هل تفلح التحركات السعودية في إفشال التدخل الروسي بسوريا؟

زادت السعودية من وتيرة تزويد فصائل المعارضة السورية بصواريخ "تاو" المضادة للدروع

زادت السعودية من وتيرة تزويد فصائل المعارضة السورية بصواريخ "تاو" المضادة للدروع

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 26-10-2015 الساعة 13:49
برلين - وسام أبو الهيجاء - الخليج أونلاين


بعد مضي نحو شهر على بدء الضربات الجوية الروسية المباشرة لصالح النظام في سوريا، بدأت خلفيات التدخل الروسي في سوريا على المستويين العسكري والاستراتيجي بالتبلور شيئاً فشيئاً وفقاً لمجريات الغارات الروسية على مواقع المعارضة السورية، والتحركات السياسية التي تجريها موسكو على الساحة الدولية.

فرضت روسيا على المجتمع الدولي وعلى الدول الإقليمية؛ واقعاً جديداً على الأرض بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا، وذلك في مسعى منها لإنقاذ جيش النظام وتدعيم موقفه على الأرض إثر الهزائم التي مني بها مؤخراً، وتلقي حلفاء الأسد في الحرس الثوري الإيراني وقوات حزب الله ضربات موجعة أتت على الصفوف الأولى من قيادتها في سوريا، ولمنع سقوط العاصمة دمشق بيد فصائل المعارضة، تمكنت الأطراف الإقليمية والدولية من استعادة توازنها سريعاً وفهم المعادلة الجديدة في سوريا، وهو ما انعكس جلياً على التحركات الدبلوماسية واللقاءات المكوكية الأخيرة بين مختلف الأطراف حول الملف السوري.

أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن لا وجود للخطوط الحمراء في الصراع الدائر في سوريا، وأيقن بوتين أن التدخل العسكري الروسي في سوريا سيكون بمثابة تطبيق عملي للعقيدة العسكرية الروسية الجديدة التي أعلن عنها بوتين بنفسه في مؤتمر صحفي أواخر العام الماضي، حدد خلالها إن صح التعبير، قواعد الاشتباك مع حلف شمال الأطلسي، بعد أن توسع الحلف شرقي أوروبا دون تحفظ، وأثار غضب القيصر الجديد لروسيا، الساعي لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإحداث توازن في القوى مع القطب الأمريكي الواحد.

- الأطراف الإقليمية الفاعلة في سوريا

واصلت إيران سياساتها التوسعية الرامية إلى خلق واقع جديد في الشرق الأوسط، يمكنها من الدخول إلى الأسرة الدولية كقوة ٍإقليمية كبرى، لها الحق في التحرك نحو الشرق ونحو الغرب حفاظاً على مصالحها الحيوية وأمنها القومي، ومن أجل ذلك، ذهبت إيران بعيداً في دعمها للأسد وبتدخلها العسكري المباشر في الصراع الدائر في سوريا، وبدت كالمقامر الخاسر خلال 4 سنوات من القتال على الأرض، زجت خلالها إيران بنخبة قواتها وقادتها العسكريين، وجعلت من سوريا محرقة أذرعها الشيعية في لبنان والعراق وحتى أفغانستان.

عربياً، أيقن الملك سلمان بن عبد العزيز فور استلامه مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية، أن لا خيار أمام السعودية وحلفائها من دول مجلس التعاون الخليجي وقطر على وجه التحديد، سوى قطع الطريق أمام إيران من إكمال هلالها الشيعي الذي يمر بالعراق وينتهي بنظام حكم هزيل في سوريا يقوده الأسد، الذي بات يدين لإيران ببقائه في سدة الحكم حتى اليوم، وهو ما يهدد الأمن القومي السعودي والخليجي بشكل مباشر في ظل الحرب الباردة وغير المباشرة التي تشنها إيران منذ سنوات مع جيرانها الخليجيين.

تركيا وبحكم حدودها المشتركة مع سوريا والممتدة على طول مئات الكيلومترات، لم تكن يوماً في منأى عن الحرب المستعرة في المناطق والأقاليم المتاخمة لحدودها، فبعد أن سلم بشار الأسد إدارة المناطق الكردية على الحدود مع تركيا لحلفائه من الأكراد أو ما يعرف بوحدات حماية الشعب YPG، وهي الذراع السوري لحزب العمال الكردساتي PKK، وهو حزب انفصالي كردي يطالب بالانفصال عن تركيا وإقامة دولة قومية للأكراد، وجدت تركيا نفسها أمام تحد كبير فرض عليها الانخراط في أتون الصراع الدائر في سوريا، وبعد سيطرة تنظيم "الدولة" على منافذ ومناطق حدودية مع تركيا، حشدت الأخيرة قطعاً عسكرية لحماية أمنها وسلامة أراضيها، وطلبت من حلف الناتو بموجب عضويتها في الحلف حماية حدودها من هجمات صاروخية بالستية محتملة من قبل التنظيم.

- التحركات السعودية عقب التدخل الروسي

استبقت موسكو تدخلها العسكري المباشر في سوريا، بوضع العصي في دواليب التحركات الإقليمية، وإقناع بعض دول المنطقة بإمكانية القيام بتحرك دولي تقوده روسيا "لإعادة تأهيل" نظام الأسد ووضع المجتمع الدولي أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما القبول بإعادة تأهيل الأسد ونظامه ليكون جزءاً من الحل في سوريا وإشراكه في التحالف الدولي لمحاربة ما يسمى بـ "الإرهاب"، وإما مواجهة خطر تنظيم "الدولة" وإفساح المجال أمام المزيد من الفوضى وتوسع نقاط الصراع على الأرض.

رفضت المملكة العربية السعودية الخوض في حلول سياسية يكون الأسد وأركان نظامه جزءاً منها، وأرسلت وزير دفاعها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو للقاء الرئيس بوتين مع بداية الغارات الجوية الروسية على المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة السورية، لتحذر موسكو من خطورة التورط في المستنقع السوري، ومن ترجيح كفة قوات الأسد على الأرض بغية تحسين فرص بقائه على سدة الحكم، عارضة عليها في الوقت ذاته التنسيق والمشاركة في الجهود الرامية لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية.

وعلى ما يبدو، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين آثر أن يتخذ من النموذج "الشيشاني" مساراً لفرض التسوية في سوريا ووقف انهيار حليفه الأسد، حيث أعادت مشاهد قصف الطائرات الحربية الروسية لقرى وبلدات سورية وتسويتها بالأرض خلال دقائق معدودة، مشاهد قصف المدن والبلدات الشيشانية، وتدمير العاصمة "غروزني" لسحق المقاومة الشيشانية للغزو الروسي.

أعاد بشار الأسد حساباته العسكرية على الأرض، معتدماً على الدعم العسكري الروسي الذي قد يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه وتطوير هجومه على جبهات القتال، إلا أن التحرك السعودي على الأرض أجبرت الرجل ومعه حلفاؤه الجدد على إعادة تقييم الموقف على الأرض، بعد أن زادت السعودية من وتيرة تزويد فصائل المعارضة السورية بصواريخ "تاو" المضادة للدروع، والتي لعبت دوراً محورياً في وقف الهجوم الواسع الذي شنته قوات الأسد بإسناد من الحرس الثوري الإيراني وقوات حزب الله، وبدعم جوي روسي، تكبدت خلاله تلك القوات خسائر فادحة في الأرواح والمعدات فيما بات يعرف بـ "مجزرة الدبابات"، وتوالى سقوط جنرالات الحرس الثوري الإيراني وقيادات حزب الله اللبناني الميدانية في تلك المعارك.

أرسلت السعودية بذلك التحرك، برسالة قوية من الميدان إلى كل من روسيا وطهران مفادها: "ما زلنا قادرين على التحرك وإفشال التدخل الروسي والإيراني في سوريا"، وتلقفت روسيا تلك الرسالة بعد مضي أسابيع قليلة على غاراتها الجوية المكلفة دون نتائج تذكر على الأرض، وبدأت روسيا بتبادل المقترحات حول شكل التسوية السياسية في سوريا مع الولايات المتحدة والسعودية وتركيا، مع استبعاد ملفت لكل من إيران ودول الاتحاد الأوروبي.

اللقاء الذي جمع بين وزراء خارجية الدول الأربع في العاصمة النمساوية فيينا، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن لموسكو الرغبة في تحسين موقعها وموقع الأسد التفاوضي، من خلال المكاسب التي يعمل الأسد على تحقيقها على الأرض بدعم من روسيا وإيران في المنظور القريب، فالأوروبيون حسموا أمرهم بقبول الأسد كجزء من الحل السياسي والمرحلة الانتقالية في سوريا وتحرك الألمان لإقناع كل من الرياض وأنقرة بضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات مع الأطراف كافة وبحث الأوراق المطروحة على الطاولة.

وعلى الطرف الآخر، فإن للمحور الإقليمي المتمثل بكل من قطر والسعودية وتركيا حسابات أخرى، إذ أعلنت كل من قطر والسعودية دون مواربة على لسان وزراء خارجيتها، أن التحرك العسكري في سوريا خيار مطروح، وهو تدخل وارد قد تفرضه التطورات على الأرض، إذ يسعى الأسد بكل ما تبقى لديه من قوات على الأرض، وبدعم عسكري إيراني ومن قوات حزب الله اللبناني وبقية المليشيات الشيعية، لإعادة السيطرة على حلب وحمص وحماة والأرياف المحيطة بها، ليتمكن من خلال ذلك من التفاوض على بقائه في الحكم وهو يسيطر على أكبر مساحة ممكنة مما يعرف "بسوريا المفيدة".

تتجلى التناقضات في المواقف الدولية وحتى العربية في رؤية كل طرف للحل في سوريا، ويمارس الأسد جرائمه بغطاء روسي وبدعم إيراني دون أن يلوح في الأفق حل قريب للصراع الدائر منذ سنوات، وتبقى الأزمة الإنسانية المتفاقمة في ظل اشتداد المعارك واتساع دائرة الاستهداف للمدنيين بفعل القصف الروسي على المدن والبلدان السورية التي تسيطر عليها المعارضة، الأقل حظاً بين قائمة المكاسب والنقاط التي تسعى الأطراف الدولية والإقليمية إلى تحقيقها.

مكة المكرمة