نتائج الانتخابات اللبنانية.. فشل جديد للسياسة الخارجية السعودية

لبنان يتجه نحو حياة سياسية جديدة

لبنان يتجه نحو حياة سياسية جديدة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 08-05-2018 الساعة 12:08
يوسف حسني- الخليج أونلاين


ضربة جديدة تلقتها السعودية في معركتها المتواصلة والمتشعبة مع إيران، بعدما استحوذ "حزب الله" على عدد كبير من مقاعد البرلمان اللبناني في الانتخابات التي جرت هذا الأسبوع، ليؤكد قوة الحضور الإيراني في بلد كان ينظر إليه على أنه حديقة خلفية للسياسة السعودية.

ويعتبر حزب الله، ومن خلفه إيران، المستفيد الأكبر من الانتخابات التي جرت الأحد 6 مايو 2018، وانهت 9 سنوات من التوقف؛ حيث تمكن مع حليفه نبيه بري (رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل الشيعية) من حصد معظم المقاعد العائدة للطائفة الشيعية، إضافة إلى فوز حلفاء له في عدد من دوائر بيروت والبقاع والشمال والجنوب من طوائف مختلفة.

هذه النتائج تعتبر ضربة سياسية قوية لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، الذي كان حتى وقت قريب ينظر إليه بوصفه ذراع الرياض السياسية في بيروت، قبل أن يحتجزه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال زيارته المملكة أواخر العام الماضي، ويجبره على الاستقالة من منصبه، بحسب اتهامات الساسة اللبنانيين.

هذا التغوّل السعودي على السيادة اللبنانية، رغم فشله بعد تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أفقد المملكة واحدة من أهم مناطق نفوذها وأكثرها انصياعاً لها، فقد اجتمع اللبنانيون على اختلاف مشاربهم الدينية والسياسية على رفض ما قامت به الرياض ضد رئيس حكومتهم.

ورغم كل المحاولات التي سعى من خلالها الحريري لإبقاء العلاقات حية فإن ما تكنه النفوس أظهرته صناديق الانتخابات، التي جاءت نتائجها لتؤكد أن نظرة كثيرين له كزعيم قوي للتيار السنّي قد تغيرت بعد ما حصل له في الرياض.

كما أن تراجع التدخل السعودي في الشؤون اللبنانية، وخصوصاً بعد أزمة الحريري، على عكس ما تقوم به إيران، انسحب على نتائج صناديق الاقتراع التي اكتسحها الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله).

اقرأ أيضاً :

حليف السعودية يتراجع في انتخابات لبنان البرلمانية

- فشل جديد

بهذا التراجع الكبير لحليف الرياض في لبنان أمام تقدم خصمها، تواصل السعودية سلسلة معاركها الخاسرة في المنطقة؛ فمن خسائر عسكرية متلاحقة أمام الحوثيين في اليمن، إلى فقدان نفوذ في لبنان، وبينهما حصار فاشل لدولة قطر، تتعزز حقيقة أن البلد الكبير في الشرق الأوسط بات يعاني فشلاً مزمناً في سياسته الخارجية.

ويبدو أن هذه السياسة السعودية الجديدة التي تتعامل مع الجيران وكأنهم توابع تثير شغف ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يصر على الظهور بمظهر القائد ولو في معارك خاسرة، بحسب مراقبين.

فبعد أن بدأ حياته السياسية بحرب أفقدته نفوذاً كبيراً كان يملكه في حده الجنوبي، قاد بن سلمان، ومن خلفه الإمارات ومصر والبحرين، حصاراً على الجارة قطر وحاول هو ووزير خارجية بلاده عادل الجبير تصوير الأمر وكأنه مبارزة بين طفل وأربعة رجال، ليكتشف لاحقاً أن تداعيات ذلك قد جاءت عكسية.

وفي لحظة فشل سياسي جديد قرر الأمير السعودي الشاب استدعاء رئيس الحكومة اللبنانية لزيارة الرياض في نوفمبر 2017، ثم اعتقله وأجبره على الاستقالة، لتنهال اتهامات الصحافة العالمية وتصريحات لبنانية رسمية بأن حاكم الرياض الفعلي يبدو وكأنه "زعيم مافيا" وليس رجل دولة.

تراجع بن سلمان أمام ضغط باريس وأطلق سراح الحريري، ليتراجع الأخير عن استقالته، فيما يشبه الصفعات المتتالية على وجه السياسة الخارجية السعودية، التي أضاف إليها اللبنانيون صفعة جديدة مدوية، تؤكد غياب الجالس في قصر اليمامة عن بيروت على عكس فترات سابقة.

اقرأ أيضاً :

اقتراع خجول بأول انتخابات برلمانية في لبنان منذ 9 سنوات

- تراجع تأثير الرياض

الضربة هذه المرة جاءت في منطقة حساسة وبسلاح العدو اللدود حزب الله، وأفقدت واحداً كان يعتبر من أبرز أذرع المملكة السياسية (الحريري) كثيراً من قوته، فأصبح البلد المهم أشبه ما يكون بعصا في يد حزب الله الذي قويت شوكته سياسياً فضلاً عن قوتها عسكرياً، في ظل رد فعل سياسي "بارد" من الحريري.

وأصبح مصير الحريري مرهوناً بقرار من الرئيس ميشال عون، الذي وصل إلى قصر بعبدا بدعم من حزب الله. ما يعني أن مهندس السياسة الخارجية السعودية أخرج مشهداً شديد البؤس فيما يتعلق بالتعامل مع لبنان.

وفي تعليقه على ما أفرزته الانتخابات قال الأمين العام لـ"حزب الله،" حسن نصر الله، إن هذا الحضور النيابي للمقاومة وحلفائها يشكّل "ضمانة كبيرة لحماية معادلة الشعب والجيش والمقاومة الكفيلة بحماية البلد".

واعتبر أن الحملة ضد حزبه أعطت نتائج عكسية ودفعت مناصريه إلى التصويت بكثافة أكبر، مشدداً على أن النتائج أثبتت أن "بيئة المقاومة" وقفت إلى جانب الحزب "ولم تعاقبه"، وهو أمر قد يعكس زيادة شعبية نصر الله، بقدر ما يعني نقص شعبية حاكم السعودية.

وقد عزا الكاتب السياسي توفيق شومان حصول حزب الله وحركة "أمل"، على غالبية المقاعد النيابية الشيعية إلى الحملة الانتخابية التي قادها نصر الله عبر إطلالاته المكثفة في الآونة الأخيرة؛ ما مكنه من احتواء أي أصوات اعتراضية.

وقال شومان لقناة "الجزيرة" الإخبارية، إن هذا الفوز يعود إلى ولاء الناخبين، معتبراً أن فوز الثنائي الشيعي لن يكون له تأثير كبير في الساحة السياسية الداخلية، باعتبار أن جل اهتمام حزب الله مرتكز على القضايا الخارجية.

أما الحريري ورغم احتفاظه بزعامة الطائفة السنية على مستوى البلاد، فقد خسر عدداً من المقاعد في بعض دوائر بيروت والشمال والبقاع والجنوب، ما قلّص كتلته البرلمانية التي كانت 32 نائباً إلى 21 فقط.

وفي تعليقه على نتائج الانتخابات، قال الحريري إن تياره "انتصر" ونال كتلة نيابية كبيرة من 21 نائباً، علماً أنه كان يراهن على كتلة أكبر وأكثر تنوعاً، لافتاً إلى أن تياره كان يواجه مشروع إقصاء من الحياة السياسية.

في المقابل، رفع التيار الوطني الحر الموالي للرئيس اللبناني ميشال عون حصته النيابية حاصداً 29 مقعداً مع حلفائه، وفقاً لما قاله رئيس التيار جبران باسيل، الذي أشار إلى أن كتلته هي الكبرى في البرلمان.

ويمكن اعتبار أن حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع سجل نقلة نوعية، إذ تمكن من مضاعفة عدد أعضاء كتلته البرلمانية ليثبّت نفسه لاعباً أساسياً في المعادلة السياسية. في حين حافظ الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط على كتلة نيابية وازنة، تمكنه من الاستمرار في أداء دور بارز.

وأعلن وزير الداخلية نهاد المشنوق، منتصف ليل الأحد، أن نسبة المشاركة بلغت 49.20%، مقارنة بـ54% في انتخابات عام 2009"، معتبراً أن "عملية الانتخاب كانت بطيئة جداً" نتيجة القانون الجديد، بعد عقود اعتمد فيها لبنان النظام الأكثري.

وبلغ عدد الناخبين المسجلين الذين يحق لهم الاقتراع أكثر من 3.7 ملايين شخص. وتنافس 597 مرشحاً بينهم 86 امرأة للوصول إلى البرلمان الموزع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، في البلد الصغير ذي التركيبة الطائفية الهشة.

وتكشف النتائج تلقي حلفاء المملكة العربية السعودية في لبنان صفعة قوية، حيث مني رئيس الحكومة سعد الحريري (وتيار المستقبل) بالخسارة الكبرى في تاريخه، لا سيما في مناطق العرقوب وصيدا وجبل لبنان وبيروت وطرابلس وزحلة والبقاع الغربي.

هذه الخسارة أنهت وبشكل نسبي احتكار الحريري وتياره للتمثيل السنّي في لبنان، وإن كان يتصدر قائمة القوى السنيّة بما يهيئ له تشكيل الحكومة مستقبلاً، غير أن الأمر لن يكون بـ"النزهة"، كما يسعى البعض للتقليل من نتائج الانتخابات لكون أن صدارة التيار السنّي لا تزال في جعبة الحريري، وهو ما سيتكشف خلال معركة تأليف الحكومة الجديدة.

هذه المعركة سيزيدها صعوبة أن من فازوا أمامه من الأقطاب البارزين مناطقياً ووطنياً؛ من أسامة سعد وعبد الرحيم مراد إلى فيصل كرامي وصولاً إلى نجيب ميقاتي، فضلاً عن خسارة الحريري المقاعد غير السنيّة.

وبالمجمل، فإن العلامة الفارقة في الانتخابات حتى الآن تتركز في الخسارة التي منيت بها قوى الرابع عشر من آذار، من الجنوب إلى الجبل والشمال وبيروت والبقاع، وذلك رغم الدعم والتمويل الذي تتلقاه من الخارج، لا سيما عن طريق السعودية التي كانت ترى فيها الأمل نحو استعادة نفوذها مرة أخرى في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني عبر ذراعه العسكرية حزب الله.

وإجمالاً يمكن القول إن ما حدث يسجل نقلة نوعية نحو تدشين مرحلة جديدة في تاريخ لبنان، شكلت انعطافة في إدارة الحياة السياسية في البلد الذي مزقته الحرب الأهلية لسنوات.

وقد يكون إحداث أي تغيير على صعيد التمثيل السياسي أمراً مستبعداً في الوقت الراهن، لكن التوازنات تبدلت بطريقة تتيح توقع نمط آخر من المواجهات المقبلة، وهو ما سيتضح جلياً في طريقة تأليف الحكومة وآلية إدارة ملفات اللبنانيين، لكن الأكيد أن نفوذ السعودية في هذا البلد لم يعد كما كان أبداً.. ويبدو أنه لن يعود.

مكة المكرمة