هكذا غازلت تركيا "السعودية الجديدة"

تتطلع تركيا إلى حليف ثنائي استراتيجي في الشرق الأوسط

تتطلع تركيا إلى حليف ثنائي استراتيجي في الشرق الأوسط

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 31-03-2015 الساعة 12:41
إسطنبول - أماني السنوار - الخليج أونلاين


على مدار العقود الماضية، لم تكن العلاقات السعودية - التركية على ما يرام، فمن جهة كان الإرث التاريخي المرير بين السعوديين والعثمانيين مطلع القرن الماضي حاجزاً جليدياً بين الجانبين، ومن جهة ثانية، قامت سياسات الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك قائمة على أدبيات الانفتاح على الغرب، وإشاحة الوجه عن العالم الإسلامي.

ومع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قبل 12 عاماً، لم يتغير الكثير في سياق العلاقة مع الرياض؛ فالحزب المحافظ صاحب الأطروحات التصالحية مع عمق تركيا الإسلامي، استطاع تصويب علاقة بلاده مع كثير من دول الجوار قبل "الربيع العربي"، وانفتح على سوريا والأردن ولبنان ومصر، لكن التوازنات الإقليمية والدولية وضعته في أغلب الأحيان على طرف النقيض مع السعودية وسياساتها في المنطقة، حتى اصطبغت العلاقات بعقود من البرود والنفور وفقدان الثقة المتبادل.

ومنذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في السعودية، حرصت الرياض على تفعيل الدبلوماسية السعودية ومدّ جسور التواصل مع جميع الأطراف، لكنّ هذا الحرص سبقه بادرة تركية لافتة عملت على شد أشرعة التواصل سريعاً صوب السعودية.

ولعل أول هذه الأشرعة التي مدّتها أنقرة، تمثلت بحرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الحضور في جنازة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وتقديمه واجب العزاء للملك سلمان، على الرغم من عدم تلقيه دعوة رسمية لحضور الجنازة؛ ثم جاءت الزيارة الرسمية لأردوغان إلى الرياض قبل شهر، وما لقيه من حفاوة سعودية واضحة، لتعزز من إذابة الجليد بين الطرفين.

صافرة التحول

لكن صافرة التحول في سلوك أنقرة وانفتاحها لمد جسور الثقة مع السعودية، تجلّت بالموقف الحازم من العملية العسكرية السعودية-العربية ضد معاقل الحوثيين في اليمن، إذ أعلنت تركيا أنها تدعم العملية، ودعت كلاً من "إيران والمجموعات الإرهابية إلى الانسحاب من اليمن".

ولم يمضِ وقت طويل حتى أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تصريحات نارية غير معهودة ضد طهران، إذ دعاها للانسحاب من "اليمن والعراق وسوريا" قائلاً: إن "سياساتها التوسعية باتت تضايق تركيا والسعودية والخليج"، وحرص على جمع اسم بلاده مع السعودية في الكفة ذاتها.

ودخلت أنقرة في حالة تراشق إعلامي مع طهران، كادت أن تعصف بزيارة مجدولة مسبقاً لأردوغان إلى إيران، في السابع من أبريل/ نيسان، قبل أن يُعلن الأخير أن الزيارة ما زالت قائمة، دون أن ينفي في الوقت ذاته احتمالية إلغائها نظراً لتطوراتٍ ما، ستؤول إليها الأحداث في اليمن.

غزل تركي للسعودية

المتابع لتصريحات المسؤولين الأتراك خلال الأسبوع الماضي، سيلحظ تبدلاً واضحاً في صيغة الخطاب مع إيران، على الرغم من ارتباط البلدين بجملة من المصالح الاقتصادية الواسعة، واعتماد تركيا الكبير على إيران في جانب واردات الطاقة.

إذ بات واضحاً أن تركيا صارت اليوم تستخدم عبارات "التمدد الشيعي" و"المجموعات الإرهابية" للدلالة على المليشيات المدعومة إيرانياً، كما لم تعد تكتفي بالتلميح إلى تغلغل طهران في المنطقة، بل باتت تندّد به على لسان أرفع مسؤوليها.

ويرى مراقبون، أن تخلي تركيا عن دبلوماسيتها المعهودة مع إيران حديثاً، على الرغم من قدم الخلافات بين البلدين، فيه إشارة إلى رغبة تلحّ على المسؤولين الأتراك لإيصال رسائل للسعودية، بأنهم اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى موقفها في الإقليم، وأنهم يتطلعون إلى تنسيق وشراكة حقيقية، تبدأ من اليمن ولا تتوقف عند سوريا والعراق.

ويُعيدنا مشهد الغزل التركي للسعودية، إلى النحو الذي ألقت فيه أنقرة بثقلها في دعم الثورة المصرية ونظام ما بعد الثورة، أملاً في أن يلعب البلدان دور الثنائي الإقليمي المتناغم، قبل أن تنهار هذه التطلعات بالانقلاب العسكري صيف عام 2013.

الرسالة الأخرى التي حرصت تركيا على إيصالها، بأنها إن كانت اليوم مكبلة بجملة من المتغيرات والمعيقات الداخلية عن اتخاذ خطوة عملية في التحالف العشري، فإنها تدعم هذا التحالف؛ ويعود ذلك لكون البلاد مقبلة على استحقاق برلماني حساس في يونيو/ حزيران، كما يسعى حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى تعديل الدستور وترسيخ النظام الرئاسي، إلى جانب أن أدبيات الدولة طالما استندت إلى حل الأزمات بالطرق الدبلوماسية والسياسية.

ورغم العين التركية المصوّبة نحو الأهداف المحلية الاستراتيجية، إلا أنها حرصت على تسجيل ورقة دعم بامتياز للسعودية، أملاً بتحقيق القاعدة التي تقول بأن "السياسة سلف وديْن"، ربما بانتظار أن تكون اليمن (بوابة السعودية الجنوبية) اليوم، وتكون سوريا والعراق (بوابة تركيا الجنوبية) غداً أو بعد غد.

مكة المكرمة