتقال من فيها والتحقيق معهم وتشميع مراكز معروفة، مثل مركز النديم، في محاولة من الدولة لتكميم الأفواه، وفق قولها.

كما أشارت إلى أنه "بعد إغلاق مقر النديم واعتقال الحقوقيين بما يفوق 400 محامٍ ومدافع عن حقوق الإنسان، أصبح التهديد أكبر بكثير؛ إلا أن العاملين في المجال تعهدوا بالاستمرار فيه وإن كانوا أفراداً فقط".

وما تزال هذه المنظمات، برأي أشرف، مستمرة من أجل إيصال أصوات الضحايا والعمل على إيقاف الانتهاكات والضغط على المنظمات الدولية المعنيّة بحقوق الانسان؛ "لإيقاف ما يجري من جرائم تتم بلا محاسبة؛ بل بترحيب الدولة".

- ضغط على الدولة:

من جهته، قال المحامي بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، حليم حنيش، إن السلطات المصرية "تستهدف منظمات المجتمع المدني بشكل مباشر؛ وذلك نتيجة دور تلك المنظمات في تشكيل حملات ضغط على الدولة لتحسين معاملة المصريين، لا سيما من هم قيد الاحتجاز".

وأوضح حنيش، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "هذه المنظمات تُصدر تقارير تؤكد أن السلطات المصرية تخالف المواثيق والمعاهدات الدولية كافة الخاصة بحقوق الإنسان والتي وقّعت عليها مصر"، معتبراً أن "الدولة تحاول تحجيم دور منظمات المجتمع المدني بالاستهداف المباشر لأعضائها أو إغلاق مقراتها كما حدث مع مركز النديم".

ولفت حنيش إلى أن المنظمات الآن "تعمل تحت ضغط شديد من الدولة، فلم تعد تقوم بالأدوار نفسها التي كانت تقوم بها؛ بسبب صعوبة الوصول إلى المعلومات". لكنه أشار إلى أنه رغم تلك الضغوط والملاحقات وإغلاق المقرات، فإن هذه المنظمات "لا تزال تعمل وتحاول الوصول إلى الحالات وتوثيقها".

- لا حقوق إنسان بمصر:

أما رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات والتنمية، ممدوح المنير، فيؤكد أن "مصر لم يعد بها حقوق إنسان حتى تكون هناك أوضاع للمؤسسات الحقوقية"، مؤكداً: "الانقلاب العسكري جاء ليقتل الإنسان والضمير".

وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين"، يقول المنير: "رغم الانتهاكات الحقوقية الكثيرة التي يمارسها النظام المصري، فإنه كان لا يقترب كثيراً من المنظمات الحقوقية ذات الامتدادات الخارجية، خاصة الأمريكية منها والأوروبية، التي يتماشى بعضها مع الانقلاب العسكري، فلا يركز أو يتناول الانتهاكات بحق معارضي الانقلاب، وخاصة من الإسلاميين".

وتابع: "هذه المنظمات تؤدي أدواراً أخرى وظيفية؛ لذلك كان من الصعب التعرض لها من قِبل النظام". ولفت إلى أنه "مع وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة وحديثه المتكرر عن أنه لن يعارض وسائل قاسية لانتزاع الاعترافات، بدا أنه يعطي بذلك الضوء الأخضر للأنظمة الشمولية للتوسع في التعذيب بحق المعارضين".

ولمح رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات والتنمية إلى أن "المنظمات التي قد تُستهدف ستكون بضوء أخضر أمريكي، وإن كان الاستهداف محدوداً؛ لأن هذه المنظمات لا تقترب من ملف الإسلاميين، وهو ما يهم السلطة".

مكة المكرمة