هل أكملت "تحرير الشام" أوراق اعتمادها كـ"وكيل دولي مقبول"؟

باتت الهيئة أمراً واقعاً في الشمال السوري
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Gmn4rm

هيئة تحرير الشام مصنفة إرهابياً على لوائح أغلب الدول

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 10-01-2019 الساعة 15:20

لا تلبث الجبهات تهدأ في شمال سوريا حتى تعود لتشتعل مجدداً، في ظل أجواء باردة يعيش خلالها النازحون السوريون ظروفاً مناخية صعبة تزيد من همومهم الكثيرة.

وتبدلت مع الأجواء المتبدلة خريطة الشمال السوري، والقوى المتموضعة في هذه الجغرافيا التي يسعى الجميع للسيطرة عليها ولإثبات أنه قادر على إدارتها منفرداً، وأنه أحق بها من سواه.

- تحرير الشام "الحكم لي"

فمنذ اليوم الأول من العام الجاري تشن هيئة تحرير الشام (وتمثل جبهة النصرة القوة الضاربة فيها) معارك ضد أغلب فصائل الجيش الحر المنتشرة في ريف حلب الغربي وريف إدلب، قبل أن توقّع مع باقي الفصائل اتفاقاً لوقف إطلاق النار في محافظات إدلب وحلب وحماة يوم الخميس (10 يناير 2018).

واستعادت "هيئة تحرير الشام"، يوم السبت الماضي، سيطرتها على مواقع كانت قد خسرتها خلال المواجهات مع "الجبهة الوطنية للتحرير"، أكبر تجمّع عسكري للمعارضة السورية شمال غربي سوريا، وذلك ضمن اتفاق من المفترض أن يضع حداً للاقتتال الذي اندلع على مدى أيام، وانتهى بالقضاء على "حركة نور الدين الزنكي"، وسيطرة "تحرير الشام" على الجزء الأكبر من ريف حلب الغربي.

وتبسط "تحرير الشام" سيطرتها على مدينة إدلب، مركز المحافظة التي تحمل ذات الاسم، إضافة إلى بلدات ومدن وقرى في ريفها، لعل أهمها: جسر الشغور، وحارم، وسرمدا، وسلقين، ودركوش، وسراقب، وخان شيخون. وتسيطر الهيئة كذلك على مدينة مورك في ريف حماة الشمالي، والأتارب، ودارة عزة، ودير سمعان وقلعتها التاريخية، ومغارة الأرتيق، والهوتة وعنجارة، ومناطق أخرى من ريف حلب الغربي، وتسعى للسيطرة على باقي محافظة إدلب لتنفرد بها وحدها.

وتركَّز هجوم "تحرير الشام" على مناطق كفرنبل وخان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، وسيطرت فيها على قرى وبلدات كوكبة وراشا الشمالية والجنوبية والزنكار وترملا وسفوهن والنقير وفليفل وسطوح الدير والهبيط وعابدين وأرينبة وكرسعة والصفاء وكورسا وشولين والحلوبة، بالإضافة إلى قرى وبلدات الدقماق والزقوم وقليدين والقاهرة والعنكاوي والعمقية في ناحية الزيارة في سهل الغاب.

وتعتبر تلك المناطق تحت نفوذ "أحرار الشام"، وينتشر فيها أيضاً "صقور الشام" و"جيش النصر" و"الجيش الثاني". ووقعت معظم المواجهات مع مقاتلي "أحرار الشام"، بحسب مواقع محلية سورية.

وشنت "تحرير الشام" حملة دهم واعتقال في القرى والبلدات التي سيطرت عليها حديثاً واعتقلت مقاتلي "أحرار الشام"، وفصائل "الجبهة الوطنية". ونفذت "الهيئة" عمليات دهم للمنازل في بلدة الهبيط بريف إدلب التي شهدت أعنف المعارك بين الطرفين، بعدما حاولت "أحرار الشام" استعادتها.

ورفضت "أحرار الشام" وكل من "صقور الشام" و"فيلق الشام" تسليم مواقعها في مدينة معرة النعمان وأريحا وجبل الزاوية لتحرير الشام، بعد طلب الأخيرة إدارة المدن والبلدات المذكورة عسكرياً وإدارياً، بالإضافة إلى مطلبها بتسليم أسلحتهم الثقيلة كافة.

كما توعد قائد صقور الشام، أبو عيسى، بقتال الهيئة وطردها من المواقع التي تقدمت إليها مؤخراً، أما أحرار الشام فقال قائدها جابر باشا، في بيان: "هيئة تحرير الشام انكشفت على حقيقتها الزائفة وبغيها وأكاذيبها"، مضيفاً أن "أريحا ومعرة النعمان وجبل الزاوية وسهل الغاب لن تكون نزهة لها".

- على نهج الأسد

وكان مثيراً للجدل ما قامت به "الهيئة" بسيرها على خطا نظام الأسد في تهجير مقاتلي الجيش الحر والمدنيين في المناطق التي تسيطر عليها، حيث تخيّر هؤلاء بين الخضوع لها بشكل مطلق، أو النزوح إلى منطقة "غصن الزيتون" التي تضم مدينة عفرين وريفها، شمال غربي حلب.

وقد اضطرّ سكان مدينة الأتارب، غرب حلب، بعد حصار واستهداف المنازل بالرشاشات الثقيلة من قبل مسلحي "الهيئة"، للتوقيع، السبت الماضي، على اتفاق نصّ على السماح للأخيرة بدخول المدينة وتهجير المسلحين المعارضين إلى منطقة عفرين. وتكرّر الأمر، الاثنين، في بلدة حزانو في ريف إدلب، حيث أُبرم اتفاق مماثل جنّب البلدة القتال مع "الهيئة".

وقد هجر نظام الأسد، على مدار السنوات الأربع الماضية، سكان عشرات المناطق ضمن سياسات الحصار الشديد، ثم القصف الممنهج، ثم التخيير بين الاستسلام أو التهجير القسري نحو مناطق شمالي سوريا.

- ما موقف الجيران؟

ويتضح أن "تحرير الشام"، المصنفة على لوائح الإرهاب، تسعى لعدة أهداف من تحركاتها السريعة والخاطفة، فهي قوة عسكرية ضاربة في بقعة تخضع لاتفاق دولي لوقف إطلاق النار برعاية تركية روسية (اتفاق سوتشي في سبتمبر الماضي)، ما يجعلها وحيدة في قرارات السلم والحرب، وتمتلك نفوذاً ضمن أكبر تجمع بشري لمنطقة خارجة عن سيطرة نظام الأسد.

واعتبر مراقبون في الشأن السوري أن ما تقوم به هيئة تحرير الشام من التمدد على حساب المعارضة في الشمال السوري يمثل رغبة دولية في هذا الاتجاه، وأن الهيئة رغم رفضها العلني لاتفاق سوتشي الموقع فإنها في الميدان تنفذ الاتفاق بكل مرونة، على خلاف المعارضة التي يبدو أنها جهة غير مرغوب بربطها بهذه الملفات الحساسة.

ويتساءل مراقبون عن موقف الضامن التركي من الاقتتال، إذ تختفي التصريحات الدولية تماماً عن الوضع الشائك في مناطق الشمال السوري، وهو ما تستغله هيئة تحرير الشام، أو ما يعتبره البعض ضوءاً أخضرَ يمكنها من التهام المناطق والقضاء على المنافسين واحداً تلو آخر.

ولا يمكن التكهن بموقف أنقرة المؤكد مما يجري في الساحة التي يتصل نفوذها بها، حيث تشكل موافقتها ضوءاً أخضرَ لهذا التنظيم ليكون وكيلاً مضبوطاً في ظل الفوضى التي تعيشها المناطق المحررة، على حساب السوريين الذين خرجوا على مدار الأيام الماضية رافضين لوجود "الهيئة" في مناطقهم.

وسبق لهيئة تحرير الشام أن قضت على أكثر من 15 فصيلاً عسكرياً خلال السنوات الماضية، وسيطرت على مقارِّها وكامل أسلحتها الثقيلة، بعضها مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، وأخرى من دول إقليمية، ومع ذلك لم يتحرك أحد ضد تحركاتها العسكرية وتضخم نفوذها، رغم أنها مصنفة على أنها "إرهابية"، وهاجمت الكثير من الفصائل بدعوى أنها عميلة للغرب أو تطبق مخططات لا تخدم "الجهاد الشامي" أو "الثورة السورية"، بحسب آخر خطابات قائدها "أبو محمد الجولاني".

مكة المكرمة