هكذا انتهت قصة طلاب الحياة على "قارب الموت"

قوارب الموت ترسم نهاية أحلام الباحثين عن الحياة

قوارب الموت ترسم نهاية أحلام الباحثين عن الحياة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 21-09-2014 الساعة 13:38
جهاد عدلة - الخليج أونلاين


كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، اليوم الأحد، عن تفاصيل جديدة في حادثة القارب الذي حمل مئات المهاجرين غير الشرعيين العرب وتم "إغراقه" على بعد نحو 300 ميل بحري جنوب شرق مالطا في مياه البحر المتوسط الأربعاء (09/10).

وقال المرصد، من مقره بجنيف، إن نحو 450 شخصاً بينهم 100 طفل لقوا حتفهم بعدما تعرضوا لعملية إغراق متعمدة، مشيراً إلى أن معظم الضحايا من الفلسطينيين.

وبحسب بيانات وشهادات جمعها المرصد الحقوقي، فإن عشرات الضحايا معظمهم من فلسطين، وبعضهم من سوريا ومصر، وصلوا إلى مدينة دمياط المصرية بطرق مختلفة، بعد أن دفعوا مبالغ متفاونة وصل بعضها إلى 1500 دولار، ليبدؤوا رحلتهم إلى أوروبا، مقابل مبالغ وصلت إلى 4 آلاف دولار.

ظهرت المشاكل في طريق المهاجرين منذ الساعات الأولى لـ"رحلتهم الأخيرة"، حينما سرقت بعض ممتلكاتهم في أثناء نقلهم بحافلات كبيرة إلى شاطئ الإسكندرية تمهيداً لسفرهم بالقارب.

وبعد السرقة، جاءت المفاجأة؛ إذ وجد نحو 450 شخصاً، بينهم عائلات كاملة، أنفسهم، يوم السبت (09/06)، مكتظين في قارب من طبقتين، تم توزيع نحو 200 شخص في الطابق السفلي، و250 شخصاً في الطابق العلوي.

انطلق القارب في رحلته، قبل أن يفرغ حمولته من "الزبائن"، بعد ساعتين، لصالح قارب آخر بناء على طلب المهربين، فانتقل الركاب، "الحالمون" بحياة "آدمية" في الجانب الآخر من "المعمورة"، إلى قارب آخر حملهم لنحو 36 ساعة. بعد ذلك قرر "أولياء الأمر" من المهربين الانتقال إلى قارب ثالث يوم الاثنين (09/08).

لم يكن أحد من مئات المهاجرين ينتظر أن تصل رحلتهم الطويلة والشاقة إلى المستوى الذي جعلهم يديرون عملية تقشفية في ثالث مراكب البحث عن الحياة؛ إذ توقفت في المركب مضخة المياه، وبقي من الطعام قليل من التمور لا يكاد يقيم أصلابهم، ثم لجأ الركاب، بعد ذلك، إلى حساب الأولويات عندما بدأ يشحّ الماء، فجعلوا أطفالهم في مقدمة الشاربين، وتراجع الكبار إلى الوراء.

وبحسب إفادة ناجين، فإنه بعد ساعة من الإبحار على متن قاربهم الكبير في مياه البحر المتوسط: "ظهر بشكل مفاجئ قارب صغير يحمل اسم "الحاج رزق- دمياط"، وكان على متنه ما بين 5 و10 أشخاص، وعند اقترابهم من المركب أخذوا يصرخون بلهجة مصرية، ثم صدموه مرتين أو ثلاث مرات بشكل متعمد".

أدت عمليات الصدم إلى فتح ثغرة في القارب تسرب الماء من خلالها إلى داخله فغرق بمن فيه، وحينها كان الأشخاص الذين يستقلون مركب "الحاج رزق" يحومون حول القارب المغرق ليتأكدوا من غرقه، في حين تتعالى ضحكاتهم الساخرة، بحسب أحد الناجين.

توفي عشرات النساء والأطفال فور إغراق المركب، في حين حافظ ما بين 100 و150 شخصاً على "نقاط تماسٍّ" مع الحياة عبر أصابعهم التي "عضّت" على أطراف المركب وألواحه العائمة، إلا أن الرياح الشديدة "تحالفت" مع البرد والعطش ضد معظم الممسكين بالألواح، فقطعت صلات معظمهم بالحياة.

وحدهم ما بين 20 إلى 30 شخصاً، بينهم طفل عمره 9 شهور، تساهل معهم البحر قليلاً، فأفسح لهم فرصة التحلق حول بعضهم حتى نهاية اليوم الثالث من "رحلة الموت"، ثم قالت الأمواج العاتية كلمتها ففرقت بين المتحلقين في دائرة قطرها 3 كليومترات، لتتركهم تحت رحمة بحر هائج مائج أصم أعمى، لا يحتفظ بأي علاقة مع الرحمة، ولا يعرف لغة "النظر" بوجود طفل بريء، أو امرأة عاجزة، أو شيخ باحث عن متعة في "بقايا" حياة شرق أوسطية كانت غنية بالدماء والقهر والاحتلال، ولا بأس، بالفقر أيضاً.

مع نهاية رابع أيام الرحلة، لمعت في عيون المتفرقين بارقة أمل بطلتاها طائرة وسفينة. أما الطائرة فقد مرّت مرّ السحاب ببلادة يحسدها عليها حتى أولئك الذين يقتلون ويغتصبون ويهجّرون في بلاد المهاجرين "الممسكين" بالألواح، في حين حملت السفينة سبعة من العائمين الأحياء، بينهم الرضيع ذو الـ9 شهور، هم وحدهم الذين انتصرت إرادة الحياة في أحشائهم وعقولهم وقلوبهم على قسوة البحر وشدة رياحه، وتجاهله لرغباتهم.

انتظر الناجون تسع ساعات قبل أن تنقلهم طائرة مروحية إلى مستشفى بجزيرة "كريت" اليونانية، غير أن روح الرضيع وجسده الغضّ لم يقويا على كل هذه المصاعب فترك جسده في المستشفى وارتقت روحه إلى علّيين.

وفي عمليتي إنقاذ، تمكنت سفينة بنمية من إنقاذ فلسطينيين اثنين، من بين عشرات الجثث الطافية على الماء، في حين تمكنت سفينة تجارية فرنسية من إنقاذ ثلاثة فلسطينيين ونقلتهم طائرة من خفر السواحل إلى مالطا.

وبعيداً عن القلق الذي أظهرته مها الحسيني، المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي، من أن تكون سلطات بعض الدول الأوروبية تجاهلت الكارثة عن علم، بهدف الحد من تدفق المهاجرين، فإن حاصل الناجين من "رحلة الموت" هم 11 شخصاً بينهم طفلة سورية عمرها عامان، انطلقت من سورية برفقة عائلتها، ووصلت إلى "مالطا" في أوروبا وحيدة "فريدة" في قصتها، يتيمة نظام سياسي "سبق" خيال البشر في مقدرته على الأفعال والأقوال عشقاً لاستمرار الجلوس على الكرسي.

وإلى جانبها فتاة سورية بعمر الزهور (19 عاماً) ستبقى لفترة طويلة تجري عملية حسابية مرهقة ومدمرة نفسياً حول الجدوى من كسب حياة في أوروبا "محشوة" بذكريات الموت ومفارقة الأحباب والبلاد.

مكة المكرمة